تحسين يقين يكتب: «البوكر» لهيلانة الشيخ: حين نهضت من جديد وخلعت ثوب الماضي — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

تحسين يقين يكتب: «البوكر» لهيلانة الشيخ: حين نهضت من جديد وخلعت ثوب الماضي

تحسين-يقين-يكتب-البوكر-لهيلانة-الشيخ-حين-نهضت-جديد-خلعت-ثوب-الماضي

فقط في آخر الرواية!

لقد استطاعت بطلة الرواية أن تخرج ليس فقط من الحفرة التي وقعت فيها وهي تمشي ذليلة مع زوجها (عشيقها)، بل أن تنجو من تلك الحفرة المعنوية، فقد كانت الحفرة فيزيقية ورمزية في آن واحد، حيث كان تحقيق الأمل رديفها، لا الحلم فقط أو اليأس.

امرأة أربعينية فلسطينية لاجئة في الأردن، تحمل الجنسية الأردنية، تعيش في السعودية، وتتزوج، وتنفصل، لتعود إلى عمان، وتبدأ حياة جديدة، تستلهم من حياة أمها الشابة في السبعينيات الانفتاح الاجتماعي والثقافي، الذي كانت تحنّ له طفلة وفتاة وزوجة، يلتقي قدرها مع شاب ثلاثيني فلسطيني لاجئ من مخيم إربد، يخوض تجربة ثورية تقوده إلى الاعتقال السياسي، يخرج باحثا عن إثبات الذات الثقافية والاقتصادية، فيختار عمان للإقامة والعمل، تقوده إليها ثقته بقلمه.

يجيء حديث الرواية عن خلاصه الأناني في الرواية ضمن سياق نقد المجتمع الذكوري، وهو الذي كان يعلي من نفسه ومواهبه، ويخفض من نفسها ومواهبها، وصولا إلى الصدمة، حين تفوز روايتها بجائزة البوكر:

"هذه المرأة لم تكن تفقه شيئا عن الكتابة!

- هل تعرفها؟

- أجل، أعرفها حق المعرفة، أحفظها عن ظهر غيب، لم أنسها يوما ولن أنساها.

- لم تأتِ على ذكرها من قبل؟

- ولن آتي على ذكرها من بعد ولو حصلت على كل جوائز الدنيا.

- ألهذا الحد تكرهها؟

- أكره كل يوم عشته برفقتها.

ونهض وأغلق التلفاز وقال ساخرا: لكن ما الذي كتبته في روايتها حتى تحصد هكذا جائزة؟!" صفحة 117/118

هي رواية الرجل والمرأة، ورواية المعلقين من اللاجئين، الذين يحيون دوما من أجل الخلاص الفردي، في ظل غياب الخلاص العام، ورواية الإنسانية، حين يكون الخلاص فرديا أنانيا.

أما هي، في ظل وجودها وحدها ثانية، بعد حياة صعبة معه في عمان، وحياة صعبة مع زوجها في السعودية، فإنها لا تبحث عن خلاصها الفردي الأناني، بقدر ما تثبت ذاتها كامرأة ولاجئة فلسطينية، في عالم الأدب، مختارة للرواية، لتروي من خلالها رواية الذات والمجموع.

تقدم الرواية بطليها من خلال مفارقة مؤلمة صادمة للمرأة، حيث تبدأ بالسرد عن هو - هي، من خلال الصورة وعكسها إنسانيا وأخلاقيا، فهو لا يعتني، وهي تعتني، وهو يسير في "شموخ، وهي بانحناءة وتواضع"، هو لا يقدرها، وهي تقدره، هو يلوم "اهتمامها بجمالها ورموز أنوثتها"، ويرفض اهتمامها به وبشكله.


تنهض من جديد: وهنا، بعد أن تتسلق من الحفرة التي وقعت فيها، برغم حالة الحزن والرثاء وتذكر ما كان من سقطات وإخفاقات وظلم مجتمع، تقرر النهوض من جديد، مستلهمة (ربما) طائر العنقاء الذي يعود دوما بعد الاحتراق. وهنا لا تظهر مشاعر الحقد لديها بل يظهر التسامح واللجوء إلى الذات، لذلك يحالفها النجاح كونها إيجابية فعلا.

وهنا يتجلى الإخلاص على مستوى اللغة وتجلياتها الدلالية، كأروع إبداع لغوي يتم توظيفه للمعنى، أي لواقع حالها وهي تخلع الماضي: "ابتلّ معطفها فخلعته، ابتلّ فستانها فخلعته، ابتلّ جلدها فنزعته، ابتلّ شعرها فحلقته.." صفحة 43.

وخلال تلك السقطات، والعثرات، غاليا ما يعود الإنسان لتذكر الماضي، وهذا يتم بالطبع في الرواية، حيث إن أي وجع جديد يثير الأوجاع السابقة، وهنا يكون استدعاؤها للماضي على سبيل التذكر والتحسّر، من أجل تجاوزه كليا. خلال ذلك نتعرف على "هي"؛ فاستدعاء الماضي يصير أسلوب سرد وتعريف وذكر الأحداث:

"هي" طفلة يتيمة عاشت في كنف والدها الذي يعمل في منطقة "البكيرية في السعودية، تضطر للموافقة على الزواج من ثري. أما "هو"، فظهر لنا الطفل اللاجئ، يتعرض لمشاكل اجتماعية سياسية. يسجن ثم يصير كاتبا. يرتبط بسيدة، يرى خلاصه بتركها، وتكون حادثة وقوعها في حفرة في الشارع آخر لقاء معها، حيث تتضاعف قسوته ويتركها في الحفرة لمصيرها، فلا يمد لها يدا، غير متذكر أياديها البيضاء عليه وحنانها وتسامحها.

وهو أيضا كان يبحث عن خلاص جسدي، للتعويض عن سنوات السجن، لذلك يصير قوله إنه "وجد فيها صدرا حنونا وجسما غضا يستجيب له أنّي يشاء ويتشكل بين يديه وشفتيه دون مقابل". صفحة 38، في الحقيقة عن الجسد بشكل رئيس لا عن الحنان.

يعود ثانية للتيه، وحيدا في عمان، حتى يلتقي بمحمد البائس، فيلتقيان معا، فمصير الثلاثيني التائه، بعد علاقة فاشلة مع امرأة، يلتقي مع مصير الشاب العشريني الذي يعاني من تصرفات أبيه المدمن.

من خلال محمد وأخته زينة صفحة 86 يبدأ تحول جديد في حياته، طلبا للخلاص، يصيب شكله وملابسه، وصولا نحو الزواج منها، وحين يجد أن الكتابة السياسية تعرضه للخطر، يلبي الدعوة للعمل في الإمارات، ليعمل وفق متطلبات السوق الثقافية والإعلامية.

إلى هنا، يكون مصيره، فالكاتب اليساري، يتم تدجينه، ويترك المكان القريب من وطنه، وهو الذي طالما تحدث عن حق العودة الى فلسطين، ويبدو ان كل ذلك كان تكلفا ورد فعل بسبب حاله، لا على الحقيقة، فخلاصه كان فرديا بامتياز. بالرغم أنه كان بإمكانه التوازن بين الخلاص الفردي والوطني، بعيدا عن التطرف قبل الاعتقال، وبعيدا عن تصفية الحسابات بعد أن أصبح كاتبا مشهورا في عمان.

كان واثقا بقلمه ونفسه بما امتلك من موهبة وفكر، بعد أن مات الأب "البطريركي فيه"، فهو حين حدد وجهته عمان، المكان الذي يرى أنه سيكون خلاصه، إنما كان يحمل معه الأفكار التي خبرها طول عمره، خصوصا في فترة اعتقاله لعشر سنوات، مكنته من المطالعة العميقة.

تلتقي المصائر في عمان، ثم يختلف المكان، أما هي فتظل في مكانها الذي تحبه، بما اختبرت فيه من وطن آخر فيه حريات وانفتاح واحترام للمرأة، فتنتمي له، دون تطرف سياسي. بل تمارس إيجابيتها في الحب (شرهة في الحب) من جهة والكتابة من جهة أخرى، وصولا لتخليه عنها وعن الأحلام الوطنية. ويبدو أن نشاطه السياسي، كان رد فعل لحالته الاجتماعية، فلم يظهر طوال الرواية صدقه الوطني.

كان خلاصها بالحب، ونزع الحجاب والانطلاق، والكتابة، صحيح أنها "قد وقعت في سحر عينيه العسليتين كما تقع فيهن كل النساء غير مدركة للعواقب وغير مبالية لوجع النهايات" صفحة 35، لكن الحقيقة أنها كانت ذات خلاص جسدي أكثر، "فصورة والدتها العالقة في ذهنها أوحت لها بأن السعادة الحقيقية تبدأ من ترك العوائق وممارسة الحب لكسب أمدٍ أطول من الرضا عن الذات" صفحة 33، وصولا لتساؤلها الحقيقي: أيعقل أن الحياة بأكملها تقف مع انتصابة رجل؟! صفحة 71.

خلاص جسدي واجتماعي

فهي، إذاً، كانت تبحث عن خلاصها الجسدي والنفسي معا، مستلهمة في الوقت نفسه، حالة أمها كنموذج منفتح متصالح مع الجسد والروح، حيث ثمة ربط ما بين ممارسة الحب المادي ورضا المرأة عن ذاتها، كونها مرغوبة ومعشوقة، وهذا ما يرضي المرأة (ربما) كما تؤمن.

حتى امرأة البار، فهي الأخرى تبحث عن متعة عابرة لتشعر ربما أنها معشوقة.

أما سميرة، فهي الوحيدة، كونها تعيش عمرها بعيدا عن التعقيدات، وهي متصالحة مع نفسها، أحبته لكن في سياق البحث عن أسرة، لا متعة عابرة، لذلك زهدت به بل يئست منه.

زينة، زوجته أخيرا، كانت الأقل تعقيدا، فهي وجدت فيه خلاصا اجتماعيا من أب عنيف، وأسرة فقيرة، والتقت رغبتها برغبته بالزواج من شابة، تنجب له أطفالا.

أسلوب:

قام أسلوب هيلانة الشيخ على المفارقات، لإظهار المواقف النفسية من الداخل، "فالضد يظهر حسنه الضد"، كما كان استدعاء الماضي حيويا، معبرا عن حالتيهما، وأسلوبا للتعريف بالشخصيات.

أما اللغة فكانت طيعة في يد الكاتبة، وهي لغة مكثفة موحية، تجلت فيها المفارقات.

من كانت "تخربش" من وجهة نظر عشيقها الأناني، ذي النظرة الاستعلائية، صارت علما في الكتابة، فها هي تحصل على أكبر جائزة عربية في الرواية: البوكر. تلك التي يرد ذكرها في آخر الرواية، والتي كانت أحداث الرواية كلها، تتشابك وترتقي، وصولا إلى البقاء الإبداعي لامرأة أريد لها النفي.

وأخيرا نتذكر بأننا كنا إزاء نص يطمح لتجاوز ذلك، منتقدا بشدة من يستسلمون للقاع، ولا يحاولون الخلاص، كذلك لعله نص يسعى مضمونه لتجنب اليأس.

وأخيرا، سواء استخدمت الروائية ضمير الغائب/ة عن الشخصيتين الرئيستين، أو المتكلم، فإنها، ويبدو هذا قصديا، رغم تسميتها للشخوص في الرواية، إلا أنها استثنتهما معا من التسمية، ربما حتى يظلا معبرين عن حالة ما، أو للإيحاء بشيء ما، لكن ذلك كان موحيا دفعنا للتفكير والتساؤل خلال القراءة وبعدها.