الدوران للخلف.. سياسة بايدن الجديدة بشأن تصدير الأسلحة الأمريكية — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

الدوران للخلف.. سياسة بايدن الجديدة بشأن تصدير الأسلحة الأمريكية

الدوران-للخلف-سياسة-بايدن-الجديدة-بشأن-تصدير-الأسلحة-الأمريكية

في أوائل أغسطس /آب، ذكرت وكالة "رويترز" أن إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" كانت "تعد لإصلاح شامل لسياسة تصدير الأسلحة لزيادة التركيز على حقوق الإنسان"، مع إعلان رسمي متوقع عن سياسة جديدة لتوريد الأسلحة التقليدية في وقت مبكر من سبتمبر/أيلول.

وتوقع كثيرون سياسة تركز بشكل متزايد على حقوق الإنسان، منذ إعلان "بايدن" في فبراير/شباط 2020 كمرشح رئاسي أنه سيضع حقوق الإنسان في صميم السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وبعد تنصيبه كرئيس، كرر "بايدن" هذا الالتزام قائلا: "يجب أن نبدأ بالدبلوماسية المرتبطة بالقيم الديمقراطية والتي تدعم الحقوق العالمية".

وأثارت وعود "بايدن" تساؤلات حول تأثير ذلك على تجارة الأسلحة العالمية والعلاقات الأمريكية الخليجية. ولكن بعد أكثر من 8 أشهر من تنصيبه، أظهر "بايدن" عدة مرات أنه قد يكون هناك انفصال بين كلماته وأفعاله عندما يتعلق الأمر بالتعامل -بقدر كبير من المرونة- مع أصدقاء وحلفاء معينين. لذلك تواجه الإدارة اتهامات متزايدة بالحديث كثيرا عن حقوق الإنسان دون ترجمة ذلك إلى أفعال بشكل كافي.

وكمرشح رئاسي، قدم "بايدن" الكثير من الالتزامات بشأن التغييرات التي سيجريها على سياسات الرئيس "دونالد ترامب" وأكّد أنه سيتخذ مسارًا مختلفًا لما وصفه "ترامب" بأنه نهج تجاري أكثر لتصدير المعدات العسكرية.


وفي عام 2018؛ راجع "ترامب" سياسة نقل الأسلحة التقليدية لإعطاء وزن أكبر للمخاوف الاقتصادية في قرارات تصدير الأسلحة الأمريكية. ومنذ أن أصبح رئيسًا، أشار "بايدن" وفريقه في عدة مناسبات إلى أن نهجهم سيكون مختلفًا. وقال مسؤول أمريكي إنه بينما سيظل العامل الاقتصادي مهما فإن إدارة "بايدن" ستعيد ترتيب الأولويات من أجل تقديم قضايا مثل الأمن القومي الأمريكي وحقوق الإنسان. وفي يناير/كانون الثاني، علقت الإدارة مبيعات الأسلحة للسعودية والإمارات التي تمت الموافقة عليها في نهاية إدارة "ترامب" وذلك من أجل إجراء المزيد من المراجعة.

وخلال الشهادة الأخيرة أمام اللجنة الفرعية للشرق الأدنى التابعة للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، أعادت نائبة مساعد وزير الخارجية لشؤون الأمن الإقليمي "ميرا ريسنيك" التأكيد على حقوق الإنسان وسيادة القانون كأولويات للأمن القومي. وقد يشير ذلك إلى تغيير حقيقي في سياسة نقل الأسلحة التقليدية لتبتعد عن صبغة "ترامب" التجارية وتعيد التركيز على حقوق الإنسان.

وترتبط رغبة إدارة "بايدن" في تغيير سياسة تصدير الأسلحة الأمريكية بالحاجة المعلنة إلى مراجعة المشاركة الأمريكية فيما وُصف بـ"مستنقع اليمن"، مع استمرار الدعم الأمريكي في ظل الإدارتين السابقتين.


وفضلا عن النأي بالنفس عن الطريقة التي كانت تدار بها الأمور من قبل، قد يرى فريق "بايدن" بعض الأحداث الأخيرة على المستويين المحلي والدولي كمؤشر على أن أدوات أخرى غير مبيعات الأسلحة والمساعدات العسكرية يمكن أن تستخدم بطريقة أكثر كفاءة وفاعلية. وقد أعادت "ريسنيك" التأكيد على أن "الدبلوماسية أفضل طريقة للتعامل مع تحديات اليوم".

ويعد استمرار الجائحة وكذلك المظاهر المتكررة والدرامية لتأثير الاحتباس الحراري بمثابة دعوة للقادة في كل مكان لإعادة النظر بجدية في أولوياتهم وتعريفهم للأمن القومي. وربما تكون الإدارة الأمريكية الحالية قد قررت بصدق التجاوب مع هذه الدعوة. ومع ذلك، من غير الواضح مدى التأثير الذي ستتركه على مبيعات الأسلحة، لا سيما في بعض أسواقها الأكثر ربحًا مثل دول الخليج ومصر وإسرائيل.

كما لاحظ مجموعة من الخبراء في تجارة الأسلحة أن إدارة "بايدن" فشلت في الأيام المائة الأولى لها في الوفاء بإعلاناتها بأنها ستمثل انفصالًا كبيرًا عن حقبة "ترامب" في مجال المبيعات العسكرية.

في الواقع، أشار أحد المسؤولين الذي يعملون علي صياغة السياسة الجديدة لتصدير الأسلحة التقليدية اولذي قابلته "رويترز" إلى أن الأشخاص الجدد المسؤولين يبدون متقاربين مع طاقم "ترامب" في الدفع باتجاه تعزيز صادرات الأسلحة. وهذا بالفعل ما أظهرته الأشهر الأولى من إدارة "بايدن".

وبعد أسبوعين من تصريحات "بايدن" حول السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة التي تركز على الدبلوماسية وحقوق الإنسان، وافقت إدارته على بيع صواريخ بقيمة 197 مليون دولار لمصر، بالرغم من المخاوف بشأن سجل حقوق الإنسان في البلاد، وجاد هذا القرار بالتزامن مع أنباء عن اعتقال السلطات المصرية لأفراد أسرة الناشط الحقوقي المصري الأمريكي "محمد سلطان".

وبحلول نهاية فبراير/شباط، أعلنت الإدارة الأمريكية أنها ستحصر المبيعات العسكرية المستقبلية للسعودية على أسلحة "دفاعية"، دون تحديد لهذا التصنيف. وفي أبريل/نيسان، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها ستمضي قدما في صفقة الأسلحة البالغة 23 مليار دولار إلى الإمارات والتي كانت قيد المراجعة منذ يناير/كانون الثاني، وذلك بالرغم من مخاوف الولايات المتحدة بشأن علاقات أبوظبي مع الصين.

وبالرغم من المخاوف حول تأثير السياسة الجديدة لتصدير الأسلحة الأمريكية على العديد من الحلفاء في الشرق الأوسط، يبدو أن السياسة الجديدة سيكون لها تأثير أكثر تواضعًا بشكل عام. وقد رأى أحد المساعدين العاملين عليها أنها ستؤثر في الغالب على مبيعات الأسلحة التي يمكن أن تستخدمها الشرطة أو القوات شبه العسكرية ضد السكان، وقد يكون هذا هو الحال مع دول مثل الفلبين.

ولكن عندما كتبت "إليسا إيبستين" من منظمة "هيومن رايتس ووتش" في يوليو/تموز أن "الوقت قد حان لكي تتوقف الولايات المتحدة عن بيع الأسلحة لمنتهكي حقوق الإنسان"، كانت الفلبين واحدة فقط من بين 3 دول حددتها حين قالت: "تبيع إدارة "بايدن" أسلحة لـ3 على الأقل من منتهكي حقوق الإنسان -الفلبين ومصر وإسرائيل- بالرغم من التعهد بجعل قضايا حقوق الإنسان في قلب سياستها الخارجية".

إذن كيف يمكن تفسير هذا الانفصال الواضح بين كلمات الإدارة وأفعالها فيما يتعلق بالتزامها بديناميكيات السياسة الخارجية الجديدة بحزم؟

في الولايات المتحدة، كما هو الحال في معظم البلدان المصدرة للأسلحة، هناك جمهور قوي من مؤيدي صادرات الأسلحة إلى الشرق الأوسط كطريقة فعالة للحفاظ على العديد من الوظائف في الداخل وتعزيز الأمن والاستقرار في الدول المتلقية للأسلحة.

لكن الخبراء والمدافعين عن إعادة النظر في السياسة التقليدية لتصدير الأسلحة لا سيما إلى الشرق الأوسط، يرون أن هذه المعتقدات غير دقيقة. وقال "جوناثان دي كافرلي"، أستاذ الاستراتيجية في الكلية الحربية البحرية الأمريكية، أن مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لها تأثير أقل مما يتم الترويج له على التوظيف، كما وجد مشروع بحثي لمؤسسة السلام العالمي في جامعة "تافتس" أن الإنفاق على الطاقة النظيفة والرعاية الصحية والتعليم يخلق فرص عمل أكبر مما يتم الترويج له عن الأسلحة.

وفي شهادتها الأخيرة؛ أعادت "ريسنيك" التأكيد على أن التعاون الأمني يعزز قدرة البلدان الشريكة على تلبية احتياجاتها الدفاعية المشروعة وبالتالي المساهمة في الأمن الإقليمي. ومع ذلك، فإن الواقع يخالف هذه النظرية، ففي كثير من الأحيان غيرت صادرات الأسلحة التوازنات الإقليمية وخلقت المزيد من انعدام الأمن وعدم الاستقرار، فضلا عن وقوعها أحيانا بيد أعداء واشنطن.

وفي هذا الصدد؛ فإن الانهيار الأخير للجيش الأفغاني رغم التدريب والتسليح الأمريكي أعطى صانعي السياسة وقفة، واعتبره العديد من الخبراء فرصة لإعادة تقييم الحجج الكلاسيكية حول صادرات الأسلحة والمساعدات العسكرية للشرق الأوسط.

وفي الواقع؛ فإن خطاب تمكين الشركاء يخفيحقيقة أن مقاولي الدفاع الأمريكيين بجمعون معظم الأرباح. وقد لاحظت "لالة خليلي" أستاذة السياسة الدولية في جامعة "كوين ماري" بلندن، أن 80% إلى 90% من الأموال التي أنفقتها واشنطن في أفغانستان وجدت طريقها مرة أخرى إلى الولايات المتحدة من خلال العقود مع الشركات العسكرية الخاصة. وتعليقًا على نفس القضية، كتب "ثاقب قريشي"، الزميل الزائر في كلية لندن للاقتصاد، إن "طالبان لم تنتصر في أفغانستان ولكن مقاولي الدفاع هم الذين انتصروا".

غالبًا ما يجادل مؤيدو الوضع الراهن بأن صنع السياسة الأمريكية هو أمر تدريجي للغاية ويتأثر بالحسابات البراغماتية القائمة التي تركز على ما يعتبر تنافسًا تجاريًا وجيوستراتيجيًا لا يمكن تجنبه.

وبالنظر إلى مدى تأثير هذه الأصوات في واشنطن وما أظهره "بايدن" من موقفه بشأن هذه القضايا حتى الآن، فمن المرجح أن تقوم هذه الإدارة ببساطة بتعديل أو تجديد سياسات تصدير الأسلحة بدلاً من تغييرها بعمق.


المصدر | إيما سوبرييه - معهد دول الخليج