معصوم مرزوق يكتب : عودة جندي ! — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

معصوم مرزوق يكتب : عودة جندي !

السفير-معصوم-مرزوق-يكتب-عودة-جندي
كان السؤال الذي عاد به عشرات الآلاف من الشباب بعد انتهاء الحرب هو " ما الذي سوف نغعله بعد ذلك ؟ "  

اغلب الجنود كانوا في الجبهة ست سنوات من شبابهم ، بعضهم لم يتوظف بعد ، والبعض الآخر تم تعيينه ولكنه لم يلتحق بعمله ، وبعضهم كان لديه قبل التجنيد خطط طموحة في السفر والإلتحاق ببعثة تعليمية للحصول علي درجة الدكتوراة .. 
وربما كان الفلاحين والعمال اقل الفئات قلقا من المصير بعد انتهاء الحرب ، فأطماعهم محصورة في أرض يفلحونها أو فن صناعي يجيدونه ، وبالتالي فأن الإنتهاء من القتال كان لا يعني سوي ترك السلاح وحمل الفأس أو الشاكوش 
.
ومع ذلك ، فلم تكن الحياة رحيمة بأغلب العائدين ، كان العبور والقتال ذروة تفوق عالية ، من الصعب نفسيا القبول بأي شئ لا يطاولها ، ثم أن التغيرات السريعة في الأحوال السياسية والإقتصادية وخاصة مع بدء سياسة الإنفتاح عام ١٩٧٤ أثرت بشكل عميق علي رجال إعتادوا العطاء بلا مقابل ، ليواجهوا أوضاع خشنة لا يتنفس فيها إنسان إلا بمقابل ، كما ان بعضهم عاد مصابا وحمل عاهة سواء في بدنه أو نفسيته ، وقد كتبت مرة أن كل من عادوا من الجبهة أحياء كانوا جرحي حرب في حاجة إلي علاج وتأهيل .
وقد تابعت عن قرب معاناة بعض جنودي ، وبعض رفاقي من شباب الضباط ، كان المجتمع المصري مثل كل المجتمعات التي خرجت من حروب طاحنة لديه أغنياء الحرب والإنتهازيين الذين سارعوا كي يقطفوا ثمار رواها الرجال بدمائهم ..


وأصبح " العبور " مناسبة موسمية ، اطلقت عليها في كتاباتي " مولد العبور " ، في الذكري السنوية تنصب الخيام وتصدح الأناشيد والأغاني ، مهللة لعبقرية صاحب القرار ، وصاحب الضربة الجوية .. ثم ينتهي المولد ، وتطوي الخيام وينفض السامر ، بينما يواصل الرجال محاولة دفن ذكري الرفاق الشهداء ، وتضميد جراح لا تبرأ ، والإنسحاب من الحياة .