تغيير أم استمرارية؟.. سياق حقوق الإنسان في العلاقات الأمريكية المصرية بعهد بايدن — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

تغيير أم استمرارية؟.. سياق حقوق الإنسان في العلاقات الأمريكية المصرية بعهد بايدن

تغيير-أم-استمرارية-سياق-حقوق-الإنسان-في-العلاقات-الأمريكية-المصرية-بعهد-بايدن

يصادف هذا العام مرور عقد على اندلاع الربيع العربي في مصر بسبب الحالة المتردية للبلد، من انعدام الأمن السياسي والاقتصادي، إلى وحشية الشرطة وقمع المدنيين. فقد تنحى الرئيس "حسني مبارك"، في 25 يناير/كانون الثاني 2011، منهيا فترة ولايته التي دامت 30 عاما، ومانحا المصريين الأمل في غد أفضل. ومهد الرئيس "مرسي، خليفة "مبارك"، الطريق لفشل حكمه عبر محاولاته للاستيلاء على السلطة، وتمكين الإسلاميين.

 ففي يوليو/تموز 2013، استولى الجيش المصري، بقيادة وزير الدفاع آنذاك المشير "عبدالفتاح السيسي"، على البلاد. ومنذ ذلك الحين، انتُخب "السيسي" رئيسا مرتين عامي 2014 و2018.

ومع ذلك، لا يزال المصريون اليوم يعانون من نفس المشاكل التي واجهوها في ظل حكم "مبارك"، وإن لم يكن الوضع أسوأ. إذ يعيش حوالي 60% من السكان عند خط الفقر أو تحته. وتصاعد الدين الخارجي للبلد من 46 مليار دولار عام 2014 إلى 125 مليار دولار اليوم. 

كما تتعرض حرية التعبير للتقييد بشكل كبير من خلال الرقابة على وسائل الإعلام والقمع ضد الصحفيين. ولا تزال منظمات ونشطاء حقوق الإنسان يعانون من العنف المدعوم من الدولة. 


فيما يُحاكم المدنيون أمام القضاء العسكري، وباتت الاحتجاجات بالشوارع محظورة فعليا. أيضا، أجرى "السيسي" تغييرات دستورية لضمان بقائه بالسلطة حتى عام 2030 على الأقل. باختصار، لا تزال المطالب الشعبية التي خرج المتظاهون لتحقيقها عام 2011 دون تلبية، بل بات حال الناس اليوم أسوأ بكثير مما كانوا عليه قبل ثورة 25 يناير.

وفي هذا السياق، تعد العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة ومصر في عهد الرئيس "جو بايدن"، الرئيس الأمريكي الثالث في السلطة خلال نظام "السيسي"، مثيرة للاهتمام. 

فلطالما دافعت الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات الليبرالية الغربية عن نفسها كحامية لحقوق الإنسان. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط بشكل عام، ومصر على وجه الخصوص، فإن الدعم الأمريكي للحكم الاستبدادي يتناقض تناقضا صارخا مع خطابها الإنساني. 

فالقمع السياسي وانعدام الحرية يقوضان حقوق الإنسان ويخلقان بيئة خصبة للظروف ذاتها التي يريد الغرب تجنبها بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، عدم الاستقرار والتطرف. كما يتجاهل الدعم الأمريكي لـ"السيسي" بشكل صارخ حقوق الإنسان للشعب المصري.


وعلى مدى السنوات الأربعين الماضية، تلقت مصر 50 مليار دولار كمساعدات عسكرية من الولايات المتحدة؛ ما يجعلها ثاني أكبر متلق للمساعدات الأمريكية في جميع أنحاء العالم. وفي بعض الأحيان، استخدمت الإدارات الأمريكية هذه المساعدات كأداة مساومة لدفع أجندة حقوق الإنسان في مصر.

 فخلال إدارتي "بارك أوباما" (يناير 2009-يناير 2017) و"دونالد ترامب" "(يناير 2017-يناير 2021)، كان هناك تعليق قصير الأمد وجزئي للمساعدات إلى مصر. ومع ذلك، فإن الأول لم يصف صعود "السيسي" إلى السلطة بأنه "انقلاب"، فيما قال الثاني إن "السيسي" يعد "ديكتاتوري المفضل".

كان "بايدن" مصرا شفهيا على حقوق الإنسان في السياسة الخارجية. حتى أنه غرد قبل انتخابه قائلا إنه لم تعد هناك "شيكات على بياض لـ"ديكتاتور ترامب المفضل" (السيسي). 

وفي لقاء مع "السيسي" في مايو/أيار 2021، شدد وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن" على أهمية احترام حقوق الإنسان في هذا البلد العربي. ومع ذلك، في فبراير/شباط 2021، أظهرت وزارة الخارجية أن هذا ليس إلا تشدقا بالكلام؛ حيث وافقت على الإفراج عن 197 مليون دولار من المساعدات، مع الزعم بأن هذه المساعدة ستؤمن المصالح الأمريكية من خلال "تعزيز" قدرة مصر على حماية مناطقها الساحلية وقناة السويس.

كما أصبح الكونجرس الأمريكي ذا أهمية متزايدة في هذه الديناميكيات. ففي عام 2020، أصدر قانونا يشترط لصرف 75 مليون دولار من المساعدات حدوث تقدم فيما يتعلق بوضع حقوق الإنسان في مصر، وهو شرط لا يمكن لوزارة الخارجية تجاوزه. ومع ذلك، فإن هذا المبلغ يمثل 6% فقط من إجمالي 1.3 مليار دولار من المساعدات الأمريكية التي تتلقاها مصر. 

ويؤكد الخبراء الأمريكيون أن العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر تحتاج إلى إعادة تقييم تستند إلى حقوق الإنسان، وحقيقة أن القاهرة لم تعد تتمتع بنفس النفوذ في المنطقة. كما تقلصت أهميتها الاستراتيجية باعتبارها الدولة العربية الوحيدة التي اعترفت بإسرائيل بسبب التطورات الأخيرة. 


كما أن مصر لم تعد مؤيدة لأمريكا بشكل علني. فقد رحب "السيسي" بالاستثمارات الصينية واشترى معدات عسكرية من روسيا. كما أن دعم النظام المعلن لـ"بشار الأسد" في سوريا و"خليفة حفتر" في ليبيا يتعارض أيضا مع المصالح الأمريكية. علاوة على ذلك، فإن القوة الدافعة الوحيدة وراء سياسات "السيسي" هي ضمان استقرار نظامه. واعتبرت دوائر السياسة الخارجية الأمريكية أن كل هذا يجعل "السيسي" شريكا غير موثوق به.

أولت الحكومة المصرية اهتماما بالتطورات الحالية. وهي تعلم أن سجلها في مجال حقوق الإنسان يمثل مصدر قلق للحلفاء الغربيين، الذين تحتاج إلى دعمهم في نزاع "سد النهضة" مع إثيوبيا. 

وجاءت محاولات "السيسي" لتأمين المصالح المصرية (ومصالحه الخاصة) في شكل إطلاق سراح عدد قليل من السجناء السياسيين، بمن فيهم "خالد داود" و"سلافة مجدي"، ولعب دور رئيسي في الصراع الأخير بين حركة "حماس" وإسرائيل. أيضا لجأ "السيسي" إلى شركات الضغط في واشنطن لترميم صورته.


 ففي نفس الوقت تقريبا الذي تم فيه انتخاب "بايدن" العام الماضي، انضمت شركة "براونستاين هيات فاربر شريك" للعلاقات العامة إلى جهود السلطات المصرية لتحسين صورة "السيسي"، وتشجيع السياسيين في واشنطن على التعاطي مع نظامه. وركزت الشركة على إبراز الأهمية الجيوسياسية لمصر في الشرق الأوسط وكذلك حقوق الأقليات في البلاد.

ويبدو أن جهود "السيسي" تؤتي أوكلها إلى حد ما. إذ لم تتلق مصر مساعدات عسكرية أمريكية هذا العام فحسب، بل أكد وزير الخارجية "بلينكن"، أيضا، التزام الولايات المتحدة بأمن مصر المائي خلال اجتماعه مع "السيسي". ومع ذلك، تدرك مصر أنها لا تستطيع الاستمرار في تجاهل قضية حقوق الإنسان بشكل صارخ.

 لكن بدلا من اتخاذ إجراءات ملموسة لتحسين الظروف، يمكنها على الأقل ترميم سمعتها. ومع ذلك، يبدو أن الولايات المتحدة، أيضا، لن تدفع بجدول أعمال حقوق الإنسان بشدة لأن ذلك سيمكن روسيا والصين وحتى أوروبا من كسب النفوذ في مصر. كما أن الأولويات الداخلية والخارجية الأخرى لـ"بايدن"، وعلاقات مصر الوثيقة مع حلفاء الولايات المتحدة الآخرين مثل السعودية والإمارات؛ تجعل الإصلاح الكامل للسياسة الأمريكية أمرا غير مرجح.

في الختام، هناك مؤشرات تدل على تحول في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة ومصر بسبب أوضاع حقوق الإنسان والمطالب العربية الشعبية، ويبدو أنه ستكون هناك تغييرات طفيفة في مسار العمل المصري والأمريكي، لكن لا يزال من غير المحتمل تفكيك الوضع الراهن بالكامل.


المصدر | LSE’s Middle East Centre Blog - ترجمة وتحرير الخليج الجديد