حسن مدبولي يكتب : رغيف الخبز وشهادات الصلاحية ؟

حسن-مدبولي-يكتب-رغيف-الخبز-و-شهادات-الصلاحية

فى الدول الرأسمالية يؤمنون بأن التحرير الشامل لآليات إدارة  الإقتصاد الوطنى   يعتبر  المدخل الرئيسى للتنمية وتحقيق الرفاهية ،

وبالتالى فهم يستبعدون أى تدخل للدولة فى الشأن الاقتصادى، سواء كان ذلك التدخل متمثلا فى دعم بعض السلع، أو فى ممارسة أية أنشطة إقتصادية تكون مملوكة للدولة، أو تحديد لأسعار السلع والخدمات  ، أو وضع  تقييم لسعر العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية  ، إلخ ،وترى النظم السياسية الغربية التى تتبع تلك الفلسفة الإقتصادية إنه لكى ينهض العالم ويتقدم ، ينبغى على الدول الأخرى التى لا تنتمى للمنظومة الغربية، أن تعمل على  تعديل الأنماط الحالية السائدة فى أنشطتها الإقتصادية والإجتماعية ، وأن تلتزم تلك الدول  بتطبيق وإتباع سياسات إقتصاد السوق الحر ، وبالتالى التخلى عن السياسات السائدة  الغير (حرة ) كمدخل ضرورى لتبادل المصالح التجارية  معها  ، 

وطبقا لهذه الرؤية الأحادية التى يتبناها أيضا  صندوق النقد الدولى، فإنه ينبغى  على الدول الأخرى غير الرأسمالية أن تقوم  بإلغاء تحملها لقيمة الفارق بين التكلفة الفعليةالمرتفعة، وسعر البيع المنخفض، لبعض السلع والخدمات الحيوية (كرغيف الخبز )(إلغاء الدعم )وكذلك التخلص من الشركات العامةالمملوكةللدولة(الخصخصة) وأيضا القيام بتسريح وتشريد العمالةفى الأجهزة والمؤسسات الحكومية(المعاش المبكر) وتحرير أسعار الصرف للعملات الوطنية (التعويم)وترك تحديد أسعار السلع والبضائع لآليات العرض والطلب(أسعار السوق) وتبعا لما تسفر عنه المنافسة بين شركات القطاع الخاص بعضها البعض،  وطبقا للمقدرة الشرائية المتوافرة فى المجتمع(حرية التداول) ،،،

كما  يتطلب الأمر  كذلك منح القطاع الخاص وحده حق توفير فرص العمل والسلع  والخدمات والتعليم والعلاج والإسكان والنقل ولقمة العيش إلخ،وأن تتخلى الدولة عن أى دور أو نشاط إقتصادى أو خدمى الا فيما يتعلق بالنظم المالية والنقدية،

بل إنه حتى فيما يخص النظم المالية لتلك الدول، يكون فرض الضرائب فى أضيق قدر ممكن على من يتولون ويقودون العمليات والأنشطةالانتاجيةوالتجارية(رجال الاعمال)بحجة تشجيع الاستثمار، بينما  تزيد تلك الضرائب بشكل دائم على المستهلك وحده، عبر التفنن فى فرض أنواع متتالية تشمل المساكن الخاصة  والعقارات الصغيرة والسيارات الخاصة تحت غطاء الحفاظ على موارد الدولة وافساح المجال للتصدير والحد من الواردات، 

وبالتالى فإن القوى الغربية الرأسمالية تلزم  أى دولة نامية ترغب فى الحصول على شهادة صلاحية تتيح لها الإنخراط فى جنات ونعيم سوق التجارة الغربى، أن تسارع بتعديل نظمها الإقتصادية لتتطابق مع آليات إقتصاد السوق الحر ، ووفقا لشروط صندوق النقد الدولى، وبعد نيل الرضا من مسئوليه،من خلال تعديل متسارع لكافة السياسات والنظم الإقتصاديةوتحويلها الى النظام الرأسمالى،والمسماة بعملية إعادةالتكييف الهيكلى والمالى للاقتصاديات الوطنية ؟

الغريب هنا والمثير،أن تلك السياسات لم تثبت أى نجاح يذكر فى أى دولة نامية تتشابه مع واقع و ظروف الدولة المصرية ،بل أن تطبيق تلك السياسات أدى إلى كوارث متعددة وصلت لحد إعلان إفلاس بعض الدول مثل اليونان والأرجنتين وشيلى وغيرها ، كما تسبب الالتزام بتطبيق تلك السياسات إلى وقوع غالبية الدول الأفريقية والعربية وبعض دول العالم الثالث فى شراك التبعية المطلقة للدول الغربية، مع إستمرار التخلف والتدهور المعيشى وتفشى الفساد والبطالة والمرض وتراجع قيمة العملات الوطنية ،وإنهيار الخدمات الرئيسية كالصحة والتعليم وغيرها ؟

فنجاح تلك السياسات الرأسمالية فى بعض الدول الاستعمارية الكبرى لايعنى أبدا حتمية التقدم والنمو والإزدهار فور تطبيق تلك السياسات الرأسمالية فى البلدان الأقل تقدما ، فهذا الأمر  إتضح زيفه وثبت عدم صلاحيته منذ زمن بعيد، وبالتالى تم طرح نظريات وسياسات متعددة أخرى، ترى أن تطبيق النظم الرأسماليةعلى عمليات إدارة الإقتصاديات الوطنية فى العالم الثالث

سيؤدى حتما إلى نتائج غير محمودة العواقب على كافة المستويات الأقتصادية والاجتماعية والوطنية،و أن تحقيق التنمية الحقيقية خاصة فى الدول النامية ينبغى أن يكون متوازنا ويعتمد بشكل أكبر على نهج تخطيطى شامل تقوم من خلاله الدولة بدور اقتصادى رئيسى واضح بكافة المجالات الصناعية والتجارية والزراعية والخدمية  مثل العلاج والتعليم والثقافة والفنون والإسكان ،وكذلك الإعتماد على الصناعات الاستراتيجية الكبرى كإنتاج الحديد والصلب وغيرها  ،لضمان تحقيق التقدم والتنمية فى إطار من  العدالة الاجتماعية، مع الحفاظ على الإستقلال الاقتصادى والسياسى والثقافى لكل دولة ، وهناك أمثلة عالمية متعددة يمكن إعتبارها نماذج ناجحة لتطبيق تلك السياسات المتوازنة، كالبرازيل والأرجنتين والصين والهند وماليزيا وفنزويلا وسنغافورة وإيران وكوريا  الشمالية وفيتنام ورواندا وجنوب أفريقيا وغيرها من الدول؟

بمعنى أبسط فانه يمكن القول أن تحرير الاقتصاد بشكل مطلق ليس هو الطريق الأوحد أو الأمثل لإنجاز وتحقيق التنمية الإقتصادية،و لكن هناك طرق أخرى أكثر تناسبا مع ظروف الدول النامية ( غير البترولية ) تعتمد على دور فعال للدولة فى تخطيط وإدارة الإقتصاد الوطنى ، فحتى الدول الكبرى لم تعد تترك أسواقها حرة بالمعنى الرأسمالى  البحت ، لكنها تتدخل من آن لآخر لحماية الدولة كماحدث أثناء

الأزمةالماليةالعقارية فى أمريكا في أغسطس من عام 2008 وغيرها ،

كما ينبغى الإشارة هنا إلى أن النجاح الذى حققته بعض تلك الدول الغربية الرأسمالية لم يأت فقط بسبب سياسات الباب المفتوح والمنافسة المطلقة، لكن هذا النجاح يعود أيضا الى سياسات الهيمنة الاقتصادية التى مارستها و لا تزال تمارسها تلك الدول الاستعمارية ضد البلدان الأخرى الأقل نموا بكافة الأشكال، وعلى سبيل المثال ما فعله الرئيس الأميركى السابق دونالد ترامب

(2016-2020) من إستنزاف لموارد بعض الدول الخليجية وارغامها على عقد صفقات أسلحة بالمليارات وإعتبار ذلك نجاحا لنموذجه اليمينى الفاشى ، 

ومن الجدير بالذكر أيضا التنويه بأن الحرية السياسية المتاحة للشعوب الغربية تتيح لتلك الشعوب امكانية التخلص من أى حكومة تتبع سياسة اقتصادية تحقق فشلاأو نتائج غير مقبولة ، أو من أى رئيس يتضح غبائه وعدم قدرته على الإبداع والإبتكار، ناهيك عن محاكمة من تتضح نواياهم المعاكسة لتطلعات الشعوب ؟ كما أن هناك العديد من الأحزاب السياسية الوطنية فى الدول الغربية تتبنى نهجا إقتصاديا رافضا للسياسات الرأسمالية ولها حرية كاملة لعرض برامجها المناوئة للبرامج الرأسمالية ، أى انهم فى الدول المتقدمة غير مجبرين(نظريا على الأقل)  على تقبل سياسة واحدة يتم تطبيقها عنوة وجبرا وقسرا وبالتهديد باستخدام الحديد والنار؟

فالحرية الاقتصادية مرهونة بتوافر حرية سياسية تتيح للشعوب وحدها اختيار الطريقة المناسبة لإدارة عمليات التنمية، بواسطة حكومة يمينية رأسمالية،  أوحكومة يسارية إشتراكية، أو حكومة وسط بين هذا وذاك ، وذلك فى إطار من الرقابة والمحاسبة الوطنية المستقلة،

والتنمية الإقتصادية والإجتماعية الحقة  لن تتحقق أبدا فى أى بلد من بلدان العالم الثالث أو الثانى بمجرد طرد العمالة ،وإغلاق المصانع ،وإهدار قيمةالعملة الوطنية، وفرض الضرائب على الفقراء ومنع إنتاج رغيف الخبز المخصص للفقراء،وسحل الناس إن هم إعترضوا ؟