تصعيد درعا.. معادلات معقدة ومصالح متشابكة

تصعيد-درعا-معادلات-معقدة-و-مصالح-متشابكة

في مساء الثلاثاء 31 أغسطس/آب، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين ما يسمى "المتمردين المتصالحين" في مدينة درعا البلد والنظام السوري، وينص الاتفاق على قيام قوات النظام برفع الحصار المستمر منذ شهور عن المدينة، والتي تعرضت في الأيام الأخيرة لهجوم وقصف من قبلها في محاولة للسيطرة عليها.


وتسمح شروط الاتفاقية للشرطة العسكرية الروسية ولجنة أمنية مرتبطة بالنظام السوري أن تذهب إلى المنطقة لتعزيز وقف إطلاق النار.

وفي الوقت نفسه، فإن المطالب الجديدة لنظام "الأسد"، والتي تم طرحها يوم الجمعة، 3 سبتمبر/أيلول الجاري (ربما تم طرحها تحت ضغط من إيران) قد تؤدي إلى تفاقم الوضع مرة أخرى.

وطلب ممثلو النظام تسليم كامل الأسلحة، وإنشاء نقاط تفتيش أمنية في المناطق السكنية وتفتيش شامل للمنازل، لكن المعارضة رفضت هذه الشروط.

ومع ذلك، ستواصل روسيا جهودها للحفاظ على الوضع الراهن، لأن هذ الأمر هو مسألة هيبة بالنسبة لموسكو.

الضبط الروسي لنظام "الأسد"

بعد عملية عسكرية في جنوب غربي البلاد ضد مجموعات المعارضة المحلية في صيف عام 2018، وافقت روسيا على منح هؤلاء المتمردين، وخاصة أولئك من الجبهة الجنوبية، وضعًا خاصًا.

وأثناء المشاورات التي شارك فيها الدبلوماسيون الروس والأمريكيون والأردنيون والإسرائيليون في عمان، تم التوصل إلى اتفاقيات مفادها أن وحدات المعارضة المسلحة يمكنها أن تظل موجودة دون نزع سلاحها بالكامل.

إن وجود قوى المعارضة في هذه المنطقة، وإن كان بشكل محدود، خلق نوعًا من المنطقة العازلة على طول الحدود مع إسرائيل والأردن، وأصبحت الكلمة الحاسمة في إدارة هذه المنطقة ليست لدمشق أو لحلفائها الإيرانيين، بل لروسيا التي لم تسمح بنشر قوات تعمل بالوكالة عن إيران على طول الحدود مع إسرائيل

عناد نظام "الأسد"

وتمكنت روسيا من تنفيذ هذا القرار والدفاع عنه أمام دمشق، على الرغم من المعارضة الجدية من نظام "الأسد"، وبعد ذلك حاولت دمشق مرارا وتكرارا استعادة السيطرة على هذه المناطق من أجل تحويلها إلى تشكيلات موالية لإيران، ولكن روسيا منعت ذلك في كل مرة.

ولذلك، ظل موقف الجيوب التي يحتفظ بها "المتمردون" دون تغيير بشكل عملي على مدار السنوات الثلاث الماضية.

ووفقًا للاتفاقية الأخيرة، لم يتم رفع العلم السوري فحسب، بل رفع العلم الروسي أيضًا فوق المدينة.

وفي درعا البلد أيضًا، وبينما أعيد فتح مكاتب أمن تابعة لحكومة دمشق واستئناف عمل الأجهزة الحكومية الأخرى، ستتواجد الشرطة الروسية أيضًا وتراقب أنشطتها.

وبالإضافة إلى ذلك، دخلت قوات اللواء الثامن التابعة للفيلق الخامس (والتي شكلتها روسيا من بين المتمردين المتصالحين) هذا الجيب جنبا إلى جنب مع الجيش الروسي.

ويعد هذا أمرًا ذو أهمية خاصة، لأن هذا اللواء (واسمه غير الرسمي لواء أسود الحرب) يرتبط رسميا فقط بشكل صوري بالقوات المسلحة السورية، وقد وصفه ممثلو حكومة دمشق بأنه "تشكيل قطاع طرق" وأعربوا عن استيائهم من خلق روسيا لمثل هذه الوحدات من مقاتلي المعارضة السورية.

ودخل هذا اللواء بشكل متكرر في صراع مع القوات الحكومية، ومنعها من دخول مناطق سيطرته ولم يسمح لها بالقمع والتطهير هناك.

دوافع روسيا في الضبط

وبالرغم أن موسكو تمكنت من فرض أجندتها الخاصة في النهاية، إلا أن الوصول للاتفاقات الحالية مع دمشق لم يكن سهلًا.

فمن ناحية، مارس "الأسد" ضغوطا على القيادة الروسية لمواصلة العمليات العسكرية في إدلب، ولكن بالنسبة لروسيا فإن الحملات العسكرية الجديدة في الشمال السوري ستكون أمرا محفوفا بالمخاطر للغاية بسبب التهديد باشتباك عسكري مباشر مع تركيا أو الولايات المتحدة.

ومن ناحية أخرى، حاولت دمشق نقل العمليات إلى جنوب سوريا من أجل إثبات أنها لا تنوي وقف حملة "تحرير سوريا إلى آخر شبر" التي أعلن عنها "الأسد"، ولكن النظام السوري لم يستطع الحصول على الدعم الروسي في هذا الصدد أيضًا.

ولم يساعد الجيش الروسي القوات الحكومية على شن هجوم ضد درعا البلد، بل كان على العكس من ذلك حاولت موسكو في كل مرة إجبار الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

وفي الوقت نفسه، كان لدى "الأسد" أيضا دوافع شخصية لاستعادة السيطرة على هذه الجيوب في جنوب البلاد منذ أن رفض سكانها المشاركة في إعادة انتخابه في مايو/أيار 2021 أو فتح مراكز الاقتراع.

ومع ذلك، ففي حين أن المناطق التي يسيطر عليها اللواء الثامن (والتي لم تعقد فيها الانتخابات أيضا) تحت الحماية المباشرة لروسيا، فإن المناطق الأخرى التي لم يتم تسوية وضعها بالكامل - بما في ذلك درعا البلد - لم تحصل على الضمانات الأمنية الروسية بالكامل.

فقد تم استهداف هذه المناطق الأخرى من قبل شقيق "بشار" وقائد الفرقة الرابعة للجيش السوري "ماهر الأسد"، في يونيو/حزيران من هذا العام.

رغبة الحفاظ على المكانة

هناك دافع مهم أيضًا لدى موسكو في عنادها أمام دمشق، ويعود إلى حاجة الكرملين لإظهار قدرته على الوفاء بالتزاماته للدول الأخرى في المنطقة؛ أي الأردن وإسرائيل، ولذلك، فالمسألة بالنسبة لروسيا مسألة حفاظ على المكانة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته زيارة الملك "عبدالله الثاني" إلى موسكو في 23 أغسطس/آب الماضي واجتماعه مع الرئيس "فلاديمير بوتين"، حيث كان أحد موضوعات المناقشة الرئيسية هو الوضع في درعا البلد.

وتقول بعض المصادر أنه جرى الاتفاق بين روسيا والأردن على ضرورة حل النزاع بين الجنوبيين وقوات النظام التي تحاول إخضاعهم، وذلك عن طريق حل الأزمة الإنسانية في المقام الأول.

ووفقا لهذه المصادر، فإن عمّان مستعدة لتوفير المساعدة الاقتصادية المناسبة للمناطق التي عادت رسميا إلى سيطرة دمشق في عام 2018 ولكنها احتفظت بالاستقلال الذاتي فعليًا.

وعلاوة على ذلك، لن ترغب موسكو في المخاطرة بعلاقاتها مع إسرائيل، حيث تواجه روسيا مخاوف بشأن كيفية التفاعل مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة.

وإذا انتقلت مناطق جنوب سوريا إلى سيطرة "الأسد" الكاملة، ستظهر التشكيلات الموالية لإيران على الفور، والتي هي في الواقع المحرك الحقيقي لعملية درعا.

وسيؤدي ذلك إلى تفاقم جديد للصراع في المنطقة وهجمات للجيش الإسرائيلي على مواقع القوات الموالية لإيران بالقرب من حدوده، وبالتأكيد لا ترغب روسيا لصفحتها الجديدة مع الحكومة الإسرائيلية أن تبدأ بهذه الطريقة.


المصدر | كيريل سيمينوف/المونيتور