الانتخابات ليست الحل.. أزمة الجماعات المسلحة في ليبيا — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

الانتخابات ليست الحل.. أزمة الجماعات المسلحة في ليبيا

الانتخابات-ليست-الحل-أزمة-الجماعات-المسلحة-ليبيا

تتقدم ليبيا بشكل متعثر نحو الانتخابات الرئاسية المقررة في 24 ديسمبر/كانون الأول في ظل مخاوف من استمرار روابط الجماعات المسلحة بالنخب السياسية، مع أن الأطراف الدولية الفاعلة كانت تأمل أن تفضي الانتخابات على المستوى الوطني بعد 2011 (أبرزها انتخابات المؤتمر الوطني العام في 2012) إلى آليات لإنتاج الشرعية السياسية اللازمة لتفكيك المجموعات المسلحة وإصلاح وتوحيد قطاع الأمن.

ولكن مرة بعد مرة، ثبت أن هذا التفكير مجرد أمنيات وأن الانتخابات لم تفعل شيئًا عدا إعادة تشكيل علاقات القوة بين الشخصيات المتنافسة والجماعات المسلحة التابعة معهم.

ولا يعني الرأي العام بالنسبة لهم إلا مجرد وسيلة لغاية في أحسن الاحوال، في حين تظل الأولوية دائما للسيطرة على المؤسسات.

وقد أعاد نهج الانتخابات توزيع الغنائم السياسية والاقتصادية بين هذه الأطراف الفاعلة، وأفضى إلى وجود فائزين وخاسرين مما أدى في نهاية المطاف إلي تصاعد العنف. ولن تكون الانتخابات القادمة استثناء.

أما ما ظهر من ومضات خاطفة من استقرار وتعاون بين الخصوم السابقين في فترة ما قبل الانتخابات فقد كانت إلى حد كبير نتيجة لصفقات بين النخب مما يجعلها متقلبة وعرضة للتغيير.

آمال دولية غير واقعية

كان القصور الرئيسي لأحدث خارطة طريق سياسية مدعومة من الأمم المتحدة هو غياب منصة مؤسسية قوية لإصلاح قطاع الأمن بعد الانتخابات بحيث تحظى بقبول قادة الجماعات المسلحة القوية.

واعتمد الدبلوماسيون الدوليون بشكل مفرط على "اللجنة العسكرية الليبية المشتركة 5+5" (تتألف من 5 عسكريين من قوات حكومة الوفاق الوطني و 5 آخرين من قوات الجنرال خليفة حفتر).

وجرى إعداد تصور لهذه اللجنة في مؤتمر برلين في يناير/كانون الثاني 2020 كآلية لرصد وقف إطلاق النار في منطقة سرت. وشاركت اللجنة في تنسيق تبادل للأسرى وإصدار بيان مشترك يدعو إلى رحيل الآلاف من المقاتلين الأجانب والمرتزقة الذين وصلوا إلى ليبيا برعاية تركية وروسية وإماراتية خلال الحرب على طرابلس في 2019-2020.

وبغض النظر عن هذه الخطوات، فإن اللجنة غير مجهزة بشكل كاف لتكون وسيلة لهندسة أوسع لقطاع الأمن، خاصة بعد الانتخابات التي سيتمخض عنها فائزون وخاسرون وصراع يهدد تفويض هذه اللجنة.

وعلاوة على ذلك، فإن تكوين اللجنة نفسه يتسم بعدم تناسق وخلافات شديدة بخصوص الطبيعة التي ستكون عليها الدولة الليبية.

ويعكس الضباط من الشرق رغبة "حفتر" في الاحتفاظ بالتفوق والاستقلال الذاتي هناك، على الأقل حتى يضمن منصبًا رسميا من السلطة في العاصمة.

وعلى النقيض من ذلك، لا يتحدث الضباط من الغرب نيابة عن الجماعات المسلحة التي تسيطر على طرابلس وضواحيها.

الجماعات المسلحة على صفيح ساخن

ومع العملية السياسية الأخيرة، انخرطت الجماعات المسلحة في تهدئة للصراع، ولكن هذا لم يخلُ من اشتباكات متقطعة، ومحاولات للمناورة من أجل اكتساب أفضلية قبل الانتخابات.

وكما كان الحال في الماضي، فإن هذه الديناميكيات تجري خارج نطاق تأثير المؤتمرات والمنتديات الدولية.

ويعد أوضح مثال على هذه الديناميكية هو الدوريات المشتركة في منطقة الشويرف الجنوبية والتي تنفذها "كتيبة 166 للحماية والحراسة" (وهي جماعة مسلحة من مدينة مصراتة المركزية متحالفة مع وزير الداخلية السابق المصراتي فتحي باشاغا) مع كتيبة "طارق بن زياد" التي يقودها بشكل غير رسمي "صدام" ابن "خليفة حفتر".

ومع إن هذه الدوريات ترتدي ثوب مبادرة من القادة المحليين، إلا إنها تعكس أكثر المصالح الشخصية المتقاربة وعقد صفقة بين "باشاغا" و"حفتر"، وهو ما اتضح بشكل كبير في أوائل عام 2019، قبل هجوم "حفتر" على العاصمة.

ويعتبر التقارب بين "باشاغا" و"حفتر" أحد النقاط الرئيسية التي أشعلت الانقسام بين الجماعات المسلحة في طرابلس وقد تتسبب في اشتباكات أعنف خلال عام 2022.

وتوجد توترات أخرى بين الجماعات المسلحة في المدن المجاورة -خاصة الزاوية- وقادة الميليشيات التي تسيطر على أحياء طرابلس والذين تجمعوا تحت مظلة تشكيلات ترتبط بصورة اسمية بمؤسسات الدولة الرسمية.

كما أن هناك مخاوف متعلقة بائتلاف ميليشيات "جهاز دعم الاستقرار" الذي يتخذ من طرابلس مقرًا له وكان "فايز السراج" قد شكله كوسيلة لموازنة الجماعات المسلحة المنحازة لـ"باشاغا".

ويعقّد الدور التركي الأمور في ليبيا أكثر، حيث دعمت تركيا جهود "باشاغا" لتفكيك الجماعات المسلحة الأكثر عدائية في العاصمة وخاصة كتيبة "نواسي"، وكتيبة "ثوار طرابلس" التي تم إضعافها الآن.

وبالنظر إلى هذه التصدعات وجغرافيا العاصمة المتنازع عليها، فإن الفترة التي ستلي الانتخابات مباشرة، أو تلي الإخفاق في الانتخابات، ستتسم باستخدام الجماعات المسلحة للقوة مما يعيد الدراما الانتخابية والسياسية السابقة، مثلما حدث عند تمرير قانون العزل السياسي في 2013 أو وصول المجلس الرئاسي إلى طرابلس في 2016.

ما العمل؟

باختصار، فإن قوة الجماعات المسلحة والضرورات التي تفرضها الشخصيات والجهات الأجنبية ستستمر في التأثير على المشهد الليبي بعيدا عن أطر المنتديات الدولية المتعددة الأطراف مثل "اللجنة العسكرية المشتركة 5+5".

وفي هذا الصدد، فإن الجيش الوطني الليبي بقيادة "حفتر" (والذي ما يزال يُنظر إليه خطأ على أنه نواة جيش ليبي من قبل بعض الدبلوماسيين الأجانب) سوف يرسخ نفسه ويتجاوز الانتخابات -إن حدثت- وتؤكد هذه الحقائق على الحاجة إلى توقعات أكثر واقعية لدى المجتمع الدولي ونهج أكثر انضباطًا ينسجم مع الحقائق على الأرض.

وبدلا من التمسك بالآمال في أن تهيئ الانتخابات الساحة لإعادة توحيد قطاع الأمن، يحتاج الأجانب والليبييون إلى إعادة تعريف إصلاح قطاع الأمن للتركيز على المزيد من تدابير تحقيق الاستقرار والثقة.

فقد تمكنت الترتيبات الأمنية الهجينة (التي جمعت الجهات الفاعلة الرسمية وغير الرسمية) في بعض الحالات من توفير الأمن، وخاصة في المجتمعات التي ترتبط بالجماعات المسلحة اجتماعيًا.

وبالرغم أن هذا النهج يظل بعيدًا عن الكمال ومحفوفًا بالتحيزات المحتملة تجاه أو ضد الجماعات المحلية، إلا إن الترتيبات الأمنية الهجينة تقدم نقطة انطلاق واقعية ومدخلًا لانخراط دولي مميز.

وبالتأكيد تظل هناك أسئلة حول ما إذا كانت هذه التشكيلات يمكنها أن تتوسع أو تُربط ببنية قيادة وطنية لكي يكون هناك فرص لتنظيم سلوكها وضمان المساءلة وسيادة القانون.

وقد يؤدي هذا النهج (مع معالجة الاقتصاد السياسي للميليشيات) إلى تجنب تكرار الأخطاء السابقة في إصلاح قطاع الأمن والتي أدت إلى إشعال الصراع.


المصدر | فردريك ويري - المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية