إبراهيم عوض يكتب: صدى مصطنع للحرب الباردة — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

إبراهيم عوض يكتب: صدى مصطنع للحرب الباردة

إبراهيم-عوض-يكتب-صدى-مصطنع-للحرب-الباردة

يجتمع يوم غد 10 يناير، بجنيف في سويسرا نائبا وزيري خارجية الولايات المتحدة وروسيا، بعد ستة أشهر من اجتماع رئيسي الدولتين العظميين في نفس المدينة، للتباحث بشأن مواجهة بينهما ولمحاولة الوصول إلى تسوية لها. الحلفاء الأطلسيون الأوروبيون يعلنون الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة، وروسيا هي وريثة الاتحاد السوفيتي. 

لأن الأطراف هم في معظمهم نفس أطراف الحرب الباردة الممتدة فيما بين النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي وحتى مطلع التسعينيات منه، فإنه قد يَشتَبِهُ على المتابع أن المواجهة إحياءٌ للحرب الباردة، أو أنها من أصدائها. الصدى لا يتردد لأكثر من ثلاثين سنة. أقصى ما يمكن أن يقال هو إن المواجهة صدى مصطنع. ولكن لأن المواجهة بين قوتين عظميين في مركز النظام الدولي تؤثر نتائجها على كل أطراف هذا النظام، ونحن منهم، فإنها تهمنا.

الولايات المتحدة غاضبة غضبا شديدا من روسيا وتتهمها بأنها حشدت مائة ألف جندي بالقرب من الحدود الشرقية لأوكرانيا استعدادا لغزوها، وهي تهددها بأقسى العقوبات إن هي أقدمت فعلا على هذا الغزو. روسيا تنكر أنها تفكر في غزو أوكرانيا وهو ما لا تصدقه الولايات المتحدة، مذكرةً بضم روسيا لشبه جزيرة القرم في سنة 2014، ولكنها لا تناقش أسباب المواجهة الحالية. 

الأسباب هى أن أوكرانيا في عهدها الحالي أدرجت في دستورها في سنة 2019 أن الانضمام إلى التحالف الأطلسى هدف استراتيجي لها، وهي تعمل فعلا على الانضمام إلى التحالف وهو ما لا تقبل الولايات المتحدة المساءلة فيه. ومن بعد أوكرانيا، تصطف جورجيا، الجمهورية السوفييتية السابقة، التى تروم هي الأخرى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسى. 

يبقى أن نتمنى ألا تكون المشكلات الداخلية في الساحة السياسية الأمريكية هي الدافع إلى ترحيل التوتر إلى الحدود الروسية الأوكرانية. ترحيل التوتر إلى مواجهات هنا وهناك ينذر بأوخم العواقب، ويفاقم المشكلات العميقة المتجذرة في النظام الدولي وأنظمته الفرعية.


روسيا تقدمت مؤخرا بعناصر لاتفاقية تتعهد فيها الولايات المتحدة ومعها حلفاؤها بألا تنضم أوكرانيا إلى الحلف الأطلسى وبألا يستمر في التمدد شرقا وبأن تنسحب قوات الحلف من البلدان التى لم تكن أعضاء فيه في سنة 1997 أى من جمهوريات البلطيق السوفييتية السابقة، ليتوانيا واستونيا ولاتفيا. ترفض الولايات المتحدة ذلك وتعتبره قيدا عليها وعلى حلفائها الحاليين والمحتملين وتقول إن لكل دولة تنطبق عليها الشروط أن تنضم إلى الحلف، ويصل بعض المؤيدين لمواقفها المناوئين لروسيا إلى اعتبار أن فيما تطلبه الأخيرة تهديدا لأمن الحلفاء الغربيين. بصرف النظر عن النظام السياسي والممارسة السياسية في كل من روسيا وأوكرانيا، بل وفي الولايات المتحدة نفسها، فإن المراقب الذي يجهد في الحفاظ على موضوعيته يتساءل عن العيب في موقف روسيا.

 على الرغم من الوعد الذى قطعه الرئيس جورج بوش الأب للرئيس السوفييتي ميخائيل جورباتشوف مقابل موافقة هذا الأخير على إعادة توحيد ألمانيا بألا يتمدد حلف شمال الأطلسي في وسط أوروبا وفي شرقها، فلقد انضمت المجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا ورومانيا وبلغاريا وبولندا، التى كانت كلها أعضاء في حلف وارسو، تباعا إلى الحلف الأطلسي، كما انضمت إليه ألبانيا، من جانب، وسلوفينيا وكرواتيا وشمال مقدونيا ومونتينجرو التى كانت غير منحازة كجمهوريات فيما كان يوغسلافيا، من جانب آخر.

 أضف إلى ذلك انضمام جمهوريات البلطيق الثلاث المذكورة، ليتوانيا، وإستونيا، ولاتفيا، وهو ما يعني أن عدد أعضاء الحلف شبه تضاعف فيما بين نهاية الحرب الباردة والوقت الحالي. التمدد كله كان نحو الشرق في اتجاه روسيا، وانضمام أوكرانيا من شأنه أن يجعل الحلف يطول خاصرة روسيا بعد أن وصل فعلا إلى شمال غربها. أليس مشروعا أن تخشى روسيا زحف الحزب الأطلسي في اتجاهها ووصوله إلى حدودها، على الرغم مما يقوله الأمريكيون وحلفاؤهم عن أن الحلف ليس إلا دفاعيا؟

ومع ذلك، فالمواجهة كلها تبدو عبثية. بالنسبة للروس موقف الولايات المتحدة يجوز أن يعتبر عدائيا، والأمريكيون يمكن أن يزعموا أنهم يحمون دول وسط وشرق أوروبا من أى عدوانية روسية. ولكن هل تستطيع روسيا أن تكون عدوانيةً، وهل يمكن للولايات المتحدة أن تضطلع بحماية أوروبا في العقد الثالث من القرن الحادى والعشرين وفيما بعده من عقود؟ صحيح أن روسيا ما زالت تحوز أسلحة نووية ولكن الاتحاد السوفييتى تلاشى وانفصلت عن روسيا كل من أوكرانيا وبيلاروس وكازاخستان وفككت الأسلحة النووية في الدول الثلاث التى انضمت إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. 

نظام الإنتاج المتكامل في جمهوريات الاتحاد السوفييتي الخمس عشرة تفكك بدوره فتراجعت اقتصاديا الدول المنبثقة عنه حتى صارت روسيا، رغم استمرار تقدمها العلمي وفي إنتاج السلاح، بلدا يعتمد أساسا على تصدير السلع الأساسية. في سنة 1989، كان الاقتصاد السوفيتي الثاني حجما بعد الأمريكي، فصار في سنة 2020 الحادي عشر على العالم بناتج محلي إجمالي بلغ بالكاد 1,5 تريليون دولار من مجمل إنتاج عالمي بلغ 85 تريليون دولار. نصيب الولايات المتحدة بلغ 21 تريليون دولار، ونصيبها مع حليفاتها من أوروبا الغربية وحدها، ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، بلغ 32 تريليون دولار. هل يمكن أن تقارع دولة تبلغ قيمة إنتاجها 1,5 تريليون دولار تحالفا يبلغ إنتاجه على أقل تقدير 32 تريليون دولار؟

لا يمكن عند التفاوض افتراض عدم رشادة الطرف المقابل لأن عدم الرشادة تنفي فرضية التفاوض أصلا، فعلام تتفاوض إن كان لا يمكنك أصلا توقع رد فعل من يقابلك؟ الأمريكيون وبعض حلفائهم يهددون روسيا بأشد العقوبات إن هي أقدمت على غزو أوكرانيا: عقوبات على المصارف وشركات الطاقة الروسية، وتهديد بعدم تشغيل خط أنابيب الغاز نوردستريم 2، بل وبفصل روسيا عن النظام العالمي للاتصالات المالية المصرفية، وهو النظام العالمي الحيوي لتبادل المعلومات المالية، ما من شأنه أن يوجه ضربة قاسية للقطاع المالي الروسي. هل يمكن أن تتجاهل روسيا هذه التهديدات، خاصةً أن عدم تشغيل نوردستريم 2 من شأنه أن يحرمها من أداة عظيمة التأثير على السياسة الأوروبية؟ روسيا لا يمكن أن تتجاهل التهديدات الموجهة لها.

غير أن على الولايات المتحدة ألا تفهم أن ذلك يعني أن تنزل بروسيا هزيمة ساحقة ماحقة. الروس عموما، وليس الرئيس الروسى وحده، ينظرون إلى بلدهم على أنه قوة عظمى، وروسيا دولة نووية عضو دائم في مجلس الأمن، وهي لها تاريخ هائل في الدفاع عن نفسها في القرنين الماضيين في مواجهة نابليون ومن بعده هتلر، ثم في ترجيح كفة المنتصرين في هاتين الحربين الشاملتين. ولروسيا كذلك أوراق أخرى مؤثرة هى عدم اتفاق الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الموقف الذى ينبغي اتخاذه منها، وهو عدم اتفاق يرتبط بالمصالح الاقتصادية التي تجمع روسيا بعدد من هذه الدول وفي مقدمتها أكبرها في حجم كل من الاقتصاد والسكان، وهي ألمانيا. المستشار الألمانى الجديد أبعد وزارة الخارجية الألمانية، ووزيرتها المنتمية لحزب الخضر، التى تتخذ موقفا متشددا في شأن ملف أوكرانيا، عن الملف وتولاه هو نفسه. الحزب الاشتراكي الديموقراطي الذى ينتمي إليه المستشار من كينونته أن الحوار والتفاعل هما أفضل السبل للتعامل مع روسيا وبينته على ذلك أن سياسة الوفاق هي التى أدّت انتصار فريقهم في الحرب الباردة وإلى إعادة توحيد ألمانيا. الحزب يقدِّر، والاستطلاعات تبين أن أغلبية الألمان يظنون، أن حلف الأطلسي مسئول جزئيا عن الأزمة الحالية نتيجة لتوسعه شرقا إلى منطقة نفوذ روسيا التاريخية، حتى من قبل قيام الاتحاد السوفييتي. الاستطلاعات تكشف أيضا عن أن الألمان يعتبرون أن أوكرانيا مسئولة عن تفاقم الأزمة نتيجة لعدوانيتها تجاه روسيا. وزعيم الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديموقراطي صرح مؤخرا بأنه يجب فعل كل ما هو ممكن لإبعاد شبح الحرب ولوقف التهديدات والتهديدات المضادة، ما يعني أنه ألقى باللائمة على الطرفين.

تسوية المواجهة قبل أن تتحول إلى نزاع لن تكون يسيرة ولكنها ممكنة. لعل روسيا تتعهد بعدم الاعتداء على أوكرانيا وجيرانها الذين يهمون الولايات المتحدة في مقابل ألا يتوسع الحلف الأطلسى وقواته في اتجاهها، وأن يكون التعهدان بضمان دولي تشترك في تقديمه نفس الدول المعنية. هذا معناه قبول بشيء من مناطق النفوذ الروسية، وهذا ليس أفضل التصورات في نظام دولي يفترض فيه المساواة في السيادة بين جميع الدول. ولكن أليست دول أمريكا الشمالية والوسطى والبحر الكاريبي، على الأقل، مناطق نفوذ أمريكية لا يساءل أحد فيها؟ ولنا في أزمة الصواريخ الروسية في كوبا في مطلع الستينيات من القرن الماضى تجربة لا تنسى.

يبقى أن نتمنى ألا تكون المشكلات الداخلية في الساحة السياسية الأمريكية هي الدافع إلى ترحيل التوتر إلى الحدود الروسية الأوكرانية. ترحيل التوتر إلى مواجهات هنا وهناك ينذر بأوخم العواقب، ويفاقم المشكلات العميقة المتجذرة في النظام الدولي وأنظمته الفرعية.

لذلك فمن موقعنا في بلادنا، مصلحتنا هى أن تسوّى هذه المواجهة بأسرع ما يمكن حتى تنتبه معنا القوى الدولية للمشكلات المتعددة التى نعاني منها في منطقتنا.


(الشروق المصرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "180 تحقيقات"