جدعون ليفي – هآرتس: دولة تأسست على التلذذ بمعاشرة الأموات — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

جدعون ليفي – هآرتس: دولة تأسست على التلذذ بمعاشرة الأموات

جدعون-ليفي-هآرتس-دولة-تأسست-على-التلذذ-بمعاشرة-الأموات

البحث المسعور عن جثة رون أراد، ليس هناك طريقة لوصفها إلا بأنها تلذذ بمعاشرة الموتى باسم الدولة. جثة أراد ليست العرض الوحيد للتلذذ بمعاشرة الموتى في السلوك الإسرائيلي، سيما في السنوات الأخيرة، لكنه الأخطر من بين كل العروض. إسرائيل تسعى مرة وراء ساعة يد إيلي كوهين، الجاسوس الذي أعدم قبل أكثر من نصف قرن، ومرة ملابس وحذاء زكريا باوميل المستعادة مغلفة بالعلم الوطني في احتفالية مهووسة في مكتب الرئيس الروسي، وهذه المرة الحرب في سبيل اشلاء الجندييْن اللذيْن قتلا في غزة.

الدولة التي تزدري حياة الإنسان تقدس جثث موتاها؛ ودائمًا ما تفعل ذلك باسم القيم، ونصف العالم متورط في ذلك على الدوام، بأدوات إسرائيل الغامضة المظلمة، التي تستطيع أن تستعرض أسرار مجدهم مرة أخرى، ودائمًا يثير الأمر أسئلة حول تفكير والصحة النفسية للواقفين من وراء هذه العمليات المرضية. إن لم يكن هذا كافيًا، فإسرائيل دائمًا تتاجر وتضارب بالجثث، ثلاجاتها مليئة بالجثث، تحتجز عشرات جثامين الفلسطينيين كـ "أوراق للمساومة"؛ إن لم يكن هذا تلذذ بمعاشرة الموتى، فما هو التلذذ!

الجميع راضون. العائلات الثكلى، الوحيدة المعنية، المتشوقة لمعرفة مصير أعزائها قدر ما أمكن، الإعلام الذي يضخم الحكايات حدّ البشاعة والتناقض لمجرد اعتباراته الربحية (حكايات مألوفة عن الألم والبطولة) والأدوات الغامضة طبعا، التي سنحت لها فرصة لهالة غامضة أخرى وموازنة لفتح قبر في لبنان، وخطف جنرال إيراني من سوريا واحتلال العناوين الرئيسية.

وكم يحب رؤساء الحكومات ذلك أيضًا: بنيامين نتنياهو أمام فلاديمير بوتين ومعه حذاء باوميل، نفتالي بينت الجديد والكشف في الكنيست. 

عملية أراد مرة أخرى تفشل، لكن في "يديعوت" عنونوا "يد إسرائيل الطولى" كما يحبون وكما يحب قراؤهم، مسؤول أمني قال بأن العملية "قدمت إسرائيل" (إلى أين؟) و"ركزت الجهود" (على ماذا؟)؛ درس إلزامي في كل ألاعيب اللغة البهلوانية.


ظاهريًا، ما الخطأ؟ الدولة تهتم بجنودها، الأحياء والأموات؛ إنه لأمر مثير، لكن يُمكن أن يكون مثيرًا للاشمئزاز أيضًا، وشائن وخطير. عندما يتحول التلذذ بمعاشرة الموتى إلى قيمة، نعرّض في سبيلها حياة الإنسان للخطر، وعندما نهدر في سبيلها الثروات وعندما نقوم بأعمال يحرم على دولة القانون القيام بها. لا يُمكن التلذذ بمعاشرة الموتى، لماذا يحق لإسرائيل ان تختطف الجنرالات من أجل استخراج المعلومات منهم؟ هل سيكون من المشروع اختطاف جنرالات إسرائيليين لاستخراج المعلومات منهم حول جندي مصري ميت؟ هل كان شرعيًا احتجاز مختطفين لبنانيين في السجون الإسرائيلية، وتعذيبهم بوحشية على مدار سنوات، فقط من أجل استخراج معلومات لم تكن لديهم حول طيار ميت؟ لابدّ من لحظة تضع فيها الدولة حدًا لهذا الجنون، وأن تقول: تعالوا نشتغل بالحياة.

لكنها دولة الشو شو. جيمس بوند من المقبرة في النبي شعيب في لبنان، فيما يشبه الفيلم. لا أحد ينظر إلينا، لكن ألعاب الشو شو لا تقود على الإطلاق إلى أيّ مكان حقيقي


لكنها دولة الشو شو. جيمس بوند من المقبرة في النبي شعيب في لبنان، فيما يشبه الفيلم. لا أحد ينظر إلينا، لكن ألعاب الشو شو لا تقود على الإطلاق إلى أيّ مكان حقيقي، تمامًا مثل الاغتيالات، التي تكمن قوتها الأساسية في قصص تنفيذها التي ترافقها. ليست هذه مجرد طريقة للتفاخر؛ لدينا "الموساد" الذي يخطف الأشخاص وينبش القبور في كل مكان، إنها طريقة أخرى لتحويل الرأي العام عن المسائل المهمة. النقاش الوحيد الذي يدور الآن هو هل فشلت العملية أم أنها لم تنجح فقط؟، ولم يسأل أحد: من أجل ماذا؟

من أجل ماذا أعدت الهجمات، الاغتيالات، والعبوات، والحرائق والعمليات السرية في سوريا وإيران؟ وهل بانتهائها ستكون إيران بعيدة عن السلاح النووي؟ ما الذي خرج من ذلك سوى تمجيد تنظيمات الغموض والظلام؟ وماذا استفدنا من تنفيذ عمليات اغتيال الفلسطينيين طوال سنين، سوى إشباع أهواء مرتكبيها؟ "ربيع شباب" ذات مرة كان بالإمكان تغليف كل شيء بالاعتبارات الأمنية، جنون أراد يُمكن تغليفه في قشرة "الموروث". لكن في النهاية يطرح السؤال الأكثر جرأة: متى نتغلب وننفطم؟

ترجمة: أطلس للدراسات