حسابات تركيا المعقدة في أفغانستان بعد انتصار طالبان

حسابات-تركيا-المعقدة-في-أفغانستان-بعد-انتصار-طالبان

ربما كانت أنقرة من بين أكثر الأطراف التي فوجئت بالسيطرة السريعة لطالبان على كابل ورحيل الولايات المتحدة عن أفغانستان في وقت أبكر من المتوقع. وحتى الأسبوع الماضي، كانت أنقرة تستعد لمحاولة الوساطة بين طالبان والغرب وتولي مهمة تأمين وإدارة مطار كابل الدولي بمجرد أن تكمل قوات "الناتو" انسحابها. وبعد تحول الأحداث المفاجئ، تسعى تركيا الآن جاهدة للتكيف مع الحقائق الجديدة على الأرض.


ويبدو أن الرأي السائد في أنقرة هو أنه لم يبق شيء للتفاوض مع واشنطن بشأنه الآن. وبالتالي، فإن الجهود جارية لإجراء اتصالات مباشرة مع طالبان.

وقال وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو"، في 17 أغسطس/آب: "نحافظ على حوارنا مع جميع الأطراف في أفغانستان، بما في ذلك طالبان. وحتى الآن، ننظر بإيجابية إلى رسائل طالبان سواء الموجهة للأجانب أو البعثات الدبلوماسية أو الشعب الأفغاني. ونأمل أن نرى الشيء نفسه في أفعالهم أيضا".

وأشار الوزير إلى أن تركيا ستنتظر حتى يهدأ الغبار لتقرر خطوتها التالية بشأن قضية مطار كابل.

وتتولى تركيا القسم العسكري بالمطار في إطار مهمة "الناتو" التي تقودها الولايات المتحدة، وبقي جنودها هناك حتى الآن وسط فوضى رحلات الإجلاء والحشود الأفغانية التي تتدافع للفرار من البلاد.

وفي 16 أغسطس/آب، قال المتحدث باسم طالبان "سهيل شاهين" لقناة "هابر" الموالية للحكومة التركية، إن "أفغانستان سيكون لديها حكومة جديدة على استعداد لإقامة علاقات جيدة مع دول العالم، وملتزمة بالحقوق الأساسية لشعب أفغانستان".

وأضاف أن طالبان تتوقع تعاونا ومساعدة من تركيا، التي وصفها بأنها "دولة إسلامية شقيقة وكبيرة".

باختصار، يبدو أن كلا من أنقرة وطالبان منفتحتان على الحوار والمفاوضات.

وكان الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" ألمح الأسبوع الماضي إلى أنه قد يفكر في الاجتماع شخصيا مع قادة طالبان.


3 ركائز لاستراتيجية أنقرة بشأن أفغانستان 

أولا، السعي إلى تعزيز الاتصالات الدبلوماسية التي أقامتها مع الجناح السياسي لطالبان عبر قطر.

ثانيا، بذل الجهود لإجراء اتصالات مع الجناح العسكري لطالبان عبر باكستان. وزار وزير الدفاع التركي "خلوصي أكار" إسلام أباد في الفترة من 10 إلى 11 أغسطس/آب لإجراء محادثات مع قادة الجيش الباكستاني. ورافق "أكار" في الرحلة مسؤولون كبار في الاستخبارات العسكرية.

وأخيرا، تتضمن استراتيجية أنقرة لكسب النفوذ في كابل القيام بكل ما يلزم لضمان تولي الشخصيات القريبة من تركيا مناصب مؤثرة في الحكومة الجديدة، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الأفغاني السابق وزعيم الحزب الإسلامي "قلب الدين حكمتيار"، الذي كان في طليعة الجهود المبذولة لإقناع طالبان بتشكيل حكومة انتقالية شاملة.


وتعود علاقات "أردوغان" مع "حكمتيار" إلى الثمانينيات عندما كان الأخير قائدا للمجاهدين يقاتل الاحتلال السوفيتي. وفي صورة لا تنسى للاثنين، يظهر الشاب "أردوغان" وهو جالس عند قدمي "حكمتيار".

أما الشخصية الثانية المقربة من أنقرة فهو "صلاح الدين رباني"، زعيم الجماعة الإسلامية، الذي شغل منصب وزير الخارجية الأفغاني وسفير أفغانستان في تركيا. وكان "رباني" أحد مهندسي خطة محادثات السلام في إسطنبول في أبريل/نيسان، التي رفضت طالبان حضورها في اللحظة الأخيرة.

وتعتقد حكومة "أردوغان" أن حركة طالبان أصبحت تقدر الشرعية الدولية، وأنها ستولي أهمية خاصة للعلاقات مع تركيا، العضو الوحيد ذو الأغلبية المسلمة في "الناتو".


وقد يتساءل البعض كيف أصبحت أفغانستان فجأة قضية رئيسية على جدول الأعمال السياسي لتركيا، حيث بالكاد ظهرت قبل بضعة أشهر فقط. ولماذا تتوق أنقرة إلى دور بارز في أفغانستان رغم المخاطر الواضحة؟

ولا يمكن الإجابة على هذا السؤال فقط من منظور السياسة الخارجية التركية والمصالح الدبلوماسية لتركيا في أفغانستان. فقد أصبحت العلاقات الخارجية لتركيا أداة لتعزيز النظام السياسي الذي يقوده "أردوغان".

وتبدو حكومة "أردوغان"، التي أضرت سياساتها بشدة بعلاقات تركيا مع الولايات المتحدة وأوروبا في الأعوام الأخيرة، حريصة على استخدام القضية الأفغانية، والمطالبة بدور وساطة بين القوى العالمية وطالبان لإثبات نفسها في نظر الغرب وتعزيز شرعيتها الدولية.

والأهم من ذلك، يبدو أن "أردوغان" يأمل في أن تعزز الورقة الأفغانية نفوذ بلاده في المفاوضات حول قضايا أخرى مع الولايات المتحدة وأوروبا.

والدافع الآخر لانخراط أنقرة هناك هو الحجة الجيوسياسية القائمة على الحاجة لتعزيز نفوذ تركيا في آسيا الوسطى عبر أفغانستان، وهو ما يتماشى مع الخطاب السياسي القومي التركي لحزب "العدالة والتنمية" بزعامة "أردوغان" وشريكه الفعلي في التحالف "حزب الحركة القومية". وفوق كل شيء، تبدو هذه الحجة مفيدة في إقناع الدوائر البيروقراطية التي تشعر بالقلق من التداعيات الأيديولوجية للانخراط مع طالبان.

ولا شك أن الأسباب الاقتصادية حاضرة في مساعي أنقرة لإبراز صورتها في أفغانستان؛ حيث تتطلع إلى مشاريع البناء والبنية التحتية الضخمة في الدولة التي مزقتها الحرب.


مخاطر كبيرة أيضا

وتنطوي هذه الحسابات على مخاطر كبيرة أيضا.

أولا، يمكن أن يؤدي انتصار طالبان في أفغانستان إلى إيقاظ وتقوية الشبكات السلفية الجهادية في شمال سوريا، والتي لا تزال مناطق كبيرة منها تحت السيطرة التركية.

علاوة على ذلك، هناك العديد من الأتراك وغيرهم ممن لهم صلات بتركيا من بين المتطرفين الذين أطلقت حركة طالبان سراحهم من السجون الأفغانية عندما سيطرت على البلاد. فكم منهم سيحاول العودة إلى تركيا أو التوجه إلى شمال سوريا عبر تركيا؟

وبالرغم من الخلافات الأيديولوجية والعرقية بين طالبان والسلفية الجهادية في شمال سوريا، فإن استيلاء طالبان على السلطة يثير شبح طريق جهادي سريع بين أفغانستان وسوريا والعراق عبر تركيا.

ويشكل التدفق الأكبر للأفغان الفارين من طالبان خطرا آخر للانخراط التركي في أفغانستان. ووفقا للأرقام الرسمية، تضم تركيا حاليا نحو 116 ألف مهاجر أفغاني غير نظامي، لكن الرقم الحقيقي يقدر بأكثر من 500 ألف.

وتزعم وسائل الإعلام التركية والسياسيون المعارضون أن ما يصل إلى 1500 أفغاني يعبرون يوميا من إيران إلى تركيا بشكل غير قانوني خلال الأسابيع الماضية. وبسبب الإجراءات الأمنية المتزايدة، يقال إن الأرقام اليومية قد انخفضت مؤخرا. ومع ذلك، فإن الأفغان الذين يفشلون في عبور الحدود لا يعودون إلى ديارهم بل ينتظرون على الجانب الإيراني للحظة المناسبة للتسلل؛ ما يعني أن عدد هؤلاء يتزايد يوما بعد يوم.


باختصار، لدى أنقرة قدر كبير من الفوائد والتحديات في تعاملها مع الملف الأفغاني خاصة مع انتصار طالبان. وتأمل الحكومة في الاستفادة من الأزمة الأفغانية لتعزيز أوراق اعتمادها لدى الخارج، وكذلك لتقديم إنجاز للداخل؛ حيث تفاقمت مشاكلها في الأسابيع الأخيرة بسبب حرائق الغابات والفيضانات التي جاءت في خضم مصاعب اقتصادية فاقمتها جائحة "كورونا".

وإجمالا، فإن تركيا تواجه مهمة شاقة في إدارة مخاطر الانخراط في الملف الأفغاني، والذي قد يؤدي في النهاية إلى مشاكل أعمق في الداخل والخارج.