توران قشلاقجي يكتب: تركيا والخليج… مرحلة جديدة — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

توران قشلاقجي يكتب: تركيا والخليج… مرحلة جديدة

توران-قشلاقجي-يكتب-تركيا-والخليج-مرحلة-جديدة

من الواضح أن رياح التجديد تهب على تركيا ودول الخليج العربي. فبعد ما أدت الأزمات التي أعقبت الربيع العربي، وحصار قطر عام 2017، جعل تركيا وبعض دول الخليج وجها لوجه على الساحة الدولية. هذه التوترات المستمرة منذ عام 2013، مهدت الطريق لفترة انفراج كبيرة بين تركيا وتلك الدول، وحتى فترة تحالفات جديدة، وزيارات وفود معينة من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى تركيا. قابلت تركيا الشيء بمثله بزيارات وفود وهيئات لتوطيد المسارات، وإجراء مكالمات هاتفية لوفود معينة من تركيا مع هذه البلدان أيضا.

لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته قطر «لؤلؤة الخليج» في تطوير العلاقات بين تركيا ودول الخليج، حتى عندما كانت قطر محاصرة من قبل بعض دول الخليج الشقيقة لم تعتبر قطر هذه الدول أبدا أعداء، بل وقفت دائما في خط الدفاع عنها، حتى في الفترات الأشد صرامة أثناء الحصار. وفي لقاءاتي بالسلطات القطرية، كانت تلك السلطات تعرب دائما لي عن أن الدول الشقيقة التي حاصرتها اليوم، ستدرك قريبا أخطاءها وستغير من سيرها هذا. ولطالما دافعت قطر عن الاستقرار في الدول العربية التي تعاني من أزمات كبرى، والتي تُركت شعوبها من دون معالجة أزماتها، والتي أصبحت الهدف الرئيسي للصراعات العالمية.

وفي هذا الصدد اتخذت قطر خطوات مشتركة مع تركيا في العديد من القضايا في هذا الموضوع. كان العالم العربي كله يدفع ثمن الأزمات في سوريا واليمن والعراق والصومال ولبنان، ولا يمكن لأي عربي أو مسلم لديه ضمير أن يغض الطرف عن هذه الدول العربية. هذا ما فعلته قطر، وأصبحت جزيرة الرحمة للشعوب العربية المظلومة، بسبب هويتها كعربية ومسلمة. كما حاول الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني الزعيم المؤسس لدولة قطر الحديثة، أن يحافظ على موقفه النبيل بالإضافة إلى هويته العربية والإسلامية لضمان وحدة العرب، بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية، في أوائل القرن التاسع عشر، واليوم حفيد الشيخ قاسم زعيم قطر الشاب والنبيل، وبالروح نفسها، في ظروف أخرى وفي القرن الحادي والعشرين يمثل ولادة قطر الجديدة.


مثلما كانت فترة الأمويين والعباسيين هي التاريخ المشترك للأتراك والعرب، فإن فترة السلاجقة والمماليك والعثمانيين هي تاريخنا المشترك ويجب على المؤرخين تحليل كل تاريخنا من هذا المنطلق، وتمهيد الطريق لتحالفات مستقبلية بين الأتراك والعرب، الادعاء الذي تبثه بعض الدول العربية بأن الأتراك يريدون إبقاء الإمبراطورية العثمانية على قيد الحياة، ليس صحيحا أبدا


قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة استغرقت يومين لدولة قطر، مع وفد كبير، وفي اليوم اللاحق تم توقيع عشرات الاتفاقيات في العديد من المجالات، ليعزز هذا اجتماع اللجنة الاستراتيجية العليا السابعة لتركيا وقطر (YSK) والشراكة الاستراتيجية بين تركيا وقطر، التي كانت على أرضية مختلفة منذ حصار عام 2017، بل وضعها أيضا على أرضية جديدة وأقوى، فقد تمت مناقشة العديد من القضايا المهمة، من تشغيل مطار كابول إلى توسيع التعاون في الصناعة الدفاعية، وزيادة حجم التجارة من 2 مليار دولار إلى 5 مليارات دولار، والأرصدة في شرق المتوسط ، والانتخابات في ليبيا، وما إلى ذلكو ستجري هذه المحادثات التاريخية بين تركيا وقطر قريبا مع دول الخليج الأخرى، وتعرف تركيا أن دول الخليج القوية والموحدة ستحل العديد من الأزمات في الدول العربية، فضلا عن أن المنطقة ستتخذ جانبا اقتصاديا مختلفا تماما. لم تنظر تركيا أبدا إلى دول الخليج بعين إمبراطورية، بل كانت تنظر إلى دول الخليج على أنها أشقاء وحلفاء في الماضي واليوم، على الرغم من حدوث بعض المشاكل من وقت لآخر، إلا أن تركيا لم تساوم من وجهة النظر هذه عبر التاريخ، ولم يسع الأتراك أبدا إلى تحقيق هدف حكم العرب، لقد تصرفوا بدافع حماية ورعاية الجغرافيا العربية أولا، ضد البرتغاليين والإسبان، وبعد ذلك ضد البريطانيين والفرنسيين. ليس من الصواب أبدا تفسير التاريخ كله من خلال الأزمات التي مرت بها، أثناء انهيار الإمبراطورية العثمانية، خلال الحرب العالمية الأولى، فمثلا لم يتبن الباب العالي مواقف بعض الحكام العثمانيين في إطار مبادرتهم الخاصة.

خلاصة القول؛ إنه مثلما كانت فترة الأمويين والعباسيين هي التاريخ المشترك للأتراك والعرب، فإن فترة السلاجقة والمماليك والعثمانيين هي تاريخنا المشترك ويجب على المؤرخين تحليل كل تاريخنا من هذا المنطلق، وتمهيد الطريق لتحالفات مستقبلية بين الأتراك والعرب، والادعاء الذي تبثه بعض الدول العربية بأن الأتراك يريدون إبقاء الإمبراطورية العثمانية على قيد الحياة، ليس صحيحا أبدا. لأن العثمانيين أصبحوا تاريخا تماما مثل العباسيين والأندلس. واليوم، يجب بذل جهود حثيثة لإقامة علاقات تركية عربية، خاصة العلاقات التركية الخليجية، على الأرض الصحيحة. أتمنى ألا تعود السنوات التي تدمر طاقة كلا الجانبين مرة أخرى.. ألم يحن الوقت لقطر وعمان والكويت والإمارات والسعودية والبحرين وتركيا لتقديم منظور يتماشى مع روح القرن الحادي والعشرين الذي شهد تغيرات كبيرة في كل مجال؟

(القدس العربي)