دراسة: خسائر إسرائيل في المعركة على الرواية والوعي

دراسة-خسائر-إسرائيل-في-المعركة-على-الرواية-و-الوعي

حذرت دراسة إسرائيلية من استمرار خسارة إسرائيل في المعركة على الرواية والوعي محليا وعالميا وتقدم بعض التوصيات لتحسين مواقعها.

وتقول دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب إن إسرائيل لم تكف وكعادتها، عن الاهتمام بصورتها أمام المجتمع الدولي والظهور كواحة وحيدة للديمقراطية في الشرق؛ تلك الصورة التي شيدتها على مدار العقود الطويلة الماضية استنادا إلى دور “الضحية”، وجنبا إلى جنب مع شعار “معاداة السامية”؛ كمفهوم وكإطار عملت على تمديده وتوسيعه ليشمل كل مُنتقديها، أو منتقدي جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، منوهة أن كل ذلك يتم من خلال ما يُسمى بـ”الرواية القومية” التي تتجند كافة أطياف النظام السياسي الإسرائيلي في نقلها -بعد أن تتم بلورتها وفقا لمعايير صهيونية- أمنية بالدرجة الأولى؛ سياسية بالدرجة الثانية، كون إسرائيل تنفرد بكونها تُمثل حالة “المجتمع المجند” على كافة الصعد حينما يتطلب الأمر ذلك؛ في أوقات الحرب والسلم على حد سواء.

وتقول إن صوغ “الرواية الوطنية” التي تصك، وتحفظ، صورة إسرائيل خارجيا -إلى جانب الحفاظ على متانة، مناعة، الجبهة الداخلية لمجتمعها المُتصدع أصلا- قد حظيت بعناية دقيقة، واهتمام بالغ من قِبَل قادة المشروع الصهيوني وأدواته، وإسرائيل لاحقا كأداة لـ”تحقيقه”، بل وتم اعتبارها ركيزة أساسية ومهمة من ركائز الأمن القومي الإسرائيلي، في إطار مساعيها الرامية لشرعنة وجودها في البداية، ولاحقا، لإضفاء شرعية أيضا على اعتداءاتها المتكررة على الفلسطينيين والدول العربية، واحتلالاتها المتكررة لأراضيهم، أو ما تبقى منها، وموضعة كل ذلك في إطار نهج/ سياسة “الدفاع عن النفس”.

كما تقول إن هذه العملية بالإمكان مُلاحظة تجلياتها بوضوح في الفترة الأخيرة؛ في إطار الحرب المستمرة على قطاع غزة؛ سواء أكان خلال المواجهات الفعلية أم خلال الحصار المستمر. في هذا السياق، تأتي الدراسة الصادرة عن “معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي” في “جامعة تل أبيب”، بعنوان “الدروس المستفادة من عملية “حارس الأسوار” في مجال الدعاية الوطنية” للكاتب يردين فتيكاي، الذي أسس قسم “الإعلام الوطني” في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية وترأسه لمدة 11 عاما لتُعطي صورة مُصغرة و/أو لمحة عن وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية للمعيقات التي تعتري عملية صوغ “الرواية/ الدعاية” الإسرائيلية، والدروس والعِبَر المُستفادة.

مشاكل وثغرات

تنطلق الدراسة من افتراض أن الحرب الأخيرة على قطاع غزة كشفت عن وجود مشاكل وثغرات تقف في طريق تطوير وتمتين الدعاية الإسرائيلية لـ”الرواية الوطنية”؛ على الصعيدين الداخلي والخارجي في ظل هيمنة شعور إسرائيلي بأن “الدعاية/ الرواية الإسرائيلية” قد أُصيبت بالفشل خلال وعقب الحرب الأخيرة.

وقالت الدراسة إن انتهاء الجانب العسكري للحرب الأخيرة لا يعني انتهاء الحرب بتاتا، فإسرائيل أمام حرب من نوع أخرى

وقالت إن انتهاء الجانب العسكري للحرب الأخيرة لا يعني انتهاء الحرب بتاتا، فإسرائيل أمام حرب من نوع أخرى؛ تتعامل فيها مع محاولات إدانتها ومُلاحقتها، وجيشها، في المحاكم والمنظمات الدولية. وتعتبر الدراسة أن التسليم بالقاعدة الإسرائيلية القائلة بأن “الرواية الوطنية” أو “الدعاية الوطنية” الإسرائيلية هي ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي الإسرائيلي يفرض، من ضمن ما يفرضه، على إسرائيل بذل جهود حثيثة على هذا الجانب، بالتوازي مع الجهود المبذولة عسكريا وسياسيا، وفي الحرب الأخيرة، برزت جملة من الثغرات التي يجب الاستفادة منها -في إطار استخلاص الدروس- وهي على النحو التالي:

– في كل عملية عسكرية تستهدف عملية صوغ “الرواية/ الدعاية الوطنية” ثلاث جهات رئيسية؛ إسرائيلية ودولية وإقليمية (الفلسطينيون والدول العربية). وهو برأيها يتطلب وجود استراتيجية مختلفة للتعامل مع كل منها بناء على الخطاب والوعي الخاص بكل منها. وتقول إنه على الصعيد الدولي؛ تُعتبر الولايات المتحدة الساحة الأكثر أهمية والتي تتطلب تركيز جهود عالية للحفاظ على “شرعية” الفعل الإسرائيلي لضمان انحياز الرأي العام لصالح إسرائيل.

وترى دراسة معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب أنه رغم “الإنجاز العسكري” الذي حققته إسرائيل، إلا أن غياب الحدث “البارز” كاغتيال رأس الهرم السياسي أو العسكري لـ”حماس”، أو إعادة الجنود والمفقودين، تجعل من مهمة التواصل مع المجتمع المحلي أكثر أهمية، وإقناعه “بالنصر” وتسويق الرواية الإسرائيلية الرسمية أكثر صعوبة، خاصة في الوقت الذي استطاعت فيه “حماس” تقديم نفسها كمدافع عن القدس وحامية لها؛ تحريك الجمهور العربي في إسرائيل ودفعهم للمواجهة؛ والاستمرار في إطلاق الصواريخ حتى اليوم الأخير من الحرب.

وتعتقد أن هذا يتطلب العمل على توفير حلول “خلاقة” كأن يتم خطاب إسرائيلي أكثر وضوحا مع الرأي العام الإسرائيلي، يظهر من خلال مؤتمر صحافي يومي أو نصف يومي يُعقد مع رئيس الحكومة ووزير الدفاع وغيرهما، يتم من خلاله استعراض الإنجازات المتحققة؛ التحديات والمعيقات؛ نقاط الضعف الرئيسة في العمل (للحفاظ على المصداقية)، والإجابة على الأسئلة الشائعة والسائدة حول الأحداث، من أجل خلق تواصل واع بالأحداث بين الجمهور العريض والقيادة السياسية والعسكرية.

ردود فعل دولية

– كما تدعو لأخذ بعين الاعتبار ردود الفعل الدولية المتوقعة لأي سلوك إسرائيلي خلال الحرب، والعمل وفقا لهذا المبدأ، فعلى سبيل المثال، استجلبت عملية تدمير برج الجلاء انتقادات دولية واسعة النطاق، بما فيها بعض وسائل الإعلام الأمريكية، رغم أن “تدميره جاء بعد أن تم استخدامه لأغراض عسكرية” من قِبَل “حماس”، وهذا برأيه يفرض ضرورة وجود نقاش دقيق على أعلى المستويات قبل القيام بمهمة شبيهة؛ ضد الأبراج السكنية؛ المراكز الصحية والتعليمية، حتى في ظل الاستخدام العسكري لها من قبل “حماس”، لا بل والتنازل عن الهدف إن لزِم الأمر تجنبا للحساسية الكبرى التي سيتسبب بها على صعيد ردود الفعل الدولية السلبية التي ستتحول سريعا، وخاصة في الولايات المتحدة، إلى أداة ضغط سياسي على إسرائيل لوقف القتال، وهو ما حصل بالفعل.

وتضيف “لكن كان من الممكن تحقيق هذا الهدف بطريقة أخرى؛ إحباط أنشطة “حماس” في المبنى بدون هجوم عسكري من خلال الكشف عن أنشطتها أمام الرأي العام الدولي، وبذلك تكون إسرائيل قد حققت أهدافها، لا بل واستطاعت تقديم رواية مُثبتة بالدلائل تحظى باحترام وتقدير الجمهور الدولي أيضا”.

بين الدعابة المحلية والدولية

– وتولي الدراسة أهمية للتفريق بين الدعاية المحلية والدعاية الدولية (الرواية والخطاب الإسرائيلي المقدم لكلا الجمهورين) وتقول إنه على سبيل المثال؛ شكلت حادثة تدمير شبكة الأنفاق التابعة لـ”حماس” في غزة والمعروفة باسم “المترو” حدثا كبيرا بالنسبة للرأي العام الدولي، حيث لا يُمكن فهمها دوليا تماما كما هو الفهم الإسرائيلي المحلي لها، فهي بالنسبة للرأي العام الدولي شريان حياة رئيسي للغزيين تُمكنهم من التنقل والوصول إلى الأماكن المختلفة، طالما أن هذا الرأي يُبنى على قلة المعرفة والجهل بـ”حقيقة” الأمور”.

– وتنبه أنه لكل عملية عسكرية أزماتها الإعلامية؛ حيث أن بعض الحوادث الكُبرى، والتي قد تعود بضرر كبير من الناحية الإعلامية والدعائية، تفترض وجود خطة محكمة يتم فيها استخدام المحظور (المعلومات الاستخباراتية الدقيقة) بهدف قطع الطريق على محاولات شيطنة إسرائيل ووصفها بالإجرام (قتل الأطفال مثلا)، وأن يتم اللجوء إلى أسلوب الدعاية الاستباقية لتقويض مصداقية الخصم في طرحه للأخبار والحوادث من خلال تسخير أجهزة المخابرات وتوجيهها على الفور لإطلاق معلومات استخباراتية دقيقة من شأنها دحض المزاعم في حادثة ما عبر وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي.

وتوصي الدراسة بالعمل على تعزيز طاقم الإعلام العامل في مكتب رئاسة الحكومة، واختيار النُخب الإعلامية ذات الكفاءة المهنية العالية، وأيضا تلك النخب المؤثرة في عملية صنع القرار في المؤسسة الأمنية ورئاسة الحكومة لتتمكن من إحداث التأثير المطلوب والتغذية الراجعة الدقيقة على مختلف الصعد، ولا يُستثنى من ذلك رئيس الحكومة إذا لزِم الأمر.