تحليل أمني حول اعتراف الاحتلال بفشله الاستخباراتي والعملياتي خلال معركة سيف القدس — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

تحليل أمني حول اعتراف الاحتلال بفشله الاستخباراتي والعملياتي خلال معركة سيف القدس

كانت الأسطورة الاستخباراتية للكيان تسخر من أن أعدائها لا يقرؤون، إلا ان معركة سيف القدس اثبتت العكس ربما بسبب غرور التفوق المزعوم والاسطوري ، فكشف التطور الواضح للفصائل الفلسطينية عن فشل استخباراتي وأمني إسرائيلي كبير وان جهود الاستخبارات العسكرية للمقاومة مكنتها من اخفاء نوايا المقاومة على العدو بخداعة وتضليله وجعله لا يفهم المغزى والهدف وتشتيت انتباهه عن النوايا الحقيقية وعرقلة جهده في تركيب احجية استعدادات المقاومة والغرض منها كما استطاعت استخبارات المقاومة ان تجيب بثقة عن نوايا العدو وماذا يريد ؟ وبماذا يفكر؟ وماذا يقصد؟ واين يرنو بمخططاته ومناوراته؟

القناة 12 العبرية كشفت أجزاء من تحقيق عسكري إسرائيلي حول الثغرات التي اعترت معركة سيف القدس مع المقاومة الفلسطينية، وقالت أن جيش الاحتلال قدم في وسائل الإعلام "صورة منفصلة عن الواقع العملياتي" وهو ما أضر بعمل الوحدات العسكرية وثقة الجمهور الإسرائيلي في الجيش.

ويشير التحقيق الإسرائيلي الذي وجه نقدا حادا لأداء جيش الاحتلال، إلى وجود ثغرات استخبارية كبيرة، حالت دون تلبية الجيش للتوقعات التي حاول تصويرها بشأن الأضرار التي لحقت بالمنظومات المضادة للدبابات والصواريخ لفصائل المقاومة في غزة، وأيضا بقيادتها العسكرية.

منذ انتهاء معركة سيف القدس قلنا وكتبنا أن إسرائيل بعد فشلها الاستخباري الذريع، الذي لم يمنحها إمكانية تركيع المقاومة، ستحتاج بعض الوقت لتقييم ما جرى، والعمل على تحسين جهازها الاستخباري العسكري. فمعركة سيف القدس كشفت سلسلة من الإخفاقات الاستخبارية والعسكرية واليوم التحقيق العسكري الإسرائيلي يؤكد سلسلة من الإخفاقات الاستخبارية والعملياتية التي من أبرزها:

1- العمى الاستخباري المعلوماتي: أي فشل الاستخبارات في جمع المعلومات اللازمة حول قدرات وأداء المقاومة، حيث يشير البند 33 من التحقيق إلى "فجوة تشغيلية خطيرة في عرقلة قدرات أنظمة الصواريخ والمضادة للدبابات والقناصة التابعة للمقاومة" بسبب النقص الحاد في المواد الاستخبارية، وهذا يعني أن جيش الاحتلال فشل في الكشف عن معظم قاذفات صواريخ وتحديد مواقع خلايا الإطلاق وقادة حماس في غزة.

اما البند 38 من التحقيق إلى أن "الثغرات في المعلومات الاستخباراتية التي تم اكتشافها بعد العملية كانت على عكس ما كان قد نشر في مقالات وسائل الإعلام من قبل مصادر في جيش الاحتلال الإسرائيلي، والتي سعت - قبل المعركة - إلى تضخيم قدرات جمع المعلومات الاستخباراتية من أجل إيصال رسالة تهديد للمقاومة في غزة وطمئنة الجمهور الإسرائيلي الذي اكتشف زيف ما كان يتلقاه من معلومات، وهذا أمر بالغ الأهمية، وفق التحقيق، لأنه تسبب في إلحاق الضرر بصورة الجيش وقدراته، وخلق أمنا وهميا لدى الجيش والجمهور الإسرائيلي.

هذا يعني بالتقييم الاستخباري ان الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية لم تكن اذرع فعالة ولم تحقق النجاحات المطلوبة في عمليات الجمع للمعلومات، وانه لم يكن لديها مصادر ذات تأثير مزروعة داخل قطاع غزة، وانها فشلت من اختراق الفصائل الفلسطينية، بالتالي لم تمتلك أجهزة الاحتلال الاستخبارية معلومات حقيقية حول قدرات وإمكانات المقاومة فكان نتاج معركة سيف القدس تتخبط في تقديراتها وفي توقعاتها.

2- العمى التحليلي وفشل مركز التحليل من فهم المعلومات بشكل صحيح نتج عنه فشل في تقدير موقف المقاومة من استعدادها للعملية العسكرية: فالمجمع الاستخباراتي الإسرائيلي المسؤول عن تقديم التقديرات للمجلس الأمني المصغر، توقع بأن المقاومين في غزة، لا يرغبون بجولة قتالية بسبب الظروف الصعبة الاقتصادية والصحية، متناسين رسالة قائد اركان المقاومة بالتحذير الأخير وأن قيادات جميع الفصائل، حذرت الاحتلال سابقاً عبر الكثير من التجارب الصاروخية العلنية، والمناورة العسكرية المشتركة "الركن الشديد".

3- الصراع الاستخباري الداخلي: واضح ان هناك صراع بين الأجهزة الاستخبارية المتنوعة (موساد – شباك – أمان) أدى إلى إخفاق المؤسسة الاستخبارية الإسرائيلية في الفصل بين تلك الأجهزة من خلال تقسيم المهام وعلو التنسيق، كل ذلك زاد من حدة التخبط بين الأجهزة الاستخبارية وأدى الى تشرذم التحليلات وتضاربها كما أن تخوف كل جهاز من ان يبدو كأضحوكة أمام الاخرين يبدو انه قلل من الابداع في التحليل وجعل التحليلات حذرة وغير مستعدة للإبداع بسبب حالة تصيد الاخطاء بين الاجهزة الاستخبارية والمؤسسة العسكرية

4- الخداع والتضليل: نجحت المقاومة في تضليل كيان الاحتلال، الذي لم يكن يتوقع أن توجه أولى الضربات الصاروخية الكثيفة باتجاه مدينة القدس المحتلة، وفي أول يوم من أيام العملية اي الاثنين 28 رمضان، ما تسبب في صدمة لدى صناع القرار السياسيين والعسكريين.

نجاح المقاومة في توجيه الضربة الأولى أوضح حجم الفجوات بين الاستخبارات الإسرائيلية وصناع القرار لعوامل حزبية او نتيجة الصراعات السياسية الاسرائيلية التي نتج عنها حكومة مشلولة مما أدى الى تفاعل سلبي نتج عنه عدم ترابط بين ما يراه العقل وما تراه العين، ويزداد الامر سوءاً اذا ما تراخت الاجهزة الاستخبارية في السماح لتأثيرات السياسة الداخلية بالتسلل الى بنيتها، فحينها تكون الأجهزة مشلولة التفكير والاستنتاج.

5- فقدان الثقة بين الجيش والجمهور: ويكشف البند 55 من التحقيق كيف أثر التقييم الخاطئ للوضع والمبالغة في استعراض القوة على ثقة الجمهور الإسرائيلي بالجيش، حيث تسبب بتقويض الثقة بين الجمهور والجيش، وسمح للمقاومة الفلسطينية باستغلال هذه الحالة من أجل التأثير على الجمهور الإسرائيلي.

خلال معركة سيف القدس تمكنت المقاومة من تنفيذ تهديداتها السابقة، بقصف مدن وأهداف بعيدة المدى حتى 250 كلم. لتتخطى بذلك جميع منظومات القبة الحديدية، وتجبر المناطق الرئيسية في الكيان مثل العاصمة "تل أبيب" و"غوش دان"، على الإغلاق الشامل ونزول المستوطنين إلى الملاجئ. كما استطاعت التسبب بتعطل المرافق الرئيسية من المطارات والمنشآت النفطية، مثل إغلاق مطار بن غوريون (لأول مرة بسبب تهديد عسكري)، وصورة احتراق خزان النفط في محطة توليد الكهرباء بعسقلان،

فشل منظومات الرصد والاستطلاع، خصوصاً الطائرات بدون طيار الإسرائيلية، في كشف مواقع إطلاق وتخزين الصواريخ، رغم أنها تتواجد بشكل كثيف ودائم في أجواء القطاع، بالتزامن مع إعلان فصائل المقاومة لمواعيد إطلاقهم الصواريخ.


وهذا ما أكده التحقيق العسكري في أنه على الرغم من تصريحات المتحدث باسم جيش الاحتلال خلال المعركة حول تدمير أنفاق إطلاق الصواريخ والقضاء على الفرق المضادة للدبابات، إلا أنه لم ينخفض إطلاق الصواريخ باتجاه المستوطنات الجنوبية، وتمكنت الفرق المضادة للدبابات التابعة للمقاومة من السيطرة على المنطقة الحدودية بالكامل.

يمكن القول، إن أبرز ما في الرؤية الاستخباراتية الإسرائيلية الراهنة والتي اكدتها معركة سيف القدس هو عدم قدرة الاستخبارات العسكرية على ادعاء الوضوح في استشراف مجريات الأمور، والسبب في ذلك التغييرات المتسارعة في خريطة التهديدات في المنطقة التي من شأنها أن تؤدي إلى أخطاء في التقديرات الاستخباراتية، فلا رؤيا بعيدة المدى والحسابات رهن التطورات

ابرزت معركة #سيف_القدس قدرات الاستخبارات العسكرية للمقاومة في جمع المعلومات وتقدير الموقف ورسم صورة واضحة لتحركات العدو في مسرح العمليات، ونجحت المقاومة في عمليات التمويه والخداع والمسّ بقدرة الانذار لدى العدو مما مكنها من احباط خطط العدو بالمس بقيادة وقوات المقاومة واستطاعت تحقيق عنصر المفاجأة في الأداء العملياتي وإدارة المعركة.

ومن خلال متابعتنا لجهد المقاومة المستمر في ضرب بنية العمل الاستخباري الصهيوني في قطاع غزة، فإن العمل الفني التقني الاستخباري للمقاومة بات يحقق نجاحات متقدمة على صعيد المواجهة مع العدو، فطبيعة عملها تشمل العمل الدفاعي والوقائي والهجومي فهو هجومي بمراقبة العدو واختراقه وكشف خططه والتشويش عليه وهو دفاعي بمنع العدو من التجسس التكنلوجي ومنع خرق نظم ووحدات المقاومة والحد من حركته والايقاع به وهو وقائي في إمكانية السيطرة على الاتصالات ومواقع الانترنت.

مما تقدم يمكن القول ان الاستخبارات العسكرية أخذت أهمية وشمولية كبيرة لدى المقاومة الفلسطينية، وغدت مرتبطة باستراتيجية المقاومة، وشملت مهماتها تفصيلات عن النظريات العسكرية، وعن البناء الحربي للعدو وخططه الحربية، وما يطلق عليه (تنظيم القوات للمعركة) التي بدورها تشمل المعلومات العامة عن أماكن الوحدات البرية والبحرية والجوية والبيانات الفرعية كأسماء الضباط ورتبهم والإشارات المميزة للوحدات.

ونستطيع القول إن أعمال وأنشطة الاستخبارات، وفي ظل حالة عدم الاستقرار في المنطقة، تسعى قوى المقاومة جاهدة إلى تحديث وتطوير أجهزة الاستخبارات لديها؛ فالاستخبارات هي عينها التي تري بها مواطن الضعف والخلل في جسد العدو، كما أن هذا السبق في صراع الأدمغة ما بين المقاومة والعدو الصهيوني سيتطور مستقبلاً، والصالح فيه للمقاومة وسيساعدها في عملية الصراع المستمرة حتى إيجاد توازن في القوى، ومن ثم تفوق ولو جزئي لإحراز النصر على العدو الصهيوني.