حماده إمام يكتب: ليلة هروب السادات

حماده-إمام-يكتب-ليلة-هروب-السادات

في  18 يناير سنة 1977 كان الرئيس السادات فى مقره الشتوي بأسوان يقضى الشتاء كعادته وفى الوقت ذاته كان يستعد لاستقبال الرئيس اليوغسلافي تيتو وقبل وصول تيتو كان السادات يجلس فى شرفة الاستراحة ومعه الصحفية اللبنانية هدى الحسينى تجرى معه حوارًا, وأثناء الحوار توقف السادات فجأة عندما شاهد أعمدة الإنارة تعلوها الأدخنة فسأل الصحفية ما هذا؟ فأجابته ربما تكون مظاهرات القاهرة قد وصلت هنا، ولم ينتبه السادات إلا مع دخول محافظ أسوان مذعورًا طالبًا منه مغادرة الاستراحة لأن المظاهرات فى طريقها إليه فهرب السادات تاركا كل شيء وركب طائرته,

وفى الطائرة بدأ يستعيد الذاكرة ويستذكر الدوافع والعوامل التى أدت إلى قيام المظاهرات مسترشدًا فى ذلك بالشعارات التى كانت ترددها الجماهير والتى  لم تخرج عن 

” ياساكنين القصور الفقرا عايشين في قبور

ياحاكمنا في عابدين فين الحق وفين الدين

سيد مرعى يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه

عبد الناصر ياما قال خللوا بالكم م العمال

هو بيلبس آخر موضة واحنا بنسكن عشرة ف أوضة

بالطول بالعرض حنجيب ممدوح الأرض"

في 17 يناير 1977، أعلن نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية الدكتور عبد المنعم القيسوني في بيان له أمام مجلس الشعب مجموعة من القرارات الإقتصادية منها رفع الدعم عن مجموعة من السلع الأساسية وبذلك رفع أسعار الخبز والسكر والشاى والأرز والزيت والبنزين و25 سلعة أخرى من السلع الهامة في حياة المواطن البسيط 

بدأت الانتفاضة بعدد من التجمعات العمالية الكبيرة في منطقة حلوان بالقاهرة في شركة مصر حلوان للغزل والنسيج والمصانع الحربية وفى مصانع الغزل والنسيج في شبرا الخيمة وعمال شركة الترسانة البحرية في منطقة المكس بالإسكندرية و بدأ العمال يتجمعون ويعلنون رفضهم للقرارات الاقتصادية وخرجوا إلى الشوارع في مظاهرات حاشدة تهتف ضد الجوع والفقر وبسقوط الحكومة والنظام 

في‮ ‬اليوم التالي‮ ‬اشتعل بركان الغضب‮ ‬العمال والطلبة والموظفون والعامة حتي‮ ‬السيدات،‮ ‬اندلعت المظاهرات وردد الناس هتافات الغضب ضد ممدوح سالم وزير الداخلية وضد سيد مرعي‮ ‬عضو مجلس الشعب وضد محمود أبو وافية وضد كثيرين ممن كانوا علي‮ ‬رأس نظام الحكم ومن أسوان إلي‮ ‬الاسكندرية تحطمت المحلات التجارية والمنشآت العامة والسيارات وسقط القتلي‮ ‬والمصابون‮ »‬79‮ ‬قتيلا و214‮ ‬جريحا‮« ‬وأعلنت حالة الطوارئ وغضب الرئيس السادات كما لم‮ ‬يغضب من قبل ونزلت القوات المسلحة لتعيد النظام بعد‮ ‬يومين من الفوضي‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

كان السادات أول من حمّل الشيوعيين مسئولية الأحداث, فالسياسات الاقتصادية التى تبناها بما فيها الانفتاح الاقتصادي وحرب أكتوبر لم تستطع أن تقضى على الوجود الشيوعي  والناصري  فى الشارع المصري.

 وعجز السادات أن يجد له مكانًا وسط القوى السياسية وبجانب السياسة الخارجية المصرية فى تلك الفترة كانت قد أصيبت بعدة هزائم أمام التعنت الإسرائيلي فى تقديم أى تنازلات ناحية اتفاقية السلاح. حتى أصبح السادات معزولا عن العالم العربى وعن الوطن المصري.

وكانت الأجواء وقتها تكشف أن صدامًا ما على وشك الوقوع بين السادات والقوى اليسارية بكافة درجاتها. ففى داخل المؤسسة الدينية التى يمثلها الأزهر وقع صدام بين شيخ الأزهر والشيوعيين.

فقد تقدم شيخ الأزهر بطلب التخلص من "48" من أعضاء هيئة التدريس والمعيدين وذلك بحجة أنهم موفدون من بلاد اشتراكية ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. بعد أن قام الإمام بعرض قائمة الأسماء غير المرغوب فيها على الجماعات الأخرى لتختار منها ما تشاء.

وبدأت أولى المصادمات باستدعاء الحاصلين على الدرجات العلمية للمثول أمامه وإعلان توبتهم ثم أقدم على خطوة غاية فى الجرأة وذلك بإنهاء عقود أساتذة اللغة الألمانية فى كلية اللغات وذلك بحجة أنهم حاصلون على درجاتهم العلمية من ألمانيا الشرقية، بالإضافة إلى إصدار قرار مكتوب بوقف إيفاد أى بعثات علمية إلى دول الاشتراكية، بلغ الأمر ذروته بطلب شيخ الأزهر ضرورة كتابة كل عضو من أعضاء هيئة التدريس جنسية  وديانة زوجته.

هذه كانت الصورة داخل المؤسسة الدينية أما عن الصورة داخل المؤسسة التشريعية فكانت أكثر وضوحًا فى التأكيد على حتمية الصدام بين اليسار بكل دجاته ومسمياته والسادات. فتحت قبة مجلس الشعب وقف ممثل حزب الوسط وهو الحزب الذى كان يرأسه السادات. السيد محمود أبو وافية سكرتير الحزب والرجل الثانى فى الحزب يتهم اليساريين المصريين بالعمالة والخيانة. وأن ولاء الماركسيين المصريين للاتحاد السوفيتى وليس مصر. وفى السياق ذاته قاد الشيخ صلاح أبو إسماعيل وعلوى حافظ هجومًا عنيفًا على عبد الناصر وعصره. وكان هجوم الاثنين معًا يعد تعبيرًا عن وجهة نظر السادات خاصة وأن العضو الأول ممثل لجنة الشئون الدينية. والثانى يشغل منصب السكرتير المساعد. واستمرت الأجواء الخلافية تأخذ الشكل الطبيعى فى التصاعد . 

المصادر:

خريف الغضب :هيكل

ايام السادات الاخيرة: عادل حمودة

تجربتى مع الشيوعية :حسن ابو باشا