د أشرف الصباغ يكتب : نجيب سرور وفضح فساد العقيدة السياسية

أشرف-الصباغ-يكتب-نجيب-سرو-وفضح-فساد-العقيدة-السياسية

لم تكن أزمة الشاعر والدراماتورج المصري نجيب سرور تتعلق بظلم الأنظمة المصرية وفسادها المباشر ونفيها المثقفين في مستشفيات المجانين وفي السجون، لأن لا أحد أمر بإدخال نجيب سرور في أي مصحة أو مستشفى للأمراض العقلية، ولا توجد أي وثائق أو تواريخ مرضية. والسبب ببساطة هو أن نجيب سرور لم يكن لا مجنونا ولا مريضا عقليا. والإصرار على أن النظام السياسي وضع نجيب سرور في مستشفى المجانين، يقلل من قيمة نجيب سرور الإبداعية والإنسانية، ويوجه إنتاجه وجهوده ونشاطاته في اتجاهات أخرى تماما. 


كما أن الكثير من مصائبه الشخصية وعلاقاته وحياته الشخصية لم يؤثر على القضية المركزية في حياته، ولم يكن له علاقة بالتحول الذي حدث له عندما رأى الجريمة الكبرى أثناء تواجده في الاتحاد السوفيتي، وذلك لكي لا يركز الناس على حوادث شخصية في حياته، تم تسريبها ويركزوا عليها باعتبارها أسباب رئيسية ومركزية، لكي يعتموا على جوهر المأساة الحقيقية لنجيب سرور.


فنجيب سرور المصري لم يكن يعاني من خيانة أو تصرف شخصي لإنسان آخر، بقدر ما كان يعاني من مشكلة أكبر تتعلق بمصر وبالإنسان المصري، وبالفساد السياسي على أعلى المستويات، والتناقض المفزع بين الشعارات التي يرفعها الاتحاد السوفيتي من جهة، والشعارات التي يرفعها النظام المصري ومعه الأنظمة العربية من جهة أخرى، والتواطؤ المذهل والمعيب الذي يقارب حد الدناءة واحتقار الإنسان والتضحية به من أجل شعارات فارغة ومصالح أنظمة فاسدة في الاتحاد السوفيتي والدول العربية..


نجيب سرور كان مشغولا بكارثة أكبر من الخيانات الشخصية والجنسية، وأكبر من عبث وانتهازية الأحزاب والتنظيمات اليسارية والشيوعية والبعصية، ومن انحطاط ودناءة المثقفين، سواء الحزبيون أو غير الحزبيين، أو حتى مبعوثي الحكومة الذين وشوا به للسفارة المصرية في موسكو السوفيتية، ولا مبعوثي حزبي البعث السوري والعراقي والأحزاب الفلسطينية الذين كانوا يعملون جواسيس للمخابرات السوفيتية... 


نجيب سرور لمح واكتشف جوهر الفساد في العقيدة السياسية والأيديولوجية الروسية، والسوفيتية، والعطب الحقيقي في المنظومة الذهنية للزعماء والقادة العرب القتلة والمجرمين الذين يتلحفون بالدين وبالوطن لقتل العقل المصري والعربي من أجل البقاء في السلطة والاحتفاظ بها لأبنائهم ولزملائهم في الدين والوطنية.. 


نجيب سرور وضع يده على الكارثة الحقيقية التي كانت سببا حقيقيا لتخلفنا ودناءتنا وانحطاطنا. ولذلك كرهه الجميع، واتفق الجميع ضمنيا على تهميشه وعزله حيا، ومن ثم إعدامه. وبعد ذلك راحوا كلهم يحتفلون بنجيب سرور الميت ويدبجون الكلام والقصائد والحكايات والأساطير حوله وحول معاناته... فنجيب سرور الميت أفضل بكثير من نجيب سرور الحي المزعج الذي ليس لديه حسابات غير الحسابات المصرية حصرا..


الجميع يركزون على الأزمات الشخصية لنجيب سرور ويرجعونها لأسباب تافهة وهامشية في واحد من أحط المؤامرات على هذا المبدع المصري المتفرد متعدد المواهب والإمكانيات... لا أحد يريد أن يتحدث عن المسكوت عنه بفعل فاعل، وعن دور المخابرات السوفيتية والعاملين معها من التنظيمات والأحزاب السرية المصرية والسورية والعراقية والفلسطينية. وألقوا باللوم وبالأسباب على تفاصيل تافهة تليق بهم وبمنطقهم وبعقلياتهم التآمرية وضمائرهم الميتة...