حسن مدبولي : ألف مبروك اليوم ستنتهى كارثة سد النهضة !!

حسن-مدبولي-ألف-مبروك-اليوم-ستنتهى-كارثة-سد-النهضة

كعادة المصريين ومنذ فجر التاريخ ، مهما تكالبت عليهم الكوارث والمصائب ، فإنهم سرعان ما يتخطونها ويتغلبون على آثارها ويستكملون طريقهم وحياتهم بسعادة وبرود وأستذة وتفنن فى قلب الحقائق وتعكيسها؟ حتى أن البعض وصف مصر بإنها مقبرة الغزاة وجعل تلك الصفة مدعاة للفخر والمباهاة بين الأمم ، معددا مراحل احتلال مصر من الأجنبى ومرورا باندحار كل جيش من هؤلاء وذهابه غير مأسوف عليه، و لو فكرنا قليلا فى الأمر فسنكتشف أن عبارة مصر مقبرة الغزاة مزيفة وتدعو إلى الخجل والتبرؤ،فغالبية الغزاة المقبورين على أرضنا لم تدفنهم سواعدنا الأبية فور إعتلائهم ظهر  البلاد والعباد ، وإنما  الغالبية العظمى منهم دفنوا على يد غزاة آخرين حلوا محلهم !  

وعلى مر تاريخنا كان  كل محتل يقبع مئات السنين آمنا مطمئنا بلا أدنى مضايقة تقريبا، حتى يأتى من يحل محله ،وكان الإستثناء الوحيد لتلك العارات التاريخية هو الغزو الفرنسى،الذى لم يصمد فى بلادنا سوى ثلاث سنوات ، بسبب أن المصريين فعلوها وسلحوا أنفسهم بأنفسهم ، وقاموا بالتصدى للعدو  وقدموا التضحيات صابرين، وإستمسكوا بالعروة الوثقى، فإنتصروا بجدارة حتى جاء الإحتلال الإنجليزى الذى ظل جاثما على ربوعنا قرابة ثمانين عاما بدون مقاومة تذكر، بعد أن دخل أرضنا عبر التواطؤ والخيانة، وبالتالى فإن  هذه المتتالية المتوالية التى تعددت فيها سيطرة الجحافل الأجنبية على مقدراتنا لفترات كبيرة ، لا تدعوا أبدا لأى فخر ، وإنما تشير إلى وجود  شيئ غامض فى الشخصية المصرية نجح بعض المحتلين فى فك شفرته فدامت لهم السيطرة وهانئ العيش والبقاء بدون مشاكل،

 ولو درسنا على سبيل المثال  اسباب بقاء الاستعمار الانجليزى فى مصر لمدة طويلة ، وتناقض هيمنته على البلاد ، مع سابق إكتشاف المصريون لقدرتهم على دحر الأجنبى عندما قهروا الغزو الفرنسى ، سنكتشف ان الإحتلال الانجليزى قد إكتشف سر الشخصية المصرية ، وسيطر على مفاتيحها، وطوعها وحولها الى كيان راض هانئ سعيد يحمد ربه ليل نهار على نقمة الإهانة والإذلال، لدرجة جعلت محمد عبد الوهاب( الإسطورة) يغنى للغالبية منهم أيام الإحتلال  ""ما احلاها عيشة الفلاح، مطمن جلبه مرتاح، يتمرغ (كالحمار) على أرض براح ""!!

ولم تكن شفرة المصريين أو نقاط ضعف شخصيتهم  تتمثل فى شيئ عظيم كبير تنهار أمامه كافة الأمم وتستسلم أمام أعدائها ، لكن تلك الشفرة كانت أمرا تافها بخسا لاقيمة حقيقية له ولا يكلف العدو الغازى شيئا ، فقد إكتشف الأجنبى أن غالبية المصريين لديهم شغف بل وشبق فى البحث عن أسهل الطرق للسعادة المجانية غير المكلفة ، لكى  يتغلبوا على الشعور بالنقص والدونية نتيجة الهزائم والنكسات التاريخية، وكانت معادلة تلك الشفرة تتمثل فى شقين : الأول هو إسرق المصريين وإنهبهم ، دنس مقدساتهم ، إستولى على ممتلكاتهم ، إهدم بيوتهم ، إقتل أبنائهم ، فرط فى حدودهم ، إسجن خيرة أبنائهم ، لكن على الجانب المقابل إسعدهم بإنتصارات وهمية مزيفة، واسمح لهم بالاحتفالات الصاخبة على لا شيئ؟  ودعهم يرقصون ويثملون وكأنهم قد إمتلكوا العالم بأسره، عندها ستكون النتيجة الحتمية هى منحك كل شيئ بلا مقابل ، وسيتركونك بكل ما إقترفته يداك حتى ولو كرهوك، وسينتظرون حتى تمن عليهم  بالإنتصار الوهمى القادم !

ولم يجد  الإحتلال الإنجليزى أفضل من كرة القدم لإستخدامها فى هذا السياق الذى يمنح المهزوم المقهور شعورا واحساسا كاذبا بالنصر والتفوق،  فساهم رجال الإحتلال فى إنشاء الأندية فى كل ربوع البلاد،  وبدأت الصراعات الوهمية  حول البطولات والانتصارات، والإحتفالات الصاخبة ، لدرجة إقامة مسابقات لكرة القدم كانت تتشارك فيها أندية القيم والمبادئ الوطنية، جنبا إلى جنب مع أندية الإحتلال الأجنبى الغازى المجرم ، والغريب أن المواجهات التى دارت بين الاندية الإنجليزية والاندية المصرية كانت تنتهى بانتصار مدوى للاندية المصرية وتخرج بعدها الإحتفالات فى كل ربوع البلاد !!

 فكرة القدم لعبة سحرية لها تأثيرها الجهنمى الذى  يستلب العقول مهما كانت درجة ثقافة صاحبها ، وتتحكم فى الأمزجة والتوجهات ، وتمنح بعض عشاقها  شعورا كاذبا بالسعادة والتفوق والتفرد والعلو فوق الجميع ، وتدشن غيابا وانشغالا كارثيا عن القضايا الحقيقة ذات البعد المصيرى، أو تمهد لقبول ما يتم طرحه من السلطات المستغلة   دون إكتراث، وتشيع تغييبا قاتلا يتفوق على أكثر أنواع المخدرات تأثيرا!!

وقد ظلت البطولات الكروية مستمرة إلى ما بعد انتهاء حقبة الانجليز، وحلول الاستعمار الحديث الذى يحكم بالوكالة، حيث يتم استخدامها لتحقيق نفس الأغراض، ولكن لخدمة الوكلاء هذه المرة ، فرغم أن صخب كرة القدم توارى  قليلا خلال فترة الحكم الناصرى فى مصر، لكن تلك اللعبة الكهينة عادت بقوة مع عصور الانفتاح وبيع الشركات وطرد العمال والعلاقات مع الصهاينة والتفريط فى دماء الشهداء ، فتوغلت سطوة كرة القدم بأبطالها وبكومبارساتها داخل عقول المصريين بعد إنتفاضة عام 1977 وسفر السادات الى حضن الصهاينة فى نفس العام، 

واستمر الهوس والعهر والتزييف وشراء وغسيل الأدمغة الفارغة، وإنشغل الخلق عن القضايا الكبرى ، وتهلهل كل شيئ حتى وصل الأمر فى النهاية إلى بيع الآثار والأراضى التاريخية ، وصولا إلى تغفيلنا خارجيا والسطو على  نهر النيل القادم إلينا من أفريقيا ،وسط مباركة من الغالبية العظمى من دول القارة ، بينما من قبيل الصدف إننا نتأهب لتحقيق انتصار أفريقى وهمى فى كرة القدم ، سيكون كلمة السر فى تحويل الكارثة إلى إنجاز  غير مسبوق ، والهزيمة إلى نصر ، والإحباط إلى سعادة غامرة ،وسيخرج العامة والغوغاء من قاع الخزلان والشعور بالعار، الى رحاب وبراح الفوز المبين ، وستنهال برقيات التهنئة على قادة تاجر السعادة والنجاح،  وسيستقبل المصريون ابطالهم وقادتهم   الإسطوريون ،وستتحدث الشاشات عن الحدث التاريخى الذى سيعتبرونه زلزالا غير مسبوق ،وتطويعا وبسطا للسيطرة على كافة أنحاء القارة ، بينما الحقيقة المرة الثابتة هى أن القارة السمراء لطختنا ولطمتنا على أقفيتنا، ونزعت عنا ثوب الكرامة والرجولة ومصدر الحياة  !!