تحليل: فرنسا وانقلاب غينيا.. هل خلف الإدانة تواطؤ خفي؟ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

تحليل: فرنسا وانقلاب غينيا.. هل خلف الإدانة تواطؤ خفي؟

تحليل-فرنسا-و-انقلاب-غينيا-هل-خلف-الإدانة-تواطؤ-خفي

رغم إدانتها للانقلاب ضد الرئيس الغيني المثير للجدل ألفا كوندي (83 عاما)، إلا أن فرنسا لم تكون على وفاق معه، خاصة بعد قراره تعديل الدستور الذي أتاح له الترشح والفوز بولاية رئاسية ثالثة.

ووصف الإعلام الفرنسي، ما جرى في 2020، بأنه "انقلاب دستوري"، خاصة بعد سقوط عشرات القتلى من المتظاهرين الرافضين لتعديل الدستور، الذي يمنع كوندي من الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين.

وخلف هذا الغضب الفرنسي من كوندي، أسباب اقتصادية غير تلك السياسية المعلنة، فالرجل فضل صداقة الصين عليها، وكان يعتزم تسليمها رخص استغلال أحد أكبر مناجم الحديد في العالم، بعد تنازل ملياردير فرانكو إسرائيلي عن حقوقه فيه إثر فضيحة فساد.

فغينيا، بلد غني بالموارد الطبيعية تتصارع عليها دول كبرى، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز 14 مليون نسمة، 85 بالمئة منهم مسلمون، وناتجها المحلي لا يتجاوز 12.6 مليار دولار (صندوق النقد الدولي/ 2019).

لكن موقعها استراتيجي، حيث تطل على المحيط الأطلسي، ومحاذية لمنطقة الساحل الإفريقي الملتهبة أمنيا من جهة جنوب مالي، كما لا يفصلها عن موريتانيا من الجانب الأطلسي سوى غينيا بيساو والسنغال وغامبيا،.

ليست فقط الخلافات السياسية والاقتصادية ما يثير الشبهة حول تورط جهات على علاقة بالنظام الفرنسي في الإطاحة بكوندي، فقائد الانقلاب خدم الجيش الفرنسي لسنوات طويلة، وتدرب في إسرائيل.

وما يلقي بمزيد من ظلال الشك حول دور فرنسا في انقلاب غينيا كوناكري، تاريخها في اغتيال والإطاحة بالعديد من الزعماء والقادة الأفارقة الذين لا يخدمون مصالحها.

قائد الانقلاب.. أحد رجال فرنسا الغاضبين

من المفارقات أن قائد الانقلاب العقيد مامادي دومبويا، من الرجال الذين خدموا في الجيش الفرنسي طيلة 15 سنة، في الفوج 25 من الفيلق (اللفيف) الأجنبي، لكنه قبل مغادرته في 2018 لتولي قيادة القوات الخاصة في بلاده ألقى خطابا أمام حشد من الضباط انتقد فيه النفوذ الفرنسي على بلاده، وعنصرية الرجل الأبيض.

وقال ديمبويا، المتزوج من فرنسية تعمل في الدرك الوطني، "إن البيض يسيطرون على السلطة، ولا يمكن لنا الوصول إليهم. على سبيل المثال، طلبت في العام الماضي (2017) ذخيرة لتدريب قواتي على إطلاق النار، لكنني لم أحصل عليها أبدا، لأن قادتي يخشون أن أستخدمها لإثارة انقلاب".

وتحمل كلمات ديمبويا، قبل 3 سنوات، سخطا على سلطات بلاده التي كان يقودها الرئيس ألفا كوندي، التي تثق في الضباط الفرنسيين أكثر من الضباط الوطنيين، وتحرمهم من الذخيرة خشية أن يستعملوها في قيادة انقلاب، وهو ما حدث فعلا.


فديمبويا، رغم استيائه الشديد من العنصرية التي يتعامل بها كوندي مع زملائه الفرنسيين مقارنة بهم، إلا أنه كان ممتنا لهم لأنه تمكن عبرهم من الحصول على الذخيرة والوسائل التي مكنتهم فيما بعد بقيادة انقلاب عسكري ناجح، وهزيمة الحرس الرئاسي، الذي سبق له وأن تصدى لمحاولة اغتيال الرئيس في 2011.

وبحسب ما نقلت عنه صحيفة "موندافريك" الفرنسية، يوضح العقيد ديمبويا، أن "الفرنسي الذي يأتي لتوفير التدريب لنا.. سيتلقى على الفور كل ما يحتاجه من حكومتنا. لذلك نحن سعداء بوصولهم (المدربين الفرنسيين) الذي يسمح لنا بتدريب قواتنا، لكننا منزعجون لرؤية أننا لا نستطيع ممارسة مهنتنا في ظروف جيدة، على عكس الأجانب الذين يفعلون ذلك من أجلنا".

إلا أن ديمبويا حظي بعد ذلك بدعم من الرئيس كوندي، واستدعاه من الجيش الفرنسي ليقود القوات الخاصة الغينية.

فقائد الانقلاب لم يكن سوى ضابط صف برتبة عريف في الجيش الفرنسي، قبل أن يستدعيه كوندي، ويرقيه بسرعة عجيبة إلى أن وصل إلى رتبة عقيد خلال ثلاثة أعوام فقط.


والسر في ذلك قد يعود إلى أن ديمبويا يتحدر من قبيلة مالينكي، التي ينتمي إليها كوندي، والتي تمثل خزانه الانتخابي.

لكن كوندي على الأغلب لم يتوقع أن الرجل الذي صنع منه ضابطا كبيرا لحماية حكمه من أي انقلاب، سيكون الرجل الذي سيطيح به.هل كان لفرنسا دور في الانقلاب؟

ليس من المؤكد لحد الآن ما إذا كان للفرنسيين دور خفي في الانقلاب على كوندي، لكن المعروف أن الجنرال الفرنسي "برونو كليمان بوليه"، كان يشرف على إعادة هيكلة الجيش الغيني بطلب من الرئيس المخلوع ذاته.

وكان كوندي يثق بالجنرال الفرنسي بوليه، أكثر من ثقته بقادة جيشه، خاصة من ذوي الرتب المتوسطة، بحسب تلميحات العقيد ديمبويا.

وعند وقوع الانقلاب في 5 سبتمبر، كانت باريس من أولى العواصم المنددة به، حيث أصدرت الخارجية الفرنسية بيانا جاء فيه أنها "تدين محاولة الاستيلاء على السلطة بالقوة" في غينيا وتدعو إلى "الإفراج الفوري وغير المشروط عن الرئيس ألفا كوندي".

فرسميا، تقف باريس ضد الانقلابيين، ولكن الجنرال الفرنسي بوليه، من وفّر الإمكانيات اللازمة للقوات الخاصة التي يقودها ديمبويا، التي بفضلها نجح الانقلاب، سواء بقصد منه أو بدون قصد.

كما أن باريس سبق لها وأن شككت في نزاهة الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها كوندي بولاية رئاسية ثالثة في 2020.

ولحد الآن لم تفرض فرنسا أي عقوبات على الانقلابيين في كوناكري، بالرغم من أن مستعمرتها السابقة تخضع لنفوذها.

خسرت الصين.. فهل ربحت فرنسا؟

لا تملك غينيا ثاني أكبر احتياطي من البوكسيت في العالم والذي يستخرج منه الألمنيوم، بل لديها أحد أكبر مناجم الحديد عالميا، ويبلغ احتياطاته 2.4 مليار طن ولا يتفوق عليه إفريقيا سوى منجم غار جبيلات بالجزائر (3.5 مليارات طن).

هذه الإمكانيات المنجمية الهائلة في بلد لا تتجاوز مساحته 246 ألف كلم مربع، دفعت البعض لتلقيبه بـ"المعجزة الجيولوجية"، وهذا ما يفسر التنافس بين عدة أطراف وعلى رأسها فرنسا وإسرائيل والصين على حقوق استغلال منجم سيماندو لخام الحديد، الواقع في الجنوب الشرقي لغينيا على الحدود مع سيراليون.

حيث تمكن الملياردير الإسرائيلي الحامل للجنسية الفرنسية بني شتاينميتز، من إزاحة المجموعة الأنجلو-أسترالية من المنافسة، واستحوذ على حقوق استغلال منجم سيماندو ما بين 2005 و2010.

لكن انتخاب ألفا كوندي، رئيسا للبلاد لأول مرة في 2010، بعد نصف قرن من الحكم الديكتاتوري، دفعه لتجميد رخص الاستغلال الممنوحة للملياردير الفرانكو-إسرائيلي، بسبب شبهة فساد.

واتضح فيما بعد أن الملياردير الفرانكو -إسرائيلي متهم بتقديم رشوة بقيمة 10 ملايين دولار لإحدى زوجات الرئيس السابق لانسانا كونتي (1984-2008).


وفي 2019 اتفق نظام كوندي، مع الملياردير "بيني" على التخلي عن المشروع مقابل إسقاط تهم الفساد عنه، إلا أن الادعاء السويسري واصل متابعته قضائيا.

وفي ظل هذا الفراغ، استغلت مجموعة شركات صينية الفرصة، واقتحمت السوق الغينية بثقلها، وحصلت على رخص لاستغلال بعض أجزاء منجم سيماندو، الذي تقدر تكلفته الأولية بنحو 9 مليارات يورو، تتضمن أيضا إنشاء سكة حديدية لنقل خام الحديد من المنجم إلى ميناء سيتم إنجازه أيضا.

كما عززت الصين نفوذها في غينيا بدعم من كوندي، الذي فتح أبواب بلاده للاستثمارات الصينية، ما أثار حفيظة فرنسا، التي مازالت تهيمن على البلاد سياسيا وعسكريا، لكنها تخسر أمام بكين اقتصاديا.

فمنجم سيماندو، يمثل أهمية استراتيجية لعدة قوى عالمية، ومعركة اقتصادية تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيين لمنع الصين من التمدد في إفريقيا.

ووفقا لما نقله موقع "فرانس أنفو"، من دراسة للباحثة البريطانية لورين جونستون، فإن "استخراج احتياطيات سيماندو من خام الحديد من شأنه أن يحول السوق العالمية، ويدفع غينيا إلى قوة تصدير خام الحديد إلى جانب أستراليا والبرازيل".

فالصين تستورد مليار طن من الحديد الخام، ثلثاه من أستراليا، واستغلال حديد غينيا سيؤدي إلى تخلص بيكين من التبعية لحديد أستراليا، ويخفض من أسعاره الدولية، ما يقلص تكلفة المنتجات الصينية ما يقوي من تنافسيتها في الأسواق الدولية.

بينما تحاول فرنسا ومن ورائها الولايات المتحدة حرمان الصين من هذه الجائزة، لذلك فإن الانقلاب الذي أطاح بكوندي، الصديق الوفي لبكين، يصب في مصلحة باريس وواشنطن.

فكما أدى صعود كوندي إلى السلطة في الإطاحة بالاستثمارات الفرنسية الإسرائيلية في سيماندو، فإن الانقلاب عليه قد يطيح أيضا بالاستثمارات الصينية في مناجم الحديد بالبلاد، وهذا ما تأمله باريس.

تاريخ طويل في دعم الانقلابات

وإن لم يتضح بعد دور صريح لفرنسا في دعم الانقلاب على كوندي، إلا أن التاريخ يكشف لنا كيف حاولت باريس الإطاحة بحكم الرئيس الغيني الأسبق سيكو توري (1958 -1984)، عبر تسليح المعارضة، وإغراق السوق بالعملة المزورة، وحرق مخازن الغذاء وقتل الماشية، لمجرد أنه أراد تحقيق "استقلال حقيقي" عن فرنسا، بحسب وسائل إعلام.

وعرف سيكوتوري، بمقولته الشهيرة "نفضل أن نعيش بحريتنا كفقراء، على أن نعيش عبيداً بترف".

وتورطت فرنسا على مدى عقود في اغتيال أو الإطاحة بـ22 رئيسا أو رئيس وزراء إفريقي لضمان مصالحها، بحسب وسائل إعلام.

لذلك فليس من المستبعد أن تكون باريس وراء الإطاحة بألفا كوندي، الذي اختار صداقة الصين، وحرم فرنسا وإسرائيل من "كنز سيماندو"، كما أنها رغم إدانة الانقلاب لم تفرض أي عقوبات اقتصادية على الانقلابيين ولم تجمد تعاونها العسكري معهم، مثلما فعلت قبل أشهر في انقلاب مالي.

المصدر: الاناضول