حكايات إحسان عبد القدوس: الاهرام قدم إحسان عبدالقدوس للمجتمع

حكايات-إحسان-عبدالقدوس-الاهرام-قدم-إحسان-عبدالقدوس-للمجتمع

عنوان مقالي قد يثير دهشتك! فالمعروف للقاصي والداني أنه أبن روزاليوسف وبدأ حياته الصحفية هناك! فكيف يقول أبنه أن الأهرام قدمه للمجتمع.؟ 

وقبل شرح ما أعنيه أقول أن الأهرام له مكانة كبيرة في حياة والدي الصحفية والأدبية، وقد شغل منصب رئيس مجلس إدارة الصحيفة العريقة لمدة سنة واحدة عام ١٩٧٥، تفرغ بعدها كاتبا في الأهرام حتى وفاته عام ١٩٩٠م يعني ما يقرب من أربعة عشر عاماً، والعديد من قصصه الرائعة نشرت في الأهرام خلال هذه الفترة، وكانت سبباً أساسياً لإرتفاع توزيع الجريدة، كما أخبره بذلك المرحوم إبراهيم نافع رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير في ذلك الوقت وبصماته واضحة في بناء الأهرام الجديد، ونقابة الصحفيين حيث كان نقيبا لأكثر من دورة وكان من حسن حظي أنني تزاملت معه في مجلس النقابة لسنوات وظللت حتى آخر يوم في حياته على إتصال وثيق به، وما زالت علاقتي قوية بأسرته حتى هذه اللحظة. 

وعندما كنت أذهب إلى الأهرام كنت أصعد على الفور إلى الدور السادس حيث مكتب أبي الحبيب، وهذا الدور كان يسمى برج العمالقة، إذ يضم مكاتب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وبنت الشاطئ وغيرهم من أصحاب الأقلام البارزين. 

وأعود إلى عنوان مقالي أو السؤال الذي أصاب حضرتك بحيرة: إزاي الأهرام قدم والدك إلى المجتمع في بداياته الصحفية وهو إبن روزاليوسف وتولى منصب رئيس تحريرها منذ عام ١٩٤٥، وعمره ٢٦ عاماً. 

وأترك الإجابة على هذا التساؤل لإحسان عبدالقدوس نفسه إذ يقول في مقال قديم له: بعد أبي وأمي لا أنسى فضل رئيس تحرير الأهرام أنطون الجميل الذي تعهدني خمس سنوات كاملة حتى وفاته عام ١٩٤٨، فهو الذي قدمني إلى المجتمع، ويشرح ذلك قائلا: كانت له ندوة منتظمة في مكتبه بالأهرام تضم صحفيين كبار وأدباء بارزين، ولفيف من أهل السياسة، وكنت أحلم بأن أكون صحفي وأديب وسياسي في وقت واحد!! 

فتقدمت وطرقت الباب، بل لم أطرقه فساحة أنطون الجميل كانت مباحة للجميع دون حاجة إلى إستئذان، وهيبتها ووقارها تمنعان كل من ليس مرغوبا فيه أن يدخل. 

ودخلت ووجدت نفسي في عالم من العمالقة .. عمالقة الأدب والصحافة والسياسة وأصابني التردد فقد كنت صغيراً لا أزال ألقن نفسي ألف باء الحياة وكدت أن أتراجع لولا أن جذبني إبتسامة طيبة وصوت هادئ وقور يقول لي: تعالى .. لقد قرأت لك، وشعرت لحظتها أنني أرتفعت إلى السماء، فقد قرأ لي أنطون الجميل .. يعني أنا أحد الأشخاص الذين يتابعهم ويدور حولهم الحديث في ندوة الأهرام .. وهذا فخر لي بالطبع ودفعة معنوية هائلة رغم أنني كنت في بدايات حياتي الصحفية، وأصغر الموجودين سنا. 

ومن يومها وأنا أتردد بإنتظام على ندوته الشهيرة بالأهرام لمدة خمس سنوات كاملة تعلمت خلالها الكثير جداً وتعرفت على شخصيات عدة كنت أسمع عنها فقط! وعندما مات ضاع مني أستاذي والصديق والأخ والأب، ضاع مني الرجل الذي كان يهديني في يومي إلى غدي والذي جعل مني ثورة عاقلة وجعل من شبابي الحائر رجولة مبصرة.