حسن حسين يكتب : متى تتحرك الشعوب العربية ؟

حسن-حسين-يكتب-متى-تتحرك-الشعوب-العربية

دائما يتحدث خبراء العلوم السياسية عن ارتباط الشروط الذاتية والشروط الموضوعية بعملية التحولات والتغيير في تاريخ الأمم، ومدى إرتباطها الشديد بتلك العمليات التاريخية المعقدة، وأنها تتعلق بالظروف والمعطيات والتركيبات الاجتماعية والنفسية لشعوب تلك الأمم. 

مرت الأمة العربية خلال نصف القرن الماضي تحديدا بتقلبات تاريخية مرعبة، أثرت على ثوابتها وقيمها ومبادئها وطرائق عيشها، وطرأت على صراعاتها متغيرات عميقة للغاية، قامت فيها كل النظم الحاكمة بدور شديد التركيب في خداع مواطنيها واستقطابهم دون وعى منهم ولا موافقة ولا ثمن بالطبع إلى صفوف القوى الاستعمارية والصهيونية والرجعية. 

لا يمكن بالتأكيد تجاهل الدور الإيجابي الذي قامت به الحركات الوطنية وخاصة القومية والناصرية واليسارية في مقاومة هذا المشروع العدواني، لكن الكفة كانت تميل بشدة لصالح قوى العدوان، لامتلاكهم أدوات القمع والقهر والسجون والتشريد والتعذيب والقتل، وكذلك إستخدامهم أجهزة إعلام وجرائد ومجلات وسينما وكل مؤسسات الدولة لتطويع أفكار وميول ومزاج الشخصية العربية. 

بينما لم تمتلك الحركات الوطنية حتى الظهير الشعبي الذي يحميها، فاضمحلت وتقلصت ولم تملك القدرة على مغادرة مقرات أحزابها، وخسرت في تلك المعركة غير المتكافئة أغلب أدواتها النضالية وأولها صحفها التي فقدت الحد الأدنى من التمويل اللازم فأغلقت أبوابها وتوقفت عن الصدور. 

ولما تأكد للأنظمة الخائنة والعميلة خلو الساحة بدون أى مقاومة عاثت فسادا في المصالح العليا للوطن، ووثقت علاقاتها الآثمة بالعدو بمعاهدات دولية تقيد حركتها في الحاضر والمستقبل، وتعاملت مع شعوبها معاملة الأسياد للعبيد. 

وحينما انتفضت الشعوب في الربيع العربي، تضافرت جهود وأدوات وأموال وعلاقات أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية لقيادة أضخم عملية لإسقاط تلك الثورات العربية التي تمثل خطورة شديدة على المشروع الاستعماري في المنطقة وعلى وجود الكيان الصهيوني. 

بذلت الشعوب العربية قصارى ما تملكه من قدرات وإمكانيات وفقا لوعيها البسيط، ولم تسعفها طلائعها الثورية لتتقدم خطوات في مشروعها الثوري، بل على العكس كانت تلك الطلائع نقطة الضعف الرئيسية في ذلك الربيع العربي، بسذاجتها وانتهازيتها، مما أدى إلى انتصار القوى المضادة للثورة، وإعادة إستيلائها على مقاليد الحكم، وإعادة إنتاج نفس الأساليب القديمة بشكل أكثر شراسة وأكثر فجرا. 

في نفس الوقت الذي خضع فيه الثوار لعملية قمع ممنهجة ومتواصلة حتى الآن، وعودة الجماهير من جديد إلى مربع الاستسلام للسلطة. 

لم تتوافق خلال نصف القرن الماضي الشروط الذاتية التي تسمح للجماهير بالثورة على الأوضاع التي أنضجت الشروط الموضوعية، إلا عدة مرات لا تزيد عن أصابع الكفين. 

لكن الآن تحديدا ومما يجري في كافة أرجاء المنطقة وخاصة وطننا العربي، فإن الشروط الموضوعية تضع مستقبلنا في خطر ووجودنا على المحك، فإن لم تتحرك الشعوب الآن لتنقذ نفسها من مصير أسود، فمتى تتحرك.