حسن مدبولي يكتب : حق الإنسان في الهري

حسن-مدبولي-يكتب-حق-الإنسان-في-الهري

لماذ ينبغى  على المصريين ألا يتوقفوا عن  الهري 

مرت على مصر العديد من الأزمنة شديدة القسوة حتى ظن أهلها كل مرة إنها نهاية الزمان وموعد قيام الساعة ، و ما من كارثة عرفها العالم إلا وقد تجرعنا مثيلها أو أشد، لكن أكثر الكوارث فتكًا وأعتاها قساوة، وأبشعها صورًا ، كانت الكارثة التى يطلق عليها الشدة المستنصرية، و التي ضربت مصر في عهد  الخليفة الفاطمى (المستنصر) ،

وقد حدثت تلك المأساة المروعة نتيجة لسبب رئيسى هو( انخفاض منسوب مياه النيل) حيث جفت الأراضي الزراعية، ومات النبات والزرع ،وهلك الحرث والنسل، وفقد الناس أعمالهم، وإنهارت قيمة الأموال ، وعم الهلع والفزع أرجاء البلاد، و ذلك فى عام (٤٥٧ هجريًة) وإستمر ذلك الهول لمدة سبع سنوات سود كاحلة ،،

و قد أدى سوء الإدارة ،وتفشى الفساد، وإنهيار العدالة،ومنح مناصب الدولة للأغبياء ومحدودى الأفق وعديمى الكفاءة دون  سواهم، إلى تفاقم الأزمة وإنتشارها وطول مدتها دون أن يخرج من أروقة الحكم وقتها من يضع الخطط لإحتواءها  والحد من آثارها ! 

ولم يعرف المصريون عبر تاريخهم الممتد، ولم يروا ،سنوات عجاف كتلك السنوات السبع  التي قضت على نصف سكان البلاد ، ويقال أن المصريين أكلوا  الكلاب والقطط التى أصبحت  تباع بأسعار باهظة لا يقوي عليها إلا كل ثري، ثم سرعان ما إنزلقت الأمور  نحو الأسوأ بعد مدة قصيرة ، حيث اختفت الكلاب والقطط والحيوانات الضالة من الشوارع، وبدأ الكثيرون من الناس يأكلون الميتة والجيفة وأوراق الأشجار الجافة المتبقية على بعض الأشجار العتيقة، وإرتفع سعر رغيف الخبز بشكل جنونى حتى  بلغ (خمسة عشر دينارًا) كما وصلت قيمة شربة الماء لأكثر من دينار ،وفى ذلك الوقت كان الدينار الواحد يكفى للإنفاق على أسرة كاملة لعدة أسابيع ،، 

وتذكر بعض المصادر  أن وزير الدولة( رئيس الوزراء)  ذهب إلى أحد الأماكن لكى يحقق في إحدى الوقائع ويحل خلافا داميا بين بعض العشائر  الكبرى ، وعندما إنتهى الوزير من مأموريته وخرج لم يجد بغلته، وإكتشف مع وفده أن بعض العامة قد حلوا وثاق البغلة  وذبحوها وتخاطفوا لحمها ليأكلوه ،ولم تفلح حادثة البغلة تلك فى أن يدرك الوزير أو الحكام  شدة الكارثة، فيحاولون وضع بعض الحلول التى تقلل من فظاعتها، وبدلا من ذلك تم القبض على ثلاثة ممن أكلوا البغلة، و عوقبوا بالقتل صلبا  وتركوا فى العراء عقابا لهم ! وعند الصبيحة فوجئ المصريون بأن أجساد المصلوبين لم يتبق منها سوي العظام، حيث إلتهم بعض الناس لحوم الجثامين الثلاثة من شدة الجوع !!

حتى على المستوى القيمى إنتهت المرؤة والنخوة، وإستحل العامة نهب ما فى أيدى الضعفاء من النساء واليتامى، و هناك واقعة شهيرة عن امرأة باعت عقدًا ثمينًا ورثته عن زوجها كانت قيمته حوالى ألف دينار، لكى تحصل على القليل من الدقيق الذى يكفيها وأولادها اليتامى ، لكن الغوغاء إلتفوا حولها ، وقاموا بانزال أكياس الدقيق ونهبوا معظمها  وهي في طريقها إلى المنزل،فلم يتبق لها ولأولادها من الدقيق، سوى ما يكفي لخبز رغيف واحد، فأخذت هذا الرغيف ووقفت على مكان مرتفع بالقاهرة  وصاحت بأعلى صوتها (يا أهل القاهرة ادعوا لمولانا المستنصر بالله الذي أسعد الله الناس في أيامه ! وأعاد عليهم بركات حسن نظره  وتخطيطه !  حتى إننى تحصلت على هذه القرصة( الرغيف)التى لا تطعم طفلا يتيما، بألف دينار !!

وبالتالى فإن المصريين عندما يشاهدون ما يتم  هذه الأيام من هرولة وتآمر علنى فاضح للتحكم فى مصير شريان حياتهم وسر وجودهم وهو نهر النيل، فإن  مخيلاتهم تتذكر على الفور  تلك المآسى التى وقعت أيام الشدة المستنصرية ، والتى يعتقدون إنها ستتكرر فى حال إستكمال  هذا السد اللعين ، فيتحدثون بصوت مرتفع عن مخاوفهم وأسباب رعبهم من المستقبل، وبعضهم يضع الحلول ،والبعض يحدد الأخطار ويعددهامن خلال كلمات وكتابات و أحاديث طبيعية، لاتعتبر أبدا هريا أو تهويلا ، راجين من أهل الإختصاص أن يقوموا بالحد الأدنى الذى تمليه عليهم مسئولياتهم ووظائفهم الفخيمة !!

 إن الواجب يحتم على الجميع  أن يظلوا يذكرون  مخاطر سد النهضة ويحذرون من آثارها،وأن يطالبوا  بالقضاء على منبع ومصدر تلك المخاطر، وألا يستسلموا  لأحاديث التخدير والتنويم حتى لا يتم تبريد القضية بمرور الوقت، فالمؤكد أن هناك كارثة كبرى قد إكتملت فصولها،وهى  كارثة حتمية حتى لو لم يدرك آثارها  سوى الأبناءأو الأحفاد، ومن المؤكد أن لها أبعادها التدميرية، وهى ستفوق الشدة المستنصرية فى فظاعتها لإنها لن تقتصر على مجرد إنخفاض لمنسوب المياه فى نهر النيل لفترة زمنية مؤقتة يعود بعدها النهر لوضعه الطبيعى ، لكنها كارثة متشابكة معقدة وأبدية،وستتم على أكثر من مستوى كما يلى :- 

أولا :- خطر إنهيار السد ووقوع دمار شديد فى كل من مصر والسودان ، فتخزين اكثر من أربعة وسبعين إلى تسعين مليارا من المياه على حدود السودان وراء سد ضخم  مهما كانت عوامل أمانه ، يؤدى إلى إحتمال قوى لتعرضه للإنهيار  فى اى وقت من الاوقات، مما يجعل بلادنا مهددة بالفناء والدمار ، أو على الأقل حدوث خسائر فادحة، وبالتالى فلا يجب السماح بتخزين أكثر من اربعة عشر مليار متر مكعب فقط حماية للشعبين المصرى والسودانى من  غرق مناطق كبيرة فى شمال السودان وجنوب مصر ، وفقدان الكثير من الأرواح و هدم بعض السدود فى البلدين ولو جزئياوتعطيل إمدادات الطاقة ؟

الأكثر مأساوية فى ذلك الخطر( خطر إنهيار السد)  وبصرف النظر عن حجم الخسائر الناتجة وتباين التقديرات حولها، هو أن إحتمالية حدوثه كبيرة جدا، كما يمكن أن يقع فى أى مرحلة زمنية سواء أثناء الملء ، أو بعد إكتماله مباشرة ، أو حتى بعد مرور عشر سنوات من الآن !!

ثانيا :- إنتهاء فكرة الحصة التاريخية المقررة لمصر سنويا من مياه النيل والتى تقدر بحوالى خمسة وخمسين مليار متر مكعب ، وسيتحول نهر النيل ( الأزرق) من نهر دولى عابر للحدود ، إلى بحيرة أثيوبية خالصة ؟

ثالثا :-- أصبحت عملية تمرير المياه رهنا بتقلبات السياسة المحلية والإقليمية و الدولية،وأيضا الأحوال السياسية والاقتصادية الداخلية فى أثيوبيا ، وهو ما يعنى انهم فى أى  وقت من الاوقات يستطيعون منع تمرير المياه ببساطة بسبب نشوب نزاعات سياسية، أو تحالفات ومصالح متناقصة ؟

رابعا :- سوف لايكون فى عداد المفاجآت وبعد الاطمئنان لعملية الملء، و تبريد الإهتمام الوطنى بقضية الإستيلاء على  مياه النيل، أن تقوم أثيوبيا بالمطالبة مباشرة بقيمةمالية من مصر، مقابل السماح بكميات المياه المطلوبة،بمعنى إنه عندما يكون المناخ الدولى مناسبا  خلال فترة قصيرة ، أو فى الأجل الطويل، فإن إثيوبيا ستطالب حتما بثمن كل لتر مياه سيمر إلى مصر تحديدا، وهو أمر لا تخفيه الأدبيات الإثيوبية سواء فى مؤتمرات رسمية او من خلال الكتابات المنشورة  واللقاءات المتلفزة والمذاعة ،

خامسا :-  قد لا يمر عام او عامان أو ثلاثة ، ويحدث جفاف فى أثيوبيا وهو أمر معتاد وغير مستبعد،ساعتها ومهما كانت المخطوطات الورقية التى ستزف الينا كإتفاق ملزم ، سيتم إحتجاز المياه نهائيا عنا  سواء بحجج فنية،أو من خلال نفس الادعاءات الحالية التى تتحدث عن حق اثيوبيا أولا فى الاستفادة من مياه (نهرها ) الذى تمتلك مقدراته ؟

سادسا :- سيتم تدبير الكثير من المؤامرات بين دولتى المصب مصر والسودان، وفى الغالب فإن السودان سيتم إستخدامه هو الآخر مع دولة جنوب السودان كأداتان لحصار وتجويع وتركيع مصر مستقبلا، مقابل التلويح لهاتين الدولتين ببعض المصالح، وبالتالى سيكون العداء موزعا بين إثيوبيا والسودان وجنوب السودان ، وستبدو مصر وكأنها دولة مارقة معتدية على دول الجوار ، وليست كدولة تم إستلاب حقها فى الحياة ؟ 

سابعا  :- إنتشار البطالة وزيادة معدلات الهجرة والجريمة بسبب زحف الجفاف على مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية ،، 

ثامنا  :- فقدان مصر القدرة على الحصول على الفواقد المائية ، بمعنى أن مصر لن تتمكن  من الحصول على مياه الفواقد سواء من السودان أو من باقي دول المنابع، مثل أوغندا و جنوب السودان، حيث كان من الممكن أن  تعتمد مصر في تنمية مواردها المائية من خارج حدودها على مياه الفواقد ،و هي كميات المياه التي تتسرب من النيل إلى المستنقعات أو إلى باطن الأرض، أو تفقد بالبخر مثلما يتم فى  مستنقعات الصدد بجنوب السودان التي تبتلع من مياة النيل مايقرب من 30 مليار متر مكعب سنويا تضيع بالبحر ويمكن الاستفادة منها ، لكن إنشاء سد النهضة وما تبعه من سياسات ورؤى ، سيجعل باقى الدول تسلك طرقا مماثلة ، تجعلها تبالغ فى الإستفادة بمياه الفواقد ،وسيكون موقفها أقوى فى تلك الحالة  التى لا تنظمها أية إتفاقيات !! 

تاسعا  :-إذ لم نستخدم كل ما نملك من أدوات فى المواجهة مع إثيوبيا التى توشك أن تتحكم فى قرارنا وتسيطر على إرادتنا، فسينكشف الأمن القومى المصرى وسيتداعى الشركاء والخصوم للقضاء على ما تبقى لنا من قدرات إستقلالية ،كذلك قد تحدث أزمات ومجاعات  كبرى، بعد ان تزيد الفجوة الغذائية بين الطلب والإستهلاك من جانب ، وبين العرض والإنتاج من جانب آخر ؟

عاشرا  :- تشجيع دول حوض النيل الأخرى خاصة جنوب السودان على إقامة سدود ومشروعات  مماثلة على رافد النيل الأبيض الذى تتدفق منه حوالى 20% من إجمالى المياه الواردة لكل من مصر والسودان ، وبالتالى الوصول الى حالة الجفاف النهائى فى دولتى المصب مصر والسودان ، ووقتها لن تستطيع مصر أن تقاتل القارة الأفريقية بأكملها !!

 حادى عشر :- حدوث بعض المخاطر الفنية المحققة التي سوف يسببها سد الألفية (النهضة) والتى  يمكن أن تتخلص فيما يلى :- 

 1- نقص الطمي الذي يساعد في خصوبة الأرض الزراعية. 

2- زيادة تصحر الأراضي الزراعية الموجودة و قلة خصوبتها. 

3- عجز شديد في توليد الطاقة الكهرباية نتيجة تناقص مخزون السد العالي و خزان أسوان. 

4- نقص شديد في الثروة السمكية خصوصا في بحيرة ناصر و التي انخفض منسوبها.

5-إنتشار الجفاف ببحيرة ناصر وفى مجرى النيل داخل مصر نفسها ،وسيشبه الأمر ما وقع فى كينيا والصومال بعد اقامة بعض السدود  على منابع انهار محلية تصب فى كل من الدولتين ، حيث وصل الحال  إلى إصابة مجرى النهرين بالجفاف الكامل لمصبات تلك الأنهار فى كل من الصومال وكينيا ، وزاد من كارثة العطش والجفاف هناك ؟

 إن الأمر جد خطير ، وبات يحتم علينا فعلا رادعا مانعا ، لإنه حتى فى حالة التوقيع على اتفاقيات جديدة ، وحتى لو حددت تلك الإتفاقيات بعض الحصص والالتزامات ، فإنها لن تمنع أبدا أو تحد من الآثار المدمرة  لتلك المخاطر الوجودية التى تهدد بقاء مصر خلال مدة عشر سنوات أو اقل، والمسألة باتت لا تتحمل كل ما نراه من تهاون قد يؤدى إلى استكمال الكارثة وتخزين 90 مليار متر مكعب ببحيرة سد النهضة، كما أن الأمور لا تتحمل أيضا إستمرار أية مسارات يعتريها التسويف والتدليس وإخفاء الحقائق على الناس، والسخرية منهم وإتهامهم بالهرى !

 بل الواجب حاليا هو سرعة تغيير النهج المتبع ، ورأب الصدع الداخلى لا تأجيجه، والاعتراف بالأخطاء بشكل متجرد أمين ، والعمل على منع استكمال تشغيل ذلك السد اللعين ، بكافة الطرق الممكنة بما فيها إستخدام القوة !! 

أما على المستوى الشعبى والنخبوى فإنه  يجب عدم السماح نهائيا بتبريد الإهتمام بتلك الكارثة والإنشغال عنها بأية قضايا جانبية ستثار بشكل ممنهج ومتتالى ، كما ينبغى عدم القبول شعبيا بأية إتفاقات تسمح بتخزين مايزيد عن أربعة عشر مليار متر مكعب من المياه خلف السد ، كذلك ينبغى أن تتيح لنا أية إتفاقيات مبرمة  المشاركة العملية فى إدارة السد، والإحتفاظ بنفس الحصص المائية التاريخية المقررة لمصر  على أقل تقدير ،