حمادة إمام يكتب : الطريق الى يوليو((3-3))"سر استقبال الرئيس الامريكى لصهر حسن البنا "

حمادة-إمام-يكتب-الطريق-الى-يولية-3-3-سر-استقبال-الرئيس-الامريكى-لصهر-حسن-البنا

"سر استقبال الرئيس الامريكى لصهر حسن البنا بالبيت الابيض بعد ثورة يوليو "

في أواخر صيف 1953كان المكتب البيضاوي في البيت الأبيض مسرحا لمقابلة لم يلحظها الكثيرون بين الرئيس دوايت أيزنهاور وشاب  مصرى لم يبلغ 27من عمرة بالغ الحيوية والنشاط 

وتوضح الصورة - الأبيض والأسود - التي تسجل اللقاء الرئيس الأمريكي البالغ من العمر 63عاما في حلة رمادية منتصبا وكوعيه منحنين ويضم قبضته كما لو كان يؤكد علي شيء وإلي يساره يقف الشاب المصري في حلة داكنة اللون وهو يطلق لحيته المنمقة ويحمل بضع أوراق خلف ظهره . كان الشاب المصري يبلغ من العمر 27عاما لكن خبرته تتجاوز العقد من الزمان فيما يتعلق بأوضاع العنف في العالم الإسلامي ، وكان بجواره أعضاء وفد من الباحثين والشيوخ الناشطين من الهند وسوريا واليمن وشمال أفريقيا. وبدا هذا من خلال موقعه بجوار أيزنهاور ذو مكانه خاصه عند الرئيس الامريكى.   

هذا الشاب  كان هو الذراع اليمنى لمؤسس جماعة الإخوان الشيخ حسن البنا، وزوج ابنته ووزير خارجية الجماعة الذي تولى تأسيس فروع الجماعة في الخارج والتنظيم الدولى للإخوان. "سعيد رمضان" قصته ، في حد ذاتها، أحد أكثر فصول العلاقة بين الإسلاميين، خصوصا الإخوان، وأجهزة الاستخبارات الغربية غموضا وإثارة. رمضان  

الاهتمام العالمى بـ «رمضان»بدأ  عام 1953، حين دعاه البيت الأبيض مع 5 أشخاص من دعاة وعلماء المسلمين من دول مختلفة للقاء مع الرئيس الأمريكي آيزنهاور، وجاء اللقاء كجزء من مؤتمر إسلامي في الولايات المتحدة، إلا أن وثيقة سرية أمريكية، وقعت في يد روبرت دريفوس مؤلف كتاب لعبه الشيطان وهو ضابط مخابرات سابق ، كشفت عن أن إدارة المعلومات الدولية، التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية -وهو فرع له اتصال مباشر بوكالة المخابرات المركزية- هي الجهة التي نظمت المؤتمر وتكفلت بتكاليف نقل هؤلاء العلماء من مصر والبحرين ولبنان والهند وبلدان أخرى، التي بلغت 25 ألف دولار خلاف مصاريف إضافية تكفلت بها شركة «أرامكو» السعودية الأمريكية.

وطبقا للوثيقة فإن هدف المؤتمر، في الظاهر، مجرد تجمع علمى بحت، إلا أن الهدف الحقيقى هو «تجميع عدد من الأشخاص، من ذوى النفوذ في تشكيل الرأى العام في البلاد الإسلامية في قطاعات مختلفة مثل التعليم والعلم والقانون والفلسفة، ما يعزز بشكل غير مباشر النفوذ السياسي للولايات المتحدة في المنطقة»، ومن بين الأهداف المتوقعة للمؤتمر خلق قوة دافعة لحركة النهضة الإسلامية.

كانت الولايات المتحدة وقتها تتحسس طريقها لدول الشرق الأوسط، ويتباحث مفكروها إلى أى مدى يمكن للإسلام السياسي أن يكون قناة للنفوذ الأمريكي في المنطقة. ولم تكن الولايات المتحدة قلقة من أفكار الإخوان ولا طموحاتهم وتنظيمهم السري، فكل ما كان يعنيها هو الاتحاد السوفيتي، فأي جماعة أو شخص يعادي الشيوعية، هو حليف محتمل»، وأكد الفكرة هيرمان إيلتس، دبلوماسي أمريكي عمل في المملكة العربية السعودية أواخر الأربعينات، بعد أن قابل الشيخ حسن البنا وقال: «وجدناه متعاطفا».

ويشرح الكتاب تفاصيل كثيرة عن دور سعيد رمضان وعلاقاته المتشابكة مع أجهزة مخابرات غربية مختلفة ودوره في إنشاء عشرات التنظيمات الإسلامية التي باركتها أمريكا ومولتها السعودية لتحقيق أهدافها.

ويطرح «دريفوس» سؤالاً مباشراً: هل جندت الـCIA سعيد رمضان عام 1953 في أمريكا؟، حسب وثائق مفرج عنها من أرشيف الوثائق السويسرى، وانفردت بنشرها صحيفة «Geneva's Le Temps»، فإن السلطات السويسرية في الستينات «كانت تعتبره، ضمن أشياء أخرى، عميلا للمخابرات البريطانية والأمريكية».

الصحفي الكندي إيان جونسون مؤلف كتاب  «مسجد في ميونخ: النازيون ووكالة المخابرات المركزية وصعود الإخوان المسلمين في الغرب» 

عن أبعاد أخرى لتحالف الإسلاميين والغرب الذي لم يقتصر، حسب وثائق المؤلف، على الولايات المتحدة وبريطانيا، فالولايات المتحدة استثمرت وبنت على مخطط ألماني نازي بدأه هتلر أثناء الحرب العالمية الثانية، لتوظيف الإسلاميين لضرب الاتحاد السوفيتي.

القصة بإيجاز أن النازيين وجدوا أن عدداً كبيراً من الجنود السوفيت، الذين وقعوا في أسرهم، مسلمون ساخطون على الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين وكارهون لنظامه - شارك بين 150 و300 ألف سوفيتي في الحرب العالمية الثانية- ففكروا في استخدام المسلمين كطابور خامس داخل الجمهوريات الروسية المسلمة، وتولى هذه المهمة رجل يدعى «جيرهارد فون» الذي بدأ في رسم مخطط واسع لاستغلال الإسلاميين لصالح النازيين، وبعد هزيمة ألمانيا واصل «فون» نشاطه المعادي للشيوعية.

ولم تنجح الشبكة التي كونها «فون» عسكرياً في تهديد السوفيت لكنهم أثبتوا أنهم أكثر كفاءة في تنفيذ الأجندة السياسية والدينية بعد أن تحولوا من جنود إلـى «إسلاميين»، وتحولت مدينة ميونخ، بسبب وجود عدد كبير من المسلمين السوفيت فيها، لمركز لهؤلاء الإسلاميين الذين انضم إليهم عدد من النازيين السابقين والمنظمات التابعة للمخابرات الأمريكية.

ويوضح «جونسون» في كتابه كيف استطاع الأمريكيون سرقة مشروع «شبكة فون مندى» وتسليمها للقيادي الإخواني سعيد رمضان لمساعدته في تكوين شبكة من التنظيمات الإسلامية بدعم من أمريكا وبريطانيا، وتمويل سعودي، لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتي في مصر، وخطر عبدالناصر، وكان مسجد، تحول لاحقا للمركز الإسلامي في جنيف 1961، هو نواة هذا المشروع.

واتضح فيما بعد، أن المركز الإسلامي كان مجرد بداية، ففي عام 1962، ساعد سعيد رمضان في إنشاء «رابطة مسلمي العالم» التي أصبحت الجهاز العصبي المركزي للحركة الوهابية في العالم، بتمويل سعودى سخي تكفّل بإرسال الدعاة والدعاية المطبوعة، وتمويل بناء مساجد ومراكز وهابية مختلفة بطول شمال أفريقيا وآسيا الوسطى، وحتى خارج العالم الإسلامي.

في يوليو 2005، قالت صحيفة «وول ستريت جورنال»، بعد تحقيق استقصائي موسع في محفوظات أرشيفي سويسرا وألمانيا: «الدلائل التاريخية تشير إلى أن السيد رمضان عمل مع وكالة المخابرات المركزية»، وكشفت وثائق من أرشيفات مخابرات ألمانيا الغربية -عرضتها الصحيفة الأمريكية- عن أن رمضان استخدم جواز سفر دبلوماسيا أردنيا، وفرته له وكالة الاستخبارات المركزية وأن «نفقاته يجرى تمويلها من قبل الجانب الأمريكى»، وأضافت الصحيفة أن رمضان كان على علاقة وثيقة مع «لجنة التحرر من البلشفية» المعروفة اختصارا بـ «Amcomlib» التي كانت تدير إذاعة أوروبا الحرة و«راديو ليبرتي» وكلاهما تابع لـCIA في الخمسينات والستينات.