الحسم المؤجل: التوقعات المحتملة للمشهد الليبي خلال عام 2022 — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

الحسم المؤجل: التوقعات المحتملة للمشهد الليبي خلال عام 2022

الحسم-المؤجل-التوقعات-المحتملة-للمشهد-الليبي-خلال-عام-2022

بعد مرور ما يزيد عن عقد كامل، تبدو عملية الانتقال السياسي في ليبيا بعيدةً عن الحسم واستعادة الاستقرار والأمن في عام 2022، رغم تتابع جولات التفاوض والوساطات الدولية والإقليمية، ووضع ترتيبات لعودة المؤسسات الرئيسية في الدولة. وتظل الملفات الرئيسية عصيةً على التسوية في ظل التباينات حول ترتيبات السلطة وشرعية الفاعلين، واستمرار الاضطرابات الداخلية والاحتقان بين مختلف الأطراف، بالإضافة إلى تفكك المشهد السياسي الليبي على أسس محلية وقبَلية تزيد من تعثر التفاوض حول مستقبل ليبيا وعودة الدولة الليبية الموحدة.

1– تفضيل نسبي للتوافقات المحلية الأفقية: اتسمت التوافقات السياسية الليبية، خلال السنوات الأخيرة، بأنها توافقات رأسية بدرجة كبيرة؛ أي تحالفات مرتبطة بمناطق معينة دون غيرها، خاصةً في ظل انقسام البلاد بين معسكرَي الشرق والغرب، بيد أن من المرجح أن تتصاعد بقدر أكبر التوافقات الأفقية العابرة للانتماءات الضيقة، بما في ذلك القبلية أو السياسية أو حتى الجهوية، خلال عام 2022؛ من أجل تحقيق كل طرف أكبر قدر من المكاسب السياسية، نظراً إلى ارتباط ذلك بالانتخابات، والحاجة الملحَّة لتوسيع دائرة التوافقات. ولعل عقد لقاء في الشرق الليبي، جمع بين بعض مرشحي الرئاسي من مناطق ليبيا المختلفة، حتى من غرب البلاد، ومع الخصم الأبرز المشير حفتر؛ يعد مؤشراً مهماً على تغيُّر مدركات النخبة السياسية الليبية، وانتهاجها مساراً أكثر مرونةً من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق البرجماتي، لتحقيق مصالح آنية.

2– تنازع حول شرعية السلطة التنفيذية القائمة: يمكن القول بأن السياقات المقترنة بفشل إقامة الانتخابات الليبية في الموعد الذي كان مقرراً لها في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 2021؛ سوف يخلق حالة من التنازع في الداخل الليبي حول شرعية الحكومة التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة خلال عام 2022، وهو ما يُعيد إلى الأذهان عملية “استنساخ تجربة حكومة الوفاق”، التي مكثت في السلطة نحو خمس سنوات، وأجَّجت الأوضاع بشكل سلبي. ومن ثم فإن من المرجح أن تتحول الحكومة القائمة إلى مصدر توتر، خاصةً في ظل تباين وجهات النظر حول تعديلها أو التمديد لها أو حتى تغييرها في الداخل الليبي، وبروز أصوات منادية بضرورة رحيلها داخلياً وخارجياً، وهو ما يوجد له اتجاه مناقض تماماً. ولعل أبرز مثال على ذلك موقف بريطانيا التي أعلنت عدم اعترافها سوى بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة بقيادة الدبيبة. وقد قوبل ذلك بانتقادات داخلية شديدة وصلت إلى حد المطالبة بطرد السفير البريطاني من البلاد.

3– استمرار معضلة ثنائية “الدستور أم الانتخابات”: جاء تأجيل الانتخابات الليبية ليفتح باب الجدل من جديد حول أولوية إقرار دستور قبل عقد الانتخابات. ومن المرجح أن تتصاعد حالة الجدل بدرجة كبيرة خلال عام 2022، وبما يعزز حالة التوتر السياسي وما يقترن بذلك من زيادة حدة الاستقطاب الداخلي؛ إذ إن هناك اتجاهين: اتجاه يؤيده رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، الذي أكد في 28 ديسمبر 2021، أن قوانين الانتخابات معيبة، ودعا إلى إقرار دستور حقيقي يعبر عن الليبيين، وهو ما يجد تياراً معارضاً له داخلياً (متمثلاً في البرلمان الليبي وأطراف أخرى في شرق البلاد وغربها)، وخارجياً (متمثلاً في بعض القوى الإقليمية بجانب الولايات المتحدة بشكل أساسي).

4– تعثر توحيد المؤسسة العسكرية الليبية: من المتوقع أن يظل انقسام المؤسسة العسكرية الليبية قائماً خلال عام 2022، برغم إجراءات بناء الثقة بين شرق البلاد وغربها، والقيام بأكثر من عملية لتبادل المحتجزين، وكذلك برغم استقبال بعض العسكريين من المناطق الغربية، في مناطق سيطرة الجيش الوطني الليبي في شرق البلاد؛ إذ إن المحدد الرئيسي الحاكم في هذا الشأن، هو إمكانية انعكاس التوترات السياسية المحتملة وعدم وجود حكومة تحظى بالقبول في عموم البلاد؛ على الجهود المتقدمة لعملية توحيد المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة.

5– تزايد أنشطة الخلايا الداعشية الكامنة: تمثل الحدود الرخوة، لا سيما الحدود الغربية الرابطة بين ليبيا وتونس من جانب، وكذلك الحدود بين ليبيا وجيرانها في الجنوب، لا سيما النيجر وتشاد؛ أحد محفزات تصاعد الظاهرة الإرهابية، لا سيما في الجنوب الليبي، خاصةً في ظل رواج عمليات تهريب الأسلحة، وحرية الحركة النسبية لبعض الإرهابيين، في ظل استغلال تلك الحدود الهشة. جدير بالذكر أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة كان قد اتهم تونس، في أغسطس الماضي، بأنها تصدر الإرهاب إلى ليبيا، مؤكداً “دخول عشرة آلاف إرهابي إلى ليبيا، جاؤوا خصوصاً من الدول المجاورة”، وهو ما أثار استياءً واسعاً في تونس وحتى في الداخل الليبي في ذلك التوقيت.

6– تصاعد المطالب الاحتجاجية في الجنوب الليبي: من المرجح أن تتصاعد الاحتجاجات في الجنوب الليبي خلال عام 2022، خاصةً في ظل استمرار الأزمات المتراكمة منذ عقود، والنقص الشديد في الخدمات، جنباً إلى جنب مع تردي الوضع الأمني مقارنةً بمناطق الشرق والغرب الليبيَّين. وكان مجلس بلديات فزان، قد انتقد في بيان له منتصف ديسمبر 2021، ما وصفه بأنه “تهميش متعمد للجنوب الليبي، الذي يعيش أوضاعاً صعبة”. ومن شأن الانشغال السياسي بالاستحقاقات الانتخابية، والتنازع حول شرعية الحكومة القائمة أو حتى المحتملة، أن يعزز من تراجع الجنوب الليبي في أولويات صانع القرار الليبي خلال عام 2022، وبما يمكن أن يحوِّل الجنوب إلى بؤرة محتملة بدرجة أكبر للاحتجاجات والعنف.

7– تنامي التناحر المناطقي في الغرب الليبي: من المتوقع أن تتسع دائرة الخلافات بين مناطق الغرب الليبي، لا سيما بين مصراتة وطرابلس، خاصةً في ظل امتلاك المدينتين ميليشيات مسلحة بينها عداء شديد برغم التفاهمات المرنة خلال الفترة الأخيرة لمواجهة الجيش الوطني الليبي، وهي تفاهمات تم تجاوزها بدرجة كبيرة، خاصةً مع انخراط بعض الشخصيات الفاعلة من الغرب الليبي مع الشرق، وهو ما تمثل في زيارة وزير الداخلية الليبي السابق فتحي باشاغا، ونائب رئيس الوزراء السابق أحمد معيتيق، وهما منحدران من مصراتة ومرشحان للانتخابات الرئاسية، إلى شرق ليبيا ولقاء المشير خليفة حفتر، وهو ما قوبل بتنديد شديد من جانب بعض الفاعلين في مدينة مصراتة. كذلك فإن هناك عداء قابلاً للاتساع، بين مدينة مصراتة وبين بعض المدن الليبية مثل ترهونة وورشفانة. ومن شأن تلك الخلافات المتصاعدة أن تعزز من جديد الانقسام المناطقي، وتحوله من انقسام بين الشرق والغرب، إلى تناحر مناطقي في الغرب الليبي بشكل أساسي.

8– استمرار انتشار الفاعلين المسلحين غرب البلاد: من المتوقع أن تستمر الميليشيات المسلحة كأحد محركات عدم الاستقرار السياسي والأمني في ليبيا خلال عام 2022، خاصةً في ظل محاولة تلك الميليشيات “تثبيت الوضع القائم”؛ لكونه مجديًا أكثر بالنسبة إليها، خوفاً من استقرار قد يدفعهم خارج المعادلة باستبعادهم بصورة كبيرة من الهياكل الأمنية أو دمجهم فيها وتحييد نفوذهم. ولعل استمرار ظاهرة محاصرة بعض الميليشيات للمؤسسات في العاصمة طرابلس، والإعلان صراحةً عن رفض إتمام العملية الانتخابية، مؤشرات واضحة على احتمالية تفاقم انتشار الفاعلين المسلحين بدرجة أكبر في الغرب الليبي، وتهديد أي استقرار متحمل في الداخل الليبي.

9– تراجع فاعلية العامل الخارجي بالصراع الليبي: تعكس التفاعلات الإقليمية والدولية الحالية، إمكانية أن يخفت العامل الخارجي في التأثير على المشهد الليبي خلال عام 2022، خاصةً مع تراجع الانخراط الأمريكي في المنطقة، ومساعي تركيا نحو تحقيق التقارب مع الدول العربية وتحييد الخلافات القائمة، ورغبة روسيا في خفض التصعيد في ليبيا، جنباً إلى جنب مع تصاعد التقارب الفرنسي الإيطالي من أجل تعزيز التفاهمات الخارجية في مرحلة ما بعد ميركل، بما يضع حداً لتنافس الدولتين في ليبيا. ومن ثم، قد يكون العامل الخارجي أقل تحفيزاً للصراع خلال عام 2022 عما كان عليه المشهد الليبي على مدار العقد الماضي.

10– اضطراب مؤشرات الاقتصاد الليبي: هناك سيناريوهان محتملان للاقتصاد الليبي خلال عام 2022؛ إذ قد يشهد الاقتصاد الليبي انكماشاً محتملاً مدفوعاً بشكل أساسي بالتداعيات السلبية لجائحة كورونا، جنباً إلى جنب مع الانعكاسات المحتملة للوضع السياسي والأمني المضطرب، خاصةً في ظل توقع تكرار عمليات وقف إنتاج النفط، سواء بسبب تدخل الميليشيات أو تأخر صرف الرواتب للعاملين في القطاع النفطي. وفي المقابل، هناك سيناريو آخر، يتمثل في ارتفاع أسعار النفط وإمكانية ضبط عملية إنتاجه في البلد الذي يملك أكبر احتياطيات نفطية في إفريقيا، بجانب تحقيق تقدم سياسي متحمل ولو نسبياً، وهي تطورات من شأنها أن تمثل قوة دفع للاقتصاد الليبي، وبما يمكن أن ينعكس بشكل إيجابي على المؤشرات الاقتصادية خلال عام 2022.

وختاماً، تشكل قدرة الفرقاء السياسيين على تقديم تنازلات وتحييد المصالح الشخصية لصالح تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا؛ أحد المحددات الرئيسية نحو إمكانية خفض التصعيد السياسي وحتى الأمني خلال عام 2022، خاصةً في ظل وجود سياق إقليمي ودولي محفز على إتمام العملية السياسية وتفكيك أي مصادر محتملة للتوترات في الداخل الليبي، وهو ما ستكشف عنه التفاعلات المختلفة في المديَين المنظور والمتوسط.

المصدر: 


إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية