السفير معصوم مرزوق يكتب : السلف تلف ! — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

السفير معصوم مرزوق يكتب : السلف تلف !

السفير-معصوم-مرزوق-يكتب-السلف-تلف

هناك من يشتري ديون الدول الصغيرة بفائدة مرعبة ، ويطلق عليهم loan sharks  ، وتلك الكائنات المتوحشة لا ترحم  ، اذ ربما يكون دينك مليون جنيه بفائدة ٣ % ، يستحق الدفع حالا ،  ويفاوضك المرابي الدولي علي شراء الدين  مع منحك تسهيل في مدة الدفع ولكن بفائدة ١٥% ، ليس هذا فحسب وإنما مع قبولك زيادة اصل الدين من مليون  إلي مليون ونصف .. 

ولأن ذلك قد يكون اسهل من الافلاس ،  فأنك توافق صاغرا علي تلك الصفقة الظالمة . 

وهؤلاء   loan sharks   " مثل أسماك القرش يسبحون في المياه العميقة في انتظار الفريسة التي تقع بسهولة بين أنيابهم ، وفي الغالب يطلبون ضمانات كبيرة ، قد تصل إلي اثاث بيتك وملابسك الداخلية ، بل وربما شرفك . 

المرابي الدولي يراقبك حين تقترض لأول مرة ، وله أساليب ملتوية كي يدفعك لمزيد من الاقتراض حتي تتورط تماما ، ثم يظهر في اللحظة المناسبة كفاعل خير وكأنه ينقذك من فضيحة ، والحقيقة أنه في تلك اللحظة يغتصب شرفك . 

ومن أشهر قصص الاقتراض التاريخية  ، تحتل قصة الخديو اسماعيل رأس القائمة . كان يريد أن تصبح القاهرة مثل باريس ، فأمعن في الاقتراض ، ثم بدأ يبيع في أصول الدولة ، ومنها نصيبنا في قناة السويس ، وترتب علي ذلك تشكيل لجنة الدين الأجنبية للإشراف علي ميزانية مصر ضمانا لسداد الديون ، وفي النهاية ضاع شرف الوطن كله بالاحتلال البريطاني الذي كان من أهدافه " ضمان سداد الديون المصرية " . 

حتي الآن هناك من يدافع عن الخديو اسماعيل الذي أشرف علي بناء الاوبرا ( التي احترقت فيما بعد ) ، وأعد احتفالا اسطوريا لإفتتاح قناة السويس .. الخ ، وكل ذلك بالإقتراض من الخارج ، وفرض الجباية علي الفلاحين المصريين . 

لقد دفعت مصر استقلالها وظلت تحت الاحتلال البريطاني لمدة جاوزت سبعين عاما ، كي يستمتع إسماعيل وأصدقاؤه بأوبرا عايدة التي صممها " فردي" خصيصا له  ، ولقد عاش الخديو واستمتع بأبهة الحكم ، ثم مات في المنفي دون أن يدرك حجم المصيبة التي تركها خلفه . 

أسماك القرش المتوحشة تدور حول إنسان العالم المطحون في كل مكان ، كي ترتشف ما قد يتبقي من عرقه ودمائه ، والوكلاء المحليون يوقعون صكوك الذل والخديعة وهم يتبادلون الانخاب في كؤوس أترعت بدماء تلك الشعوب المغلوبة علي أمرها . 

ولابد من ملاحظة العلاقة الوثيقة التي تربط بين هؤلاء المرابين الدوليين وبين مؤسسات الاقراض الدولية التي تعبر في النهاية عن مصالح كبار المساهمين فيها . وهي الدول الكبري التي ينتمي اليها هؤلاء المرابين . 

وتبدأ في الغالب متوالية التقهقر ، عندما تضطر أن تقترض لسداد فوائد ديون سابقة ، ثم هكذا دواليك تحيط بك دوامات القروض وحينها تظهر القروش وقد فغرت فكها كي تلتهمك ، وتقضي عليك ، فيصبح كل ما تزرعه او تصنعه أو تملكه ملكا لهم ، ويصير حالك مجرد عبد ذليل يكدح كي يربح المرابي ويلقي له بعض الفتات التي يزعمون انها " مساعدات اقتصادية " وهي في حقيقتها مجرد " حبوب تقوية " تساعد العبد كي يظل قادرا علي العمل في مزرعة السيد المرابي الكبير .