السفير معصوم مرزوق يكتب : الفك والتركيب !!

السفير-معصوم-مرزوق-يكتب-الفك-و-التركيب

سوريا ، السودان ،لبنان ، العراق ، الصومال .. خمسة دول أعضاء في جامعة الدول العربية ، كل دولة منها لها حكاية " بلا بداية ولا نهاية " علي رأي عمنا " نجيب محفوظ " ، ومحاولة الدخول في التفاصيل – مجرد المحاولة – تشبه محاولة مجنون فهم نظرية " النسبية " لإينشتاين ، ولعل التفاصيل لم تعد تهم الآن ، وربما الوضع يشبه بيوتاً مشتعلة أو علي وشك الإشتعال بحيث لا يفيد التوقف والتأمل والبحث والتدبير فيما كان في سالف العصر والأوان ، أو لتبادل الإتهامات والإستمتاع بالمعايرة والشماتة ، فما كان كان ولم يعد لدي أحد ترف المماحكة والجدل ، فالنيران مشتعلة أو تكاد ، والمطلوب هو رؤية ما هو كائن وما قد يكون ، وبعد ذلك قد يكون هناك وقت لأولئك المتقعرين كي يبكوا علي الأطلال ، أطلال البيوت المشتعلة !! ..

هذا ما هو كائن .. الصومال لم تعد دولة ،السودان يتوزع دمها بين القبائل ، العراق علي أهبة التشرذم ، أما سوريا ولبنان .. أما سوريا ولبنان .. فهي علي وشك أن تصبح بعضاً مما سبق ..

لقد سبق أن أوضحت الآنسة " كوندليزا رايس "  بعض مــلامح " الفوضـي البناءة " Constructive chaos  ، ولعل الجميع يعرفون ما هي الفوضي ، فلا شك أنها سمة واضحة للعيان لا تحتاج إلي شرح أو تفصيل ، ولعلي أطلق عليها إسم " الفوضي المنتظمة " Organized chaos  ، وهي نوع من الفوضي التي أصبحت من طول المعاشرة جزءاً من النظام العام ، ولا أظن أن أحداً يمتعض منها ( سوي قلة مارقة لا تزال متعلقة بأفكار مثالية ليس هذا زمانها وليس هؤلاء ناسها ) ، فهي الفوضي اللذيذة التي يتمتع بها الجهول والكسول وأكلة الفول ، هي الفوضي التي يعمي فيها البصر والبصيرة ، فالكل يعيش في بلهنية وليس أبدع من ذلك لإستقرار الحال والدوام ، فوضي بلا رابط أو ضابط ، أو بالضبط " مولد وصاحبه غايب " كما يقول أهل البلد ..

الآنسة " رايس " فهمت " الفولة " ، فهذه الفوضي اللذيذة رغم أنها قدمت أحلي الفوائد لأمريكا أثناء الحرب الباردة ، إلا أنها الآن مصدر صداع ، بل أكثر من ذلك مصدر طائرات تخبط في عمارات أمريكا الشاهقة ، فلا مانع من الفوضي المحلية في هذا القطر أو ذاك ، ولا مشكلة في الفوضي الإقليمية ، ولكن تصدير الفوضي إلي أمريكا أمر محظور ، حتي ولو قال أحد أن تلك بضاعتها ردت إليها ! .. 

فمثلاً لم يكن هناك مانع من خلق فوضي " الحرب المقدسة " علي أرض أفغانستان إبان الإحتلال السوفييتي لها ، حين كان خبراء المخابرات المركزية يرتلون علي شباب المنطقة آيات الجهاد والشهادة ، ويغذون أكثر التفسيرات تطرفاً وتهافتاً ، فقد كان ذلك مطلوب وبشدة ، ولم يكن هناك مانع من مساندة الرجعية والسلفية ( في السياسة والدين ) ، ولم يكن هناك مانع من تسليط أشعة الفوضي علي فكرة القومية العربية ، فذلك كله محمود ومرغوب آنذاك ، وفي هذا الزمن الفوضوي اللذيذ كان " صدام حسين " طفل واشنطن المدلل ، ولم لا ألم يكن يقاتل بالنيابة عنهم وعن أهل الخليج حرباً ضروساً ضد إيران ، ونجح أن يضرب عصفورين بحجر : حيث عطل مسيرة الثورة الإيرانية لمدة تناهز عشرة أعوام ، واستنزف مقدرات الشعب العراقي التي كانت تؤهله كي يحتل مكانة مميزة في العالم ، بل وأستطيع أن أضيف أن خدمات صدام الخاصة في هذا الصدد قد شطبت العراق من حسابات القوة العربية الشاملة ( وقد كانت تلك مصلحة إستراتيجية إسرائيلية بقدر ما هي أمريكية ، وليس هناك فارق كبير علي أي حال ) ... 

في زمن الفوضي المنظمة كانت واشنطن وغيرها من حواضر العالم المتحضر ( أو الذي يصف نفسه بذلك ) أبواقاً تردد شعراً ونثراً مديحاً في الإستبداد ورموزه ، وهجاءاً مريراً ضد حاملي مشاعل النور والحرية ، كانت تلك الحواضر المتباهية بزخرف القول والمعاني الإنسانية ترسل أدوات القهر وتدرب السجانين وتبني الزنازين ، وتتباهي بلا خجل بإستقرار وجمال الشرق الأوسط ، وسيولة بتروله ، وصلابة إيمانه في مواجهة المد الشيوعي الملحد .. حتي عند إنكسار يونيو 1967 تبادلت تلك الحواضر أنخاب الأمل بمزيد من الفوضي المنظمة ، أو المسيطر عليه Controlled  chaos   .

إلا أن هذه الفوضي الممتعة – وخاصة بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي – لم تعد بهذا القدر من المتعة ، فلم يعد للغضب المكبوت متنفساً تجاه شر " وهم التغلغل الشيوعي " ، وفقدت المنطقة أهميتها الإستراتيجية من هذا المنظور ، ولم يعد فيها ما يهم سوي أمرين بلا ثالث : البترول وإسرائيل .. 

وكان يمكن أن يبقي الحال علي ما كان ، لولا أن " العفريت " قد خرج من القمقم ، وبدا أن المنطقة التي غسلوها من أدران القومية العربية علي وشك أن ترتدي دروع الإسلام كي تتوحد تحت راية لديها منهج وطريق وتاريخ وتجارب ، فوجئ الجميع بنظرية تتولد من بين هشيم     " الفوضي المنظمة " بشكل فوضوي أيضاً ولكن بلا سيطرة Uncontrolled chaos  .

لذلك أدركت الآنسة " رايس " ومن لف لفها من أحبار " المحافظين الجدد " أن نعيم الفوضي المنظمة قد أوشك أن يتحول إلي جحيم ، ومن بين الأدخنة المتصاعدة من توأمي برج التجارة العالمي في منهاتن بزغ شعاع فكرة " الفوضي البناءة " ، فهم لا يريدون نظاماً أي نظام لهذه المنطقة لأن ذلك خطر إستراتيجي لا يقبلون به ، فالمطلوب هو إستمرار " الفوضي " ولكن بثوب جديد ..

وبدأ البكاء علي " الديمقراطية المسكوبة " ، و" حقوق الإنسان المهدرة " ، و " تمكين المرأة المغلوبة علي أمرها " ، و " حقوق الأقليات " ، و " الفساد " ... وهكذا أصبح مثلاً " صدام حسين " المدلل عدو البشرية رقم واحد ، وأصبح الفكر الرجعي والسلفي مفرخة توليد الإرهاب ، وهكذا بدأ الغناء علي " نوتة " أخري ولكنها تحمل نفس إسم سيمفونية الفوضي ...

ومن أسس الفوضي أنه للخروج من وضع فوضوي إلي آخر ، ينبغي أولاً تفكيك الموجود وتركيب المأمول ، والتفكيك – بداهة – لا يتم بين ليلة وضحاها ، ولكن يجب أن يتم علي كافة المستويات ، والبداية تكون مع بعض المسامير الإستراتيجية علي الخريطة ( العراق ، السودان ، سوريا .. إلخ ) ، بحيث تتطاير تلك الخريطة فلا يصعب خلخلة بعض المسامير الأصعب ، وخلال ذلك يتم تفكيك الفكر السائد وتركيب فكر مناسب ، لذا نجد " سوا " و " الحرة " وبعض منظري " الوقوعية " من النخب العربية ، وبتفكيك العراق مثلاً يتم تركيبه " الديمقراطي " بشكل يضمن إستمرار الفوضي ولكن في شكلها المسيطر عليه ، ونفس الوضع في السودان وهكذا دواليك ( وهل هناك فوضي أكثر من شكلها الدموي الحالي في العراق ؟! ) ..

والحقيقة هي أن الواقع العربي أضعف من أن يصمد لهذا المخطط الجديد ، فلا زالت آثار   " داحس والغبراء " تحكم عقول القبائل ، رغم أن النيران التي أشتعلت في بعض البيوت العربية توشك أن تمتد إلي غيرها ، وكأن الجميع ينتظرون زمن الأطلال كي يبكوا عليها ، بينما تضحك الآنسة " رايس " وعصبتها لنجاحهم في تسويق بضاعة " الفوضي البناءة " في أسواق الشرق الأوسط التي أشتهرت بالشطارة في الفصال والجدال ، ولكنها اعتادت مع ذلك علي أن تبيع رخيصاً وتشتري غالياً ، والمزاد اليوم معقود لبيع شقيق عربي آخر ....