أوكرانيا خط أحمر.. هل تقفز روسيا والولايات المتحدة إلى المواجهة العسكرية؟ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

أوكرانيا خط أحمر.. هل تقفز روسيا والولايات المتحدة إلى المواجهة العسكرية؟

أوكرانيا-خط-أحمر-هل-تقفز-روسيا-والولايات-المتحدة-المواجهة-العسكرية

لم يحل الاجتماع الافتراضي بين الرئيس الأمريكي "جو بايدن" ونظيره الروسي "فلاديمير بوتين" في 7 ديسمبر/ كانون الأول الأزمة التي بدأت نتيجة الحشد العسكري الروسي على الحدود الأوكرانية. لكن استعداد "بايدن" للانخراط في مزيد من المحادثات مع روسيا من أجل الوصول إلى "تسوية" يوفر فرصة للدبلوماسية لتجنب كارثة تلوح في الأفق.

ويهدف الحشد العسكري الروسي على الحدود الأوكرانية إلى أمرين.، أولهما فرض تسوية بين كييف والانفصاليين المدعومين من روسيا وفقا لشروط "بوتين" وبما يتماشى مع اتفاقية مينسك الثانية التي جرى توقيعها في فبراير/شباط 2015. أما الهدف الثاني الأكثر إلحاحًا لموسكو هو الضغط على الناتو للحصول على قائمة من المطالب.

وتتضمن قائمة المطالب ضمان عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو؛ والالتزام بعدم نشر أسلحة أو قوات تابعة للناتو على الأراضي الأوكرانية؛ والتعهد بأن الأسلحة الأمريكية القادرة على ضرب روسيا لن تتمركز في الدول المجاورة لها، والعودة إلى معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى التي انسحب منها الرئيس "ترامب" في أغسطس/آب 2019.

وقد قدمت وزارة الخارجية الروسية يوم الجمعة العديد من هذه المطالب في شكل مسودة معاهدة.

ويرى بعض الخبراء أن مطالب روسيا مبالغ فيها لدرجة أنها مصممة للفشل وجعل غزو أوكرانيا يبدو مشروعًا. ولكن لا تزال هناك أسباب للاعتقاد بأن روسيا تأمل في تجنب الحرب، ما يعني أنها قد تقبل بأقل من هذه المطالب الآن لأنها تدرك أن مهاجمة أوكرانيا قد تكون مكلفة.

وفي الواقع، قد تواجه القوات البرية الروسية التي ستتحرك في أعقاب الهجمات الجوية والصاروخية الأولية مقاومة عنيفة، خاصة بمجرد دخولها المناطق التي تضم أغلبية عرقية أوكرانية كبيرة. وفي حين أن التوازن العسكري بين الدول يمكن أن يكون مفيدًا للتنبؤ بمن سينتصر، فإن التاريخ يظهر أن أولئك الواثقين من تحقيق نصر سريع قد يواجهون تعقيدات غير متوقعة.

ومن المرجح أن تفرض الولايات المتحدة المزيد من العقوبات الاقتصادية على روسيا بما في ذلك فصلها عن نظام "سويفت" المستخدم في المعاملات المصرفية العالمية. وفي اجتماعهم الافتراضي، رفض "بوتين" تهديد "بايدن" بفرض مزيد من العقوبات؛ ورد بأن روسيا تكيفت معها. وكانت هناك موجة هائلة من العقوبات الأمريكية بشكل عام على مدار العقدين الماضيين - حيث تم فرض ما يقرب من 8000 عقوبة بحلول عام 2019 - وقد ابتكرت روسيا ودول مستهدفة أخرى طرقًا مختلفة للتخفيف من آثار هذه العقوبات.

علاوة على ذلك، فإن فصل روسيا عن نظام "سويفت" سيضر بتجارة الاتحاد الأوروبي مع روسيا والتي بلغت قيمتها 219 مليار دولار في عام 2020. كما سيضر بالبنوك الأوروبية التي لها 56 مليار دولار مستحقة من المقترضين الروس. ومع ذلك، قد تضر العقوبات الإضافية بالاقتصاد الروسي الذي بدأ للتو انتعاشًا (لا يزال غير مؤكد) بعد انكماش بنسبة 3% العام الماضي بسبب آثار الجائحة. ولو كان التعامل مع العقوبات بهذه السهولة، لما اشتكت البلدان التي تعاني منها باستمرار.

ويمكن أن يفشل خط أنابيب الغاز نوردستريم 2 إلى أوروبا. لذلك فإن روسيا التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على صادرات النفط والغاز، سوف تفقد مليارات الدولارات من العائدات السنوية في حال أقدمت على عمل عسكري ضد أوكرانيا. وتبدو أوروبا منقسمة بشأن مشروع خط نوردستريم 2 فبعض الدول تروج لفوائده بينما يحذر البعض الآخر من أنه يعرض القارة للابتزاز الروسي. لكن قادة روسيا يرون أن ذلك مفيد للغاية لاقتصاد بلادهم.

وستفقد فرنسا وألمانيا (أكبر مؤيدين في أوروبا للانخراط مع روسيا) نفوذهم على بولندا والمعارضين الآخرين للتقارب. وبشكل عام، ستحرق روسيا جسورها مع الغرب. وصحيح أن موسكو لديها شراكة استراتيجية مع الصين، ولكن سيكون لديها المزيد من المرونة الاستراتيجية إذا تمكنت من الجمع بين ذلك وبين علاقة عمل مع الغرب، كما فعلت في السنوات الماضية.

ولا يعني أي من ذلك أن تحذير "بوتين" يأتي في إطار الدعاية عندما قال أن الناتو سيتجاوز "الخطوط الحمراء" لروسيا إذا اعترف الحلف بأن أوكرانيا ترقى إلى مرتبة الحليف.

وتعد وجهة النظر السائدة في الولايات المتحدة هي أن أوكرانيا دولة مستقلة ويجب أن تتمتع بحرية الخيارات والقرارات فيما يتعلق بسياستها الخارجية. وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكنه يتجاهل الواقع الذي أوجده مزيج القوة والجغرافيا. وإذا انضمت أوكرانيا إلى الناتو، فسوف يلزم الناتو نفسه بالدفاع عن بلد ضعيف يبلغ حدوده 1426 ميلاً. كما أن مخاطر الوفاء بهذا التعهد ستتحملها الولايات المتحدة وليس حلفاؤها في الناتو.

هناك تقييم آخر سائد أعرب عنه مؤخرًا خبراء بالشان الروسي، وهو أن ادعاءات روسيا بأنها مهددة باحتمال انضمام أوكرانيا إلى الناتو ترقى إلى الخدعة، وأن ما يخشاه "بوتين" حقًا هو أوكرانيا الديمقراطية. ولكن بالرغم أن "بوتين" يترأس نظام حكم استبدادي، إلا أن السجل التاريخي يوضح أن روسيا اشتكت باستمرار من توسع الناتو نحو حدودها خلال التسعينيات، حتى عندما تم الترحيب بروسيا، بقيادة "بوريس يلتسين"، في الولايات المتحدة كدولة ديمقراطية وشريك.

وكما كتب السفير الأمريكي في روسيا "توماس بيكرينغ" إلى واشنطن في برقية في ديسمبر/كانون الأول 1994 رفع عنها السرية الآن، فإن حساسية روسيا لتوسع الناتو تشعر بها عبر الطيف السياسي المحلي هنا، لذلك فإن انشغال موسكو بحلف الناتو ليس ظاهرة أتت مع بوتين".

ولم يفتح الناتو الباب لعضوية أوكرانيا (وجورجيا) فقط في إعلان قمة بوخارست ولكنه أعطى إشارات لفتحه لدول أخرى مستقبلا. علاوة على ذلك، أكد وزيرا الخارجية والدفاع الأمريكيان مؤخرًا أن أوكرانيا ربما تنضم إلى الناتو. وفي هذه الأثناء، دأبت القوات الأمريكية منذ عام 2015، على تدريب القوات المسلحة الأوكرانية، وكانت الولايات المتحدة تجري تدريبات عسكرية منتظمة مع أوكرانيا. كما زودت واشنطن كييف بـ 2.5 مليار دولار من الأسلحة والمعدات العسكرية (400 مليون دولار في هذا العام وحده) ويخصص قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2022 الذي وافق عليه الكونجرس 300 مليون دولار لمبادرة المساعدة الأمنية لأوكرانيا.

وبغض النظر عن الظروف، لن تنظر أي حكومة أمريكية بشكل ودي إلى التطورات المقلقة في نصف الكرة الأرضية الخاص بها. وترى الولايات المتحدة، وهي قوة عظمى، مصادر انعدام الأمن في كل ركن من أركان الكوكب ولديها عقيدة عمرها 200 عام تنكر حق الدول المجاورة لها في الانضمام إلى التحالف العسكري للعدو أو استضافة أسلحته (تذكروا أزمة الصواريخ الكوبية). لذلككيف تتوقع واشنطن أن يكون رد فعل روسيا مختلفًا؟

قد يفكر الأمريكيون في أن روسيا، القوة النووية التي تمتلك جيشًا قويًا، تعرف بالتأكيد أن انضمام أوكرانيا إلى الناتو غير مرجح لأن الكتلة المكونة من 30 عضوًا ستفشل في التوصل إلى اتفاق بشأن مثل هذه الخطوة المثيرة للجدل. لكن التخوف الروسي يتوافق مع منطق الأمريكيين. وبعد أن زاد عدد أعضاء الناتو من 16 في أواخر التسعينيات إلى 30 اليوم، فمن غير المعقول أن لا يتوقع قادة روسيا توسعًا إضافيًا.

ولا تزال الأزمة الحالية خطيرة، وستكون عواقب تحولها إلى حرب كارثية، وخاصة بالنسبة لأوكرانيا. لكن هناك طرق لمنع هذه النتيجة. وفي حين أن "بايدن" لا يمكن أن يلبي طلب "بوتين" بضمان عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو، يمكن للدبلوماسيين بالتأكيد التفاوض للتوصل إلى صيغة توفر لروسيا تأكيدًا بأنه لن يكون هناك تغيير في وضع أوكرانيا فيما يتعلق بانضمامها إلى الناتو على المدي القصير لكنه لا لا يحظر على أوكرانيا خياراتها بشكل كامل.

لكن هل ستكون روسيا راضية عن ذلك؟ من الناحية المثالية، تريد موسكو أن تكون أوكرانيا محايدة على غرار النمسا خلال الحرب الباردة. ولكن هل ستكون روسيا على استعداد لقبول شيء أقل من ذلك؟ لن نعرف ذلك- وربما لا يعرف الروس - حتى يتم بذل الجهود لإيجاد لغة توفق بين إصرار أوكرانيا على تقرير المصير ومطالب روسيا باحترام مصالحها الأمنية. وبالنظر إلى التداعيات الكارثية للحرب، فإن الأمر يستحق العناء بالتأكيد.

ولا ينبغي أن تقتصر مفاوضات الولايات المتحدة مع روسيا على أوكرانيا وحدها بل يجب أن تشمل تدابير بناء الثقة التي تهدف إلى الحد من المخاطر التي تشكلها المواجهات المستمرة بين السفن الحربية والطائرات الروسية والأمريكية في البحر الأسود وبحر البلطيق.

وسيستمر البعض في تصوير أي حوار أمريكي مع روسيا لنزع فتيل الأزمة على أنه خضوع لضغط "بوتين". ولكن هؤلاء أنفسهم غير مستعدين لخوض حرب من أجل أوكرانياويبنون افتراضاتهم على أن روسيا سترتدع بالتهديدات الأمريكية بغض النظر عن الظروف الجغرافية والعسكرية التي تعطي ميزة لموسكو.

ويعني ذلك أن هؤلاء يتركون أوكرانيا عرضة لمقامرة خطيرة. وقد تنحسر الأزمة الحالية لكن لا ينبغي أن نعتمد على أن نكون محظوظين في المرة القادمة. فلتبدأ المفاوضات.


المصدر | راجان مينون وبنيامين فريدمان/ ريسبونسبال ستيتكرافت