السودان.. لماذا يختفي حميدتي عن الأضواء؟ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

السودان.. لماذا يختفي حميدتي عن الأضواء؟

انقلاب-السودان-لماذا-يختفي-حميدتي-عن-الأضواء-

كان هناك رجل واحد في الصورة منذ الانقلاب العسكري في السودان وهو قائد الجيش الجنرال "عبدالفتاح البرهان" والذي كان رئيسا لـ"مجلس السيادة" الانتقالي.

وفي الخلفية، يتوارى رجل عسكري آخر وهو الجنرال "محمد حمدان دقلو" المعروف باسم "حميدتي"، رئيس قوات الدعم السريع، بينما خرجت قواته في الشوارع لتقتل وتصيب المدنيين، مما يثير الأسئلة حول مكان وجوده ونواياه.

ويشار إلى أن أن "حميدتي" اجتمع في ليلة الجمعة الماضية مع الممثل الخاص للأمم المتحدة للسودان "فولكر بيرثيس" الذي قال على "تويتر" إنه حث "حميدتي" على "تهدئة التصعيد والسماح بالاحتجاج السلمي وتجنب أي مواجهات في 30 أكتوبر/تشرين الأول".

مخاوف من تعثر الانقلاب

ووفقا للمحللين، يبدو أن "حميدتي" ينتظر لمعرفة مآل الانقلاب. ومع أنه هو و"البرهان" جزء من نفس النظام، إلا إن "حميدتي" ينتظر الوقت المناسب للسيطرة على مقاليد الحكم في حال فشل الانقلاب الأخير.

ومن الجدير بالاهتمام أن مكتب "حميدتي" قد تواصل يوم الإثنين مع "آري بن مينشيه" وهو ضابط مخابرات إسرائيلي سابق يعمل الآن في جماعة ضغط كندية.

وفي عام 2019، أبرم "حميدتي" عقد ضغط بقيمة 6 ملايين دولار مع "بن مينشيه" الذي أخبر موقع" أفريكا ريبورت" أن مدة العقد انتهت لكن "حميدتي" مهتم الآن بمناقشة صفقة جديدة.

وقال "بن مينيشيه": "إنهم يشعرون بالقلق إزاء الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، ويريدون معرفة موقفها، أما قضيتهم الحقيقية فهي أنهم يريدون مساعدة من الإسرائيليين".

وكان "حميدتي" غائبا أيضا عن مؤتمر "البرهان" يوم الثلاثاء الماضي، وتقول مصادر إنه يخبر الدبلوماسيين أنه لم يدعم الانقلاب، وهو أمر غير صحيح، إذ أن الدبلوماسيين الأكثر ذكاء وكذلك المتظاهرين في الشوارع، يمكنهم معرفة الحقيقة.

وقالت "خلود خير" الشريكة الإدارية في المؤسسة الفكرية "إنسايت ستراتيجي بارتنرز": "كان حميدتي وإخوانه هادئين للغاية، هذا ليس صدفة بل يتماشى مع ما حدث في عام 2019، ففي ذلك الحين انتظر حميدتي حتى رأى كيف تسير الأمور وفي النهاية كان هو الشخص الذي اعتقل عمر البشير، مع أن قواته كانت المسؤولة عن تأمين حزب المؤتمر الوطني الذي يرأسه البشير ضد أي محاولة انقلاب".

وتعود العلاقة بين "البرهان" و"حميدتي" إلى دارفور منذ عقدين، فقد قاتل "البرهان" في المنطقة وكان عقيدًا استخباراتيًا عسكريًا ينسق بين الجيش والميليشيات الهجمات في ولاية غرب دارفور من 2003 إلى 2005.

المنافسة مع "البرهان"

كان "حميدتي" أمير حرب محليا بدون تعليم رسمي، الأمر الذي ترك انطباعا عنه أنه وافد على الخرطوم، وهو الانطباع الذي ما زال مستمرًا حتى الآن، كما أنه ما زال مستمرًا في قيادة القوات شبه العسكرية المدعومة من الحكومة والمعروفة باسم "الجنجويد" والتي جلبت الموت واليأس إلى دارفور.

وينتمي "حميدتي" لعشيرة عربية تشادية، وقد فر من الحرب في طفولته ليعيش في دارفور في الثمانينات، وعندما اندلعت الحرب هناك في عام 2003، انضمت قوات "الجنجويد" إلى الجيش السوداني في مكافحة عشائر أفريقيا السودا، وجرى اتهامهم بالإبادة الجماعية وارتكاب أعمال وحشية واسعة النطاق.

وتحولت "الجنجويد" إلى قوات الدعم السريع. وبعد الإطاحة بالرئيس "عمر البشير" في عام 2019، أصبح "حميدتي" نائبا لـ"البرهان". ومع أن كلا من الرجلين كان معاونًا شرسًا وموثوقًا به لدى "البشير"، إلا إنهما مكلفان الآن بلعب دور أساسي في جعل السودان تتجاوز فترة حكمه.

ويمكن اعتبار "حميدتي" و"البرهان" متنافسان طموحان، فكلاهما عسكريّ قويّ له تحالفاته، فبينما يرأس "حميدتي" قوات الدعم السريع، فإن "البرهان" يرأس القوات المسلحة السودانية، وكلاهما جزء من نخبة حاكمة نهبت موارد السودان.

ويسيطر "حميدتي" وإخوانه (الأكثر أهمية من بينهم عبد الرحيم حمدان دقلو) على مناجم الذهب في دارفور ويتمتع برعاية الإمارات والسعودية، وعندما احتاج التحالف الذي تقوده السعودية لمرتزقة للحرب في اليمن، لجأت الرياض إلى السودان و"حميدتي" الذي زودها بهم.

ويسيطر الجيش على المجمع الأمني العسكري وهو شبكة من المصانع والشركات التي تدعم أنماط الحياة والمعاشات التقاعدية للعديد من كبار ضباط الجيش، وتتمتع الشركات المملوكة للجيش بإعفاءات ضريبة وهي فاسدة بشكل ملحوظ.

وفي حين أن "البرهان" لديه أصدقاء عسكريين في الإمارات ووصف الرياض بأنها "حليف أبدي"، فهو الرجل المفضل لدى مصر وليس الخليج، وهذا يضعه مرة أخرى في منافسة مع "حميدتي".

وقال "باتريك سميث" رئيس تحرير موقع "أفريكا كونفيدنشيال": "الديناميكية بين البرهان وحميدتي غريبة وكلاهما مستعد للغدر بالآخر، يفضل المصريون البرهان بسبب تدريبه في القاهرة، أما محارب الصحراء الثري عديم الرحمة حميدتي فهو مفضّل أكثر لدى السعودية والإمارات، وقد قدم المرتزقة للحرب في اليمن، وكسب المزيد من المال من ذلك".

ويعتقد "سميث" أن هذا انقلاب "البرهان" و"حميدتي"، لكن العلاقة بين الرجلين صعبة "لأن حميدتي يقدم نفسه كقائد في الخارج"، وهو أقرب إلى ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" وولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد".

وقال "جوناس هورنر" وهو محلل بارز في شؤون السودان في "مجموعة الأزمات الدولية": "أصلحت القاهرة بين البرهان وحميدتي عقب وصول القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إلى شفا انفجار للخلاف بينهما في أوائل يونيو/حزيران".

وأضاف: "لقد وضع هذا كلًا من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في نفس القارب، وتمكنا من الاجتماع على العداء تجاه المدنيين واحتمال الانتقال المدني.. لقد تم الأمر بهدوء وحدث الصلح بين البرهان وحميدتي".

تهديد مشترك للسلطة والثروة

من المؤكد أن ما يجمع "حميدتي" و"البرهان" هو الشعور بالتهديد من احتمال سيطرة حكومة مدنية على السلطة وتداعيات ذلك عليهما شخصييا. وإذا حدث انتقال للسلطة، فسوف يكون لدى المدنيين من الناحية النظرية نفوذ تصويتي أكبر في القرارات المتعلقة بإصلاح القضاء وقطاع الأمن، وبالتالي كان على "البرهان" و"حميدتي" أن يتصرفا قبل ذلك، حيث تعتمد مصادر نفوذهما وثروتهما على ذلك.

كما يخشى الاثنان أن يخضعا للتحقيق على ما فعلاه في دارفور، ومذبحة الخرطوم في يونيو/حزيران 2019، وغير ذلك.

ومع التزام الحكومة بتسليم "البشير" للمحكمة الجنائية الدولية، يخشى "حميدتي" و"البرهان" أن يذكر رئيسهما السابق أسماء المتواطئين، مما يجعلهما على مسار اللحاق به.

وفي الوقت الحالي، يواجه كل من "البرهان" و"حميدتي" مقاومة شعبية منظمة للغاية لانقلابهما العسكري، وأظهرت قوات الدعم السريع استعدادا كبيرًا لمواجهة ذلك بالعنف، وكذلك فعل الدارفوري "مني مناوي" رئيس حركة جيش تحرير السودان.

مذبحة مثل رابعة

تنتشر القوات العسكرية بشكل واسع في الخرطوم، وكثير منها تابع لقوات الدعم السريع، وهناك مخاوف عبرت عنها الصحفية السودانية "نسرين مالك" بأن تحدث "مذبحة مثل رابعة" إذا تمكن "حميدتي" من السيطرة الكاملة.

وكانت هناك إدانة دولية واسعة بقيادة الولايات المتحدة للانقلاب، حيث سحبت المساعدات وهددت بالعقوبات، ولكن قد لا يكون هذا مصدر قلق حقيقي للعسكريين السودانيين، مع استمرار الوعد بالتمويل من الخليج والدعم القادم من مصر.

ولكن ربما يكون الشئ المقلق لهم أكثر هو الحديث المستمر عن الانقسامات بين فرقة سلاح المدرعات والموالين لـ"البرهان" داخل القوات المسلحة، مع وجود عدد من الضباط ضد الانقلاب ومع الشعب.

وقال تقرير محلي إن شقيق "حميدتي" ونائب رئيس قوات الدعم السريع "عبدالرحيم حمدان دقلو" تم تعيينه قائدًا ميدانيًا للانقلاب، مما أدى إلى تذمر في صفوف القوات المسلحة، وكان من المقرر أن يلقي "دقلو" القبض على 43 جنديًا من ضباط سلاح المدرعات لكن رفاقهم لم يتخلوا عنهم.

وفي الوقت الراهن، ينتظر "حميدتي" الوقت المناسب، وهو يعرف أنه مكروه للسودانيين في الشوارع، كما إنه يعرف أيضا أن الانقلاب يتعثر وأن الناس مصممون على المقاومة، ولكن ما سيفعله بعد ذلك قد يحدد مستقبل السودان.

المصدر | أوسكار ريكيت - ميدل ايست آي