حرية التغطية الإسرائيلية.. الإمارات تدفع ثمنا جديدا لاتفاقيات التطبيع

حرية-التغطية-الإسرائيلية-الإمارات-تدفع-ثمنا-جديدا-لاتفاقيات-التطبيع

بعد انتفاضات الربيع العربي عام 2011، أصبحت المعارك بين وسائل الإعلام المملوكة لحكومات الخليج سمة مشتركة، حيث سعت كل دولة إلى تشكيل سرديتها الخاصة للأحداث.


وليست الإمارات استثناء من هذه القاعدة؛ فقد حظرت على أراضيها شبكة "الجزيرة" القطرية منذ عام 2017، وقد فعلت الأمر نفسه مع عدد من وسائل الإعلام البارزة في الشرق الأوسط.

ولكن في الوقت الذي تحاول فيه الإمارات الاستفادة من اتفاقيات أبراهام، يبدو أنها لم تدرك تماما التحدي الذي تمثله وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تحرص علي أن تظهر غير متحيزة.

معركة تبرير صعبة

في 13 أغسطس/آب، احتفت الإمارات بالذكرى السنوية الأولى لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وبالرغم أن اتفاقية التطبيع جلبت في أعقابها سلسلة من الصفقات الاستثمارية الرفيعة وحسنت الآفاق الاقتصادية للإمارات، إلا أنها لم تخفف معركة العلاقات العامة الإماراتية المستمرة لتبرير هذه الخطوة باعتبارها طفرة دبلوماسية حيوية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ويبدو أن الادعاء المحوري الذي قام عليه تبرير العلاقات (وهو أن العلاقات ستسمح لأبوظبي بممارسة نفوذ على تل أبيب) قد تعرض للتقويض بفعل حرب غزة الأخيرة في مايو/أيار 2021.

وفي مقال بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لتوقيع اتفاقية التطبيع، يخلص الأكاديمي الإماراتي "عبدالخالق عبدالله" إلى أنه "لا أحد يحتفل بالسلام في إسرائيل أو الإمارات أو الولايات المتحدة".

خطورة الإعلام الإسرائيلي

سيتوجب على الإمارات أيضًا إيلاء اهتمام كبير لوسائل الإعلام الإسرائيلية، إن أرادت السيطرة على التصورات المحلية عن التطبيع مع إسرائيل.

وتعتبر إسرائيل واحدة من أكثر الدول انفتاحًا في الشرق الأوسط من حيث حرية الصحافة، ويشكل ذلك تحديا للإمارات التي مارست رقابة صارمة على وسائل الإعلام التي ترى أنها تنتقد قيادتها.

ولا يمكن تجاهل دور وسائل الإعلام في بناء العلاقات بين البلدان والتأثير على الرأي المحلي. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بعد وقت قصير من هبوط أول رحلة تجارية من إسرائيل في دبي، نشرت "هآرتس" تقريرًا بعنوان استفزازي، وصف فيه الكاتب أولئك الذين يخططون لرحلة إلى دبي باعتبارهم متعاونين مع صناعة استغلالية.

وفي العام الماضي، احتل عناوين وسائل الإعلام عرض لأحد أفراد الأسرة المالكة الإماراتية لشراء حصة 50% من نادي كرة القدم "بيتار القدس"، المعروف بعنصرية مشجعيه ضد العرب. وتحدث تقرير محرج نشر في فبراير/شباط في "تايمز أوف إسرائيل" عن تحقيقات الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم فيما اعتبره "تمويلات غامضة" مرتبطة بالصفقة، وبالتالي لا تزال الصفقة معلقة في الوقت الحالي.

وهناك اتفاقية ثنائية أخرى أهم لا تزال معلقة، وهي حجر زاوية في اتفاق التطبيع، وتتعلق بنقل النفط الخام من الإمارات إلى أوروبا عبر شركة خطوط أنابيب إسرائيلية. وقد تم تعليق هذه الصفقة أيضا حيث إن وزارة البيئة في إسرائيل لم تمنح موافقتها بعد.

علاوة على ذلك، ما إن تم الإعلان عن أول سفير إسرائيلي دائم لدى الإمارات "أمير حايك" حتى نشرت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية تغريدات السفير السابقة التي وصف فيها اتفاقية خط أنابيب النفط المرتقبة بأنها تهديد للأمن القومي الإسرائيلي. كما ورد أن السفير سخر من بيع طائرات أمريكية من طراز F-35 إلى الإمارات.

لكن أيًا من هذه التطورات وحتى أسباب إلغاء زيارة رئيس الوزراء آنذاك "بنيامين نتنياهو" للإمارات للمرة الرابعة في ذلك العام، لم تنل تغطية وسائل إعلام الإمارات.

قيود الرقابة الإماراتية

لا يغفل مواطنو الإمارات والمقيمون فيها عن المفارقة الساخرة في فرق التغطية الإعلامية، وقد غرد صحفي أقام طويلًا في أبوظبي بسخرية ودهشة، متحدثًا عن موثوقية وشفافية وسائل الإعلام الإسرائيلية مقارنة بالإماراتية، وكيف يضطر المرء ببساطة للجوء إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية ليقترب من الحقيقة حول اتفاقات أبراهام.

ومع ذلك، يبدو أن كلتا الدولتين تدركان أهمية امتلاك وسائل إعلامية طيّعة في المراحل المبكرة لتحالفهما، فقد أصبح لدى الصحيفة الإماراتية اليومية المتحدثة بالإنجليزية والأقدم في البلاد "الخليج تايمز"، محرر إسرائيلي مقيم كجزء من طاقمها.

وقد دفع هذا باحثًا إماراتيًا بارزًا إلى ربط تعيين المحرر، بمسألة توطين الوظائف للإماراتيين في القطاع الخاص (رغم أنه أجنبي). وفي الآونة الأخيرة، أصبحت شبكة " i24" الإسرائيلية التي تأسست في عام 2013، أول كيان إعلامي إسرائيلي ينشئ مكتبًا له في الإمارات.

ثمن اتفاقات أبراهام

اعتادت دول الخليج على انتقادات الولايات المتحدة والعالم الغربي لسجلاتها في حقوق الإنسان، كما تنتشر الانتقادات لزعماء الخليج في وسائل الإعلام الغربية، ولكن دول الخليج تمتلك القدرة على ممارسة النفوذ والرقابة عليها دون خوف كبير من العواقب.

ومع ذلك، فإن موقف إسرائيل كأحدث حليف إقليمي لدول الخليج، وحقيقة أن التطبيع قد قدم لوسائل الإعلام الإسرائيلية وصولًا وقدرة أكبر على نقل الأخبار من على الأرض، قد يعقّد الأمور بالنسبة لحكومات الخليج في المستقبل.

ربما لا يزال من غير المرجح أن تبدأ أبوظبي في الرقابة على وسائل الإعلام الإسرائيلية، لكن ما على الإمارات أن تدركه هو أنه سيكون من الصعب إبقاء مواطنيها غير مطلعين في عصر الإنترنت، خاصة في الوقت الذي تتطلع فيه للعب دور حاسم في مستقبل الشرق الأوسط.

لقد أصبح معروفًا الآن أن الترويج لاتفاقات أبراهام باعتبارها وسيلة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كان غير واقعي، وأن اتفاقية التطبيع تم السعي لها ببساطة من أجل الدفع بالمصالح الاستراتيجية لكلتا الدولتين.

وحاليا، اكتشفت أبوظبي أن منح وسائل الإعلام الإسرائيلية قدرة الوصول والتغطية هو جزء من ثمن هذا التحالف.

المصدر | سناء قوادري - منتدى الخليج الدولي