الجريمة مستمرة.. الاحتلال يسرق التراث ويزوّر التاريخ

الجريمة-مستمرة-الاحتلال-يسرق-التراث-و-يزوّر-التاريخ

تزييف عميق تمارسه دولة الاحتلال بحق تاريخ وتراث الإنسان فوق أرض فلسطين التاريخية، لم تكتف باستيطان الأرض وتهجير سكانها وتدمير بنيانها؛ بل تسعى جاهدة بديمومة صارخة لتشويه تاريخ الفلسطيني فوق أرضه.

ماذا يعني دفن عملات معدنية في أحشاء الأرض؟ لماذا يربطون كل موقع ديني إسلامي برواية تلمودية؟ ماذا يضيرهم بقاء مقابر المسلمين في القدس المحتلة؟، الإجابات واحدة وموحدة؛ فالهدف هو التهويد ونفي الحقوق الفلسطينية التاريخية.

بدءًا من تهويد القدس المحتلة بكامل تراثها ومقدساتها، وبالمثل في الخليل ومدن أخرى وصل حدّ التزييف لمأكل وملبس الفلسطيني الذي يشكل له بطاقة هوية يحاول الاحتلال تقمّص شخصيته الأصيلة.

ولا تمضي عملية تهويد تاريخ فلسطين عبثيًّا؛ فهي شاملة وكاملة تطول جميع صنوف حياة الفلسطيني قديماً وحاضراً، وتكبر بتدرّج لترك انطباع مزعوم عن تاريخ يهودي في فلسطين يدعم رواية كاذبة بحقهم في الأرض.

فكرة قديمة

الطريقة المثلى لعملية التزييف والتهويد تبدأ عادةً بالسيطرة مكانيًّا وزمانيًّا على المواقع الأثرية الدينية والتاريخية وأولها القدس المحتلة، باستخدام القوة العسكرية والتزوير والتهويد.

بعد احتلال القدس عام 1967 مثلاً بدأت بتهويد معالمها ومنها الحرم القدسي وتقسميه زمانياً ومكانياً وحائط البراق، بالإضافة إلى الحفريات أسفل المسجد الأقصى، وكررت الصورة أسفل الحرم الإبراهيمي في الخليل.

اليوم بعد أن ناهز عمر المشروع الصهيوني فوق أرض فلسطين 100 سنة، أضحى بالإمكان استرجاع آلاف المواقف والتفاصيل التي وضع الاحتلال من خلالها موطئ قدم لمستوطنيه فوق أرض فلسطين.

الوجود اليهودي فوق أرض فلسطين في التاريخ لم يكن دائماً ولا أصيلاً؛ فقد مضى غزاة وممالك فوق أرضها، واحتلوها ثم رحلوا، لكن اليهود ركزوا في بداية تهويدهم قبل النكبة حين لم يتجاوزوا 26 ألفًا على 4 مناطق، وربطوها بالتوراة وهي "القدس-الخليل-صفد-طبريا".

ويؤكد ناجي البطة، الخبير في الشؤون الإسرائيلية: إن الاحتلال يفعّل أدوات دينية وتاريخية مزعومة لإثبات وجود آثار يهودية، مؤوّلا روايات من التلمود  بشقيه "البابلي واليورشالمي" تأويلا محرّفًا لتسخيرها في سياسة التهويد.

ويضيف "يروج حاخامات اليهود أن التوراة ذكرت أن أرض فلسطين ومصر والعرق وفق رواية من النيل للفرات هي أرض منحها الله لنبيه إبراهيم واليهود من بعده".

الشرارة الأولى لمشروع التهويد انطلقت من مؤتمر بال في سويسرا عام 1897م، وبعض المؤرخين أسندوا فكرة تهويد فلسطين لعهد نابليون وقد بدأ معها مخطط تزوير لتشريع رواية مزعومة أمام العالم.

تجثم فوق أرض الضفة الآن 240 مستوطنة لكل منها اسم، وداخلها مسميات يهودية جرى معها استبدال اسم الأرض والبلدة الفلسطينية بأخرى يهودية.

ويقول جمال عمرو، الخبير في شؤون الاستيطان والقدس: إن شعارًا جمع شعبًا ليس له وطن فوق أرض بلا شعب أول درجة في سلم التزوير التاريخي والديني لقضية فلسطين تبعها محاولات من "هرتزل" زعيم الحركة الصهيونية لإقناع بريطانيا.

ويتابع "طرد السلطان العثماني هرتزل مرتين، وقدمت بريطانيا المتواطئة معه عروضاً لاستمالة الدولة العثمانية وفشلت، ثم استفادوا من مخرجات مؤتمر سايكس بيكو ووعد بلفور".

ما يثير الاهتمام أن الحركة الصهيونية واصلت إقامة مشاريع عملاقة قبل النكبة أشهرها "مطار بن غوريون-الجامعة العبرية-مستشفى هداسا" عام 1925؛ لتشجيع الهجرة والاستيطان في فلسطين

ويرى "عمرو" أن دولة الكيان أطلقت أسماءً مبكرًا على مستوطنات برعاية بريطانيا زمن الانتداب (الاحتلال البريطاني) لترسيخ رواية يهودية أما بعد النكبة عام 1948م فبدلت أسماء 465 بلدة ومدينة فلسطينية، وأطلقت أسماء يهودية جديدة عليها.

أصبح اسم بلدة دير ياسين هو مستوطنة "جفعات شاؤول"، وحتى الكنيست المقام في القدس المحتلة يرقد فوق "حي الشيخ بدر" المقدسي كواحد من 39 حي في القدس الغربية طرد أهلها واحتلت مساكنهم.

ودمر الاحتلال في انتفاضة الأقصى منذ عام 2000 المباني التاريخية، باستخدام القنابل والصواريخ والجرافات، في اجتياحات البلدات القديمة لنابلس والخليل وبيت لحم، عندما دمّر مئات المنازل والقصور التاريخية وبيوت العبادة الإسلامية والمسيحية.

التاريخ والتراث

ورافق بدء المشروع الاستيطاني في فلسطين إقامة مؤسستين هما الصندوق القومي اليهودي وجمعية تعاونية زراعية؛ بهدف تعزيز الإقامة الدائمة لمستوطن جاء من أصقاع الأرض، يحاولون دعم ثقته برواية توراتية تثير فيه شجون أرض الميعاد.

البداية في ترويج مشروع الاستيطان كان بعنوان ديني، لكن وقوع النكبة ووصول اليهود لاحتلال حيفا وسهل فلسطين دعم في تحوله لاستيطان استعماري تعزز مع تنفذ اليهود الاشكناز والعلمانيين في حكومات الاحتلال.

ويرى الخبير "البطة" أن اليهود يحاولون تقمّص الشخصية الفلسطينية وتحريف تراثها وتاريخها؛ فقد ألبسوا مضيفات الطيران في شركة "العال" الإسرائيلية ثوبا فلسطينيا، وزعموا أنه تراث يهودي، ووزعوا طعام الفلافل والحمص في مناسبات عامة وأمام السيّاح وزعموا يهوديته.

منذ عشرات السنين حكى آلاف الفلسطينيين الذين عملوا بعد نكبة فلسطين في الداخل المحتل أن أصحاب البنايات قبيل إقامة قواعدها كانوا يلقون بعمليات موسومة بشعارات يهودية بهدف التعامل معها مستقبلاً على أنها آثار وتاريخ يهودي.

ويقول الخبير "عمرو": إن الحملة المشتدة مؤخراً على مقابر القدس الإسلامية هدفها إزالة معالم المسلمين وتاريخهم؛ فالمقابر شواهد تاريخية عن وجود فلسطيني وعربي ومكون أساسي من الحياة العامة القديمة.

وتتعرض المواقع الأثرية لسرقة من سلطات الاحتلال تنقل معالمها لمتاحف إسرائيلية كما جرى سرقة الآثار عن طريق عصابات التنقيب؛ حيث تفيد دائرة الآثار الفلسطينية أن 100 ألف قطعة أثرية فلسطينية تُهرَّب إلى الكيان سنوياً.

ودمر الاحتلال بعد النكبة القصور الأموية والعباسية، وحوّل مواقعها إلى ما أسماه "مطاهر الهيكل" ضمن مخطط إقامة الهيكل المزعوم في القدس المحتلة.

ويحاول الاحتلال منح الصبغة اليهودية لجميع مكونات الحياة العامة والتاريخ والتراث في فلسطين بعد أن أثبتت دراسات علمية وتاريخية بطلان الرواية اليهودية بالحق في فلسطين التي تتعرض لاحتلال يزوّر التاريخ والتراث لمصحلته.