السفير معصوم مرزوق يكتب : هزيمة العقل المصري — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

السفير معصوم مرزوق يكتب : هزيمة العقل المصري

السفير-معصوم-مرزوق-يكتب-هزيمة-العقل-المصري

لن نحفر عميقا في التربة المصرية ، بل سنكتفي لأغراض هذا المقال الموجزة أن نفتش عن الفيروسات التي يحتمل أنها تسببت في ضعف جهاز المناعة الفكري لدي شعب مصر ، خاصة خلال القرن العشرين .


أما ما قبل ذلك ، فقد يصعب أن نجد ما يستحق أن نطلق عليه النشاط العقلي لهذا الشعب ربما لقرون طويلة ، هيمنت فيها الإمبراطورية العثمانية التي سحقت أي بادرة لإستعادة عقل مصر ، في حين احتلت الدروشة وساد الجهل وتمكن الإستبداد .

ورغم إدراكي بقصور ذلك العرض المجمل ، فإنني إنما أحاول كمن يحمل ريشة فنان يضرب بها من كل لون متاح ، كي يبعث في النهاية صورة إجمالية تشي ظلالها وأضواؤها بما قد تفصله لوحات عديدة .

ومع ذلك فلقد شهدت نهايات القرن التاسع عشر بدايات نبض في قلب الفكر الخامد المستكين ، بتأثير صدمة الوعي التي أحدثتها الحملة الفرنسية ، ثم مرحلة محمد علي وما واكبها من بعثات إلي أوروبا في مختلف المجالات ، مما أسفر عن بروز عقول مصرية مثل رفاعة رافع الطهطاوي ، والشيخ محمد عبده وغيرهما ، مع ملاحظة أن أغلب مشاعل هذا الفكر خرجت أساسا من بوابات الأزهر كي تضئ العقل والمجتمع المصري .

وقد كان من الممكن لو واصل ذلك التيار المتدفق إندفاعه وتجديده أن يزال عن العقل المصري حجابه الكثيف الموروث من سنوات التخلف وسطوة الإستبداد ، بل أن ما كان يتحقق في مجالات التطور حتي الربع الأخير من القرن التاسع عشر ينبئ عن إنطلاقة حقيقية تستعيد بها مصر رونقها الحضاري الثليد .

إلا أن هزيمة جيش عرابي عسكريا عام 1882 أمام قوات الغزو البريطانية ، كانت بمثابة ضربة قاسية لمشروع البناء الفكري والحضاري الحديث لمصر في نهاية القرن التاسع عشر  ، وأسهمت خيانات النخبة والمثقفين ، مع خيانة الحاكم الخديو توفيق الذي وقف في شرفة قصر عابدين يستعرض القوات البريطانية التي غزت بلاده ، بينما علية القوم مثل خنفس باشا وسلطان باشا وغيرهم يطالبون من المحتل ثمن خيانتهم لعرابي ..!.

انكمش العقل المصري متخاذلا ، كي يعاني ولفترة طويلة ممتدة من تاريخه من عقدة الدونية تجاه الغرب العسكري المنتصر ، ولم يعد التعلق بثقافة الغرب اختيارا أو إنتقاءا ، وإنما صار خضوعا وانبطاحا وانكسارا .

استمرت تلك الحالة كالسرطان في الفكر المصري ، كلما بدا له أن يبرأ عاجلته هزيمة عسكرية جديدة ، مثلما حدث عندما أجبر الجيش المصري علي مغادرة السودان ، وكذلك عند هزيمته في حملة فلسطين الفاشلة ، ثم كانت هزيمة 1956 العسكرية ، وصولا إلي نكسة 1967 التي طرحت كل ما سبقها من محاولات بناء هوية مصرية عربية حديثة ومستقلة ، واستمر التدهور ما بعد ذلك بلا توقف رغم النصر العسكري المؤقت الذي احرزته القوات المصرية عام 1973 .

العقل المهزوم هو عقل تابع ، فاقد الثقة في نفسه ، ينحني أمام أي عاصفة ، يخضع في مواجهة القوة ، يميل إلي المهادنة والنفاق .. عقل يخشي من المبادرة او حتي مجرد التفكير لحظة خارج القوالب المرصوصة .

ومن أسف أن الأطباء المنوط بهم علاج هذه الحالة لا يزالون نسخا مكررة من خنفس باشا وسلطان باشا ، مع اختفاء أمثال الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين وعبد الله النديم وطه حسين ..