انفجار مرفأ بيروت.. التحقيق الذي يرسم مستقبل لبنان — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

انفجار مرفأ بيروت.. التحقيق الذي يرسم مستقبل لبنان

انفجار-مرفأ-بيروت-التحقيق-الذي-يرسم-مستقبل-لبنان

بالنسبة لدولة تشتهر بإرث من العنف والإفلات من العقاب، فليس من المستغرب أن يكون التحقيق الجاري في انفجار مرفأ بيروت، الذي هز لبنان في 4 أغسطس/آب 2020، في مركز الصدارة في وقت تمر فيه البلاد بأزمة اقتصادية حادة.

وتعكس دعوات المساءلة والعدالة لضحايا الانفجار تطلعات المواطنين اللبنانيين الغاضبين والمنهكين، والذين عبروا منذ انتفاضة 17 نوفمبر/تشرين الأول 2019 عن رغبتهم في تغيير الوضع الراهن. وقد تؤدي المساءلة عن انفجار الميناء إلى كسر نظام الإفلات من العقاب.

ويعتبر الميناء نموذجا مصغرا لكيفية سوء إدارة الموارد الحيوية والأموال العامة ومنافذ دخول البلاد لمدة 3 عقود على الأقل، حتى إن رئيس الوزراء السابق "حسان دياب"، الذي رفض المثول أمام قاضي التحقيق في القضية، أقر بهذه الحقيقة بعد استقالته في أعقاب الانفجار.

وألقى "دياب" باللوم على الفساد السياسي، قائلا إن "نظام الفساد أكبر من الدولة". وبالتالي، فإن النجاح في معاقبة المسؤولين عما حدث في 4 أغسطس/آب 2020 سيكون بداية لإجراءات المساءلة بشأن الجرائم الأخرى المرتكبة في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990.

قاضيان.. والثالث في الطريق

وقد أحيلت قضية الانفجار إلى مجلس القضاء الأعلى في 10 أغسطس/آب 2020، وتم تعيين القاضي "فادي صوان" لقيادة التحقيق في 13 أغسطس/آب. وقد بقي في منصبه حتى 18 فبراير/شباط 2021، عندما حل محله القاضي "طارق البيطار".

والآن فإن مصير "البيطار" موضع تساؤل بعد الاشتباكات الدامية التي أعقبت تظاهرات 14 أكتوبر/تشرين الأول التي نظمتها حركة "أمل" و"حزب الله" ضد "البيطار" بدعوى تسييس التحقيق.

وفي الوقت الحالي، هناك مأزق حكومي حاد نتيجة المعادلة التي وضعها خصوم "البيطار"، فإما أن يذهب أو تذهب الحكومة التي استغرق تشكيلها 13 شهرا.

وقد ألقى نائب زعيم حزب الله "نعيم قاسم" باللوم على "البيطار" في جلب "المشاكل والأزمات" إلى لبنان، والمسؤولية عن الوفيات والإصابات الناجمة عن اشتباكات 14 أكتوبر/تشرين الأول.

5 نقاط أساسية يجب مراعاتها

وتعد التفاصيل الكاملة للقضية والخلافات القانونية حول القاضيين خارج نطاق هذا التحليل. ومع ذلك، برزت 5 نقاط هنا في محاولة لفهم الهجمات السياسية ضد القاضي من قبل البعض، والدعم الجماهيري لعمل القاضي من قبل آخرين.

1- تم تعيين القاضيين من قبل السلطة التنفيذية. ومن المهم ملاحظة أن وزيرة العدل آنذاك "ماري كلود نجم" عينت كلا القاضيين بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى. ومن ثم، فقد شاركت السلطة التنفيذية بشكل مباشر في العملية وفقا للمادة 360 من قانون الإجراءات الجنائي، الذي ينص على: "يُجرى التحقيق من قبل قاضي تحقيق يعينه وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الأعلى". ومع ذلك، فإن الأحزاب السياسية التي تقود الاتهام ضد "البيطار" (ولا تزال جزءا لا يتجزأ من الحكومة) لم تثر أي قضايا تتعلق باستقلال أو نزاهة القاضي المعني وقت تعيينه.

2- منذ البداية، كانت المخاوف تتعلق بالحصانة السياسية. وقد اتخذت الحكومة قرارا بإحالة القضية إلى مجلس القضاء، وهو كيان معروف عنه بعض العيوب فيما يتعلق بالمعايير الدولية لضمان المحاكمة العادلة. ووفقا لمنظمات حقوقية محلية ودولية، فهي "محكمة خاصة لا تخضع قراراتها للاستئناف وتنتهك الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة".

لكن منتقدي القاضيين لم يبدوا مخاوف بشأن ضمانات المحاكمة العادلة للمحتجزين العاديين. وبدلا من ذلك، كانوا قلقين بشأن الحصانات المتعلقة بالسياسيين منذ اللحظة التي بدأ فيها القاضيان بمطاردة الوزراء وأعضاء البرلمان ورؤساء الأجهزة الأمنية ورئيس الوزراء. بمعنى آخر، يبدأ الاعتراض وينتهي بقدرة قاضي التحقيق على ملاحقة كبار السياسيين ورؤساء الأجهزة الأمنية. وإذا تراجع "البيطار"، فسيكون هؤلاء سعداء باستمرار التحقيق تحت قيادته.

ومن الواضح إذن أن الأحزاب السياسية الحاكمة تريد من "البيطار" التركيز على موظفي الموانئ والمسؤولين الحكوميين من المستوى الأدنى. وهذا تدخل صارخ في عمل القضاء من حيث تحديد المعايير المتعلقة بمن يستطيع القاضي مقاضاته. واللافت أن هذه الحماسة المفاجئة لـ"الاستقلال" و"الحياد"، بالإضافة إلى "الشكوك" حول كلا القاضيين، تزامنت مع الوقت الذي قرر فيه كلا القاضيين ملاحقته واستدعاء الوزراء والبرلمانيين. عندها فقط اتهموا "البيطار" بـ"التسييس" و"خدمة أجندات خارجية".

وفيما يخص "صوان"، فقد تمكنوا من إبعاده بقرار من محكمة النقض على أساس أنه مرتبط شخصيا بالقضية، لأن منزله تضرر أثناء الانفجار وبالتالي لن يكون محايدا. ويجادل الكثيرون بأنه سيكون من الصعب العثور على أي شخص في لبنان لم يتأثر عاطفيا على الأقل بالانفجار، وهو أحد أكبر التفجيرات غير النووية في التاريخ.

3- ما يقوله الدستور عن الاختصاص والحصانة يحدد الإطار. وكان اسم "البيطار" قيد النظر لقيادة القضية منذ أغسطس/آب 2020. ومع ذلك، فقد كان مترددا وكان يضع شروطا لقبول المنصب. ويبدو أنه طلب على وجه التحديد، من بين مطالب أخرى، تعديل القوانين من أجل التمكن من تجاوز "الحصانات" و"التفويضات" الخاصة بموظفي الدولة. ما يعني أن نية "البيطار" الرئيسية كانت واضحة تماما منذ البداية، وهي عدم السماح للحصانة بعرقلة التحقيق.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن قاضي التحقيق غير قادر على ملاحقة رئيس الجمهورية حسب المادة 60 من الدستور التي تنص على ما يلي: لا يمكن مساءلة رئيس الجمهورية أثناء أدائه لمهامه إلا في حالة مخالفته للدستور أو في حالة الخيانة العظمى. وتخضع مسؤوليته عن الجرائم العادية للقوانين العامة. ولا يجوز اتهامه بهذه الجرائم أو بمخالفة الدستور والخيانة العظمى إلا بقرار من مجلس النواب بأغلبية الثلثين، ويحاكم أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة 80.

أما الوزراء ورئيس الوزراء فهناك خلاف حول اختصاص مجلس القضاء بشأنهم. والسؤال هو ما إذا كان من اختصاص المجلس الأعلى وحده محاكمة رؤساء الوزراء والوزراء. ويمكن أن يمنح تفسير للمادتين 70 و71 من الدستور حصانة سياسية للوزراء. وبالفعل، تنص المادة 71 على أنه "يحاكم رئيس مجلس الوزراء والوزير أمام المجلس الأعلى". علاوة على ذلك، تنص المادة 70 على أنه يجوز للبرلمان "اتهام رئيس الوزراء والوزراء بالخيانة العظمى أو بمخالفة الواجبات المنوطة بهم. ولا يجوز إصدار قرار العزل إلا بأغلبية الثلثين. ويحدد قانون خاص شروط المسؤولية القانونية لرئيس الحكومة والوزراء".

ومع ذلك، فإن مثل هذا التفسير الضيق للمادتين 70 و71 يجعل أي شكل من أشكال مساءلة أعضاء الحكومة مستحيلا عمليا. ويكفي أن نذكر أنه لم يجر المجلس الأعلى محاكمة واحدة لرئيس وزراء أو وزير على مدى العقود الـ3 الماضية، وبالتالي تمكن الوزراء من الإفلات من العقاب على جميع أفعالهم بغض النظر عن مسؤوليتهم".

ورفضت نقابة المحامين في بيروت ونقابة القضاة اللبنانيين ومنظمات حقوقية أخرى هذا التفسير، حيث قالت إن "جريمة قتل المواطنين أو التسبب في موتهم لا تخضع للحصانة، لأنها لا تتعلق مباشرة بممارسة الواجبات في المكاتب".

4- استقلال القضاء هو المفتاح. ويتطلب أي تحقيق جاد وموثوق أن يتمتع القاضي بمستوى عالٍ من الاستقلالية والسلطة التقديرية فيما يتعلق بالاستراتيجية التي يتبناها للتحقيق. ولم يكشف "البيطار" علانية عن استراتيجيته أو تكتيكاته، من أجل الحفاظ على سرية التحقيق، ولم يصدر لائحة اتهام من شأنها أن تفصل الاتهامات والأدلة استعدادا للمحاكمة.

وما هو معروف حتى الآن هو أن "البيطار" اتخذ نهج ملاحقة الأشخاص الذين كان لديهم معلومات عن نترات الأمونيوم التي تم تخزينها في الميناء وفشلوا في التصرف حيالها. ومع ذلك، فإن هذا لا يعطي سوى إشارة إلى هوية الأشخاص الذين سيستجوبهم ويتهمهم وربما يجري اعتقالهم. ولكن لا يشير إلى ما تنطوي عليه جلسات التحقيق والاستجواب. ومن المؤكد أنه لا يمكن لأي مراقب جاد إصدار أحكام أو اتهامات لا أساس لها بشأن العملية قبل إصدار لائحة الاتهام أو متابعة طلبات الادعاء والدفاع أثناء المحاكمة.

علاوة على ذلك، من المستحيل عمليا لأي قاض أن يستدعي كل فرد في المؤسسة السياسية والأمنية ذات الصلة بانفجار الميناء. والآن، يمكن لشخص ما أن يقترح ذلك كمطلب سياسي، كما يفعل الكثيرون، بالنظر إلى التعقيد الطائفي للسياسة اللبنانية، لكن الاعتماد على حقيقة أن القاضي يحتاج إلى استرضاء الجمهور أو النقاد سيشكل سابقة من شأنها أن تعرقل التحقيق في كل محطة لاحقة.

بمعنى آخر، إذا استسلم "البيطار" الآن للضغط من قبل منتقديه وقرر إصدار مذكرات استدعاء ضد "الجميع"، فمن يستطيع أن يضمن ما سيكون الطلب التالي وما إذا كان من الممكن أن يستوعبه "البيطار؟" وبصرف النظر عن حقيقة أن مثل هذا النهج يستغرق وقتا طويلا ويتعامل مع التحقيق على أنه قضية يجب التعامل معها بإجماع وحلول وسط، فإن مثل هذا التدخل السياسي يعد انتهاكا واضحا للمبادئ الأساسية لاستقلال القضاء.

5- ليس للحكومة أن تربط عملياتها بعمل القاضي. وتثير الطريقة التي تطورت بها الحملة ضد "البيطار" مخاوف مشروعة من أن القضية لا تتعلق به في الحقيقة بل تتعلق بأي محاولة من قبل أي قاضي لملاحقة "السمكة الكبيرة" التي لا يمكن المساس بها في لبنان. فحتى استدعاؤهم للاستجواب أو إصدار مذكرة توقيف بحق أحدهم أصبح بمثابة إعلان حرب جدير بإشعال الشارع، كما حدث في 14 أكتوبر/تشرين الأول، أو شل عمل الحكومة، مثلما يفعل "حزب الله" وحركة "أمل" حاليا.

ومن الجدير بالذكر هنا أن أعضاء آخرين في المؤسسة السياسية والدينية اللبنانية هاجموا "البيطار" أيضا، لكنهم لم ينظموا المظاهرات ضده.


ويعد ربط التحقيق والقاضي بالحكومة في حد ذاته إدانة واضحة للأطراف المشاركة في الهجوم. وبغض النظر عن التداعيات الأخلاقية والسياسية لمثل هذا التحرك على بلد يمر بأزمة عميقة، فإن ربط عزل القاضي باستئناف اجتماعات الحكومة يعد إهانة واضحة لاستقلال القضاء والدستور الذي من المفترض أن يحمي الاستقلال وفصل السلطات.

وفي الواقع، ليس للسلطة التنفيذية أي علاقة تستدعي ربط عملياتها بعمل القاضي الذي عينته لقيادة التحقيق. وهذا مثال فاضح على التدخل السياسي في عمل القضاء.

المزيد من الفساد أم فرصة للمساءلة؟

وبالنظر إلى عدد الأحزاب السياسية الرئيسية والأجهزة الأمنية التي تشترك في مسؤولية إدارة مرفأ بيروت، فإن معاقبة المسؤولين عن الانفجار سيكون بداية كسر نظام الإفلات من العقاب. وعندها فقط سيتم الحفاظ على استقلالية التحقيق وتكون المحكمة قادرة على الحكم بنزاهة وإنصاف، بغض النظر عن هوية ورتبة المتهم.

وبالمقابل، إذا نجح القادة السياسيون اللبنانيون في هجماتهم وتهديداتهم الحالية ضد "البيطار"، بعد إزاحة سلفه "فادي صوان"، فستكون سابقة لها ما بعدها.

وسيتم بعد ذلك تعريف النظام اللبناني في مرحلة ما بعد الأزمة على أنه إما نظام مبني على أسس المساءلة، أو نظام يستمر في حماية الإفلات من العقاب.

وإذا انتصر نظام الإفلات من العقاب في قضية تفجير الميناء، فستستمر هذه الثقافة السامة في الانتشار إلى جميع القضايا الأخرى التي تتطلب قضاء مستقلا، وبالتالي يتبدد أي أمل في التغيير في سلوك النخبة السياسية الحاكمة.

وتمكنت النخبة اللبنانية حتى الآن من الإفلات من المساءلة من خلال تقسيم الجمهور على أسس طائفية وذلك للحفاظ على التوترات والمخاوف عند الحاجة، أو الاتحاد معا عند ظهور أي تحد خطير لسلطتهم. وقد حان الوقت لإنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب في لبنان.

المصدر | حليم شباية - المركز العربي واشنطن دي سي