د. أيمن منصور ندا يكتب : عندما تلقيت اتصالاً من الرئيس السيسي — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

د. أيمن منصور ندا يكتب : عندما تلقيت اتصالاً من الرئيس السيسي

د-أيمن-منصور-ندا-عندما-تلقيت-اتصالاً-من-الرئيس-السيسي

لم يكن بيني وبين السيد/ "محمد عثمان الخشت" أية علاقة حقيقية قبل شهر مارس الماضي.. (تلقيت منه قبلها في شهر سبتمبر 2020 اتصالين تليفونيين طلب فيهما بالمخالفة للقانون قبول بعض الطلاب بقسم الإذاعة والتليفزيون، رفضت.. وقلت له اللائحة لا تسمح.. وأرسلت لي عميدة الكلية رسالة تحذرني من عواقب هذا الرفض وأنه سيؤثر على مستقبلي الوظيفي!! وقلت لها: الأرزاق على الله!!).. على مدار أربع سنوات هي فترة رئاسته للجامعة، لم يكن بيننا أي لقاء.. ورغم زياراته المتعددة للكلية، فلم أقابله في أي منها، رغم وجودي في الكلية أيامها..

 أؤمن بأنه يجب أن تكون هناك مسافة  بيني وبين رؤسائي حتى لا أفقد استقلالي واستقلاليتي.. حتى ولو كان ذلك على حساب بعض المصالح المادية والوظيفية!!
في يوم 15 مارس الماضي، كنت قد نشرتُ  مقالي السادس حول الإعلام المصري.. وكان عنوانه "كرم جبر.. أنا تهت مني .. أنا مش عارفني".. انتقدت فيه أداء السيد/ كرم جبر، وأشرت فيه إلى تواضع إمكاناته، وضعف خبراته، وإخفاقاته المتكررة، وأنه لا يصلح لإدارة المنظومة الإعلامية في مصر!! (ولا أزال عند رأيي فيه).. 

 وضعت المقال على صفحتي على الفيسبوك ونمتُ كالعادة بعد كتابة أي مقال.. لاستيقظ على عشر مكالمات من السيد/ عثمان الخشت..  في المحاولة الحادية عشرة للاتصال، أبلغني أنه تلقى اتصالاً من "اللواء عباس كامل" بشأن مقالي، وأنه مستاء للغاية منه!! قلت له (للخشت): وما علاقة اللواء "عباس كامل" بهذا المقال؟ ما الذي يغضب هذا الرجل الذي أكن له ويكن له المصريون جميعاً كل تقدير واحترام؟! قال لي نصاً: "أنت مش فاهم حاجة!! أنت ما تعرفش صلة "كرم جبر" باللواء "عباس كامل"؟!!" قلت له : لا والله ما أعرف.. وضح لي حضرتك؟".. رفع الرجل صوته عالياً وقال لي "إنت بتدمر الجامعة، وسأحيلك إلى التحقيق الفوري.. لابدَّ من حذف هذا المقال على الفور".. ولم ينتظر الرجل ردي، وقام بغلق التليفون!!!


في مقالاتي التي أنشرها على الفيسبوك، أقوم أولاً بإرسالها إلى كل أصدقائى وزملائي والإعلاميين عبر "الواتساب"، وعبر "الماسينجر"، ثم أضعها على "الفيسبوك" بعد ذلك.. ضماناً لوصولها إلى "جمهوري المستهدف" المعني بالرسالة والمهتم بها.. لذلك، فإن بقاءها أو حذفها من الفيسبوك لا يعني شيئاً.. يكفي وضعها  خمس دقائق ليقوم المهتمون بنسخها ونشرها على أوسع مدى!! لذلك، لم أجد غضاضة في حذف المقال من على صفحتى (أو بالأحرى إخفاءه بديلاً عن حذفه!).. اتصل بي الخشت لاحقاً بعد حذف المقال، معتذراً عن تصرفه، وطلب مني مقابلته في مكتبه الخاص بالمدينة الجامعية للطلبة في اليوم التالي، وقد كان اللقاء الذي استمر أكثر من ثلاث ساعات!


في هذا اللقاء الممل، دعا لي الخشت "ربنا يبتليك بمنصب كبير يفرض عليك أن تقوم بالمواءمات اللازمة لاستمرارك في المنصب"!! .. وقال لي :"حياتك السابقة كانت غلط كلها.. خليك معايا  وأنا هظبطك!!.. أنت كنت المرشح الأول لعمادة الكلية، وأنا غيرت اسمك وخليت  الدكتورة (...) مكانك عشان مطيعة وبتسمع الكلام.. أنت غبي!! إزاي مش عارف تمثل دور الرجل التاني المطيع لغاية ما تتمكن؟.. شوف السادات عمل إيه مع عبد الناصر.. شوف مبارك عمل إيه مع السادات.. شوفتني أنا عملت إيه مع جابر (يقصد الدكتور جابر نصار).. لازم تمشّي أمورك .. كرم جبر دة (........)، و(........)، بس أنا بستخدمه كسلمة للوصول إلى اللواء "عباس كامل".. خليك ذكي"!!


وصلتُ البيت، وأنا أشعر بالقرف حرفياً.. حالة من الغثيان لم أشعر بها من قبل.. عندما يتعرى المسئول، ويخلع ورقة التوت نهائياً ويلقيها في سلة المهملات.. الرجل يتباهى بأنه لا يرتدي سروالاً!! يتباهي بأنه كان ينافق رؤساءه، وينافق كل من له مصلحة حتى يحقق أهدافه!! الرجل قال لي "أنا معنديش عزيز" .. قلت له: التاريخ مش هينسى لحضرتك موقفك وموقف الكلية من إحالتي للتحقيق بسبب مقالاتي عن "أحمد موسى".. ستتم المقارنة بينك وبين "أحمد لطفي السيد" حين استقال لمناصرة مدرس بكلية الآداب اسمه "طه حسين".. قال لي الرجل حرفياً "ملعون أبو التاريخ.. المهم مصلحتى الحالية ومصلحة الجامعة!!".. نسيت كلام الرجل، أو تناسيته .. وكأني لم أسمعه!!


في صباح يوم 18 مارس، نشرت مقالي السابع وعنوانه "رسالة مفتوحة إلى رئيس تحرير مصر"، أشرت فيه إلى بعض عيوب الإعلام المصري، وحمَّلت المسئولية لشخص معين.. ونصحته بالاستقالة حرصاً على المصلحة العامة.. وكالعادة، كنت قد أرسلت المقال إلى جميع أصدقائي وزملائي والمهتمين عبر الواتساب والماسينجر!! بعد نصف ساعة من وضع المقال على الفيسبوك، جاءني اتصال من الدكتور الخشت .. الرجل كان يبكي بشكل لم أره من قبل.. أكاد أتخيل وضعه من خلال صوته.. أبلغني الرجل بأنه "تلقى اتصالا توبيخياً من الرئيس يبلغه فيه باستيائه الشديد من مقالي وغضبه الحانق(على حد تعبيره) مما جاء في المقال"!! قلت له : الرئيس مين؟ حضرتك تقصد أن الرئيس السيسي وسط مشاغله التي لا تنتهي والقضايا المصيرية التي تحيط به قد قرأ مقالي على الفيسبوك فور نزوله!! وسيادة الريس أمر بإيه؟" قال لي الخشت "لابد من حذف المقال فوراً" قلت له ليس من مصلحة الدولة ذلك، ولكن سمعاً وطاعة لفخامة الرئيس.. وبالفعل حذفت المقال، وكانت تأثيرات حذفه أكبر بكثير من تأثيراته لو بقي على صفحتي كما توقعت.. وكان موضوع الساعة على كل القنوات الإخبارية الدولية يومها!!


في اليوم التالي.. اتصل بي الدكتور الخشت، وأخبرني بأن هناك "أمر اعتقال" قد صدر بالفعل، وأنه سيتم سجني لمدة ثماني سنوات وفقاً للأحكام العسكرية لإفشائي أسراراً حربية على حد زعمه، وأنه يتدخل جاهداً لمنع "تصاعد الأحداث".. قلت له : وما الحل؟ ما هو المطلوب؟ قال لي : اتصور أنه لو تمت كتابة بيان اعتذار للجيش وللمخابرات سيتمكن من إقناعهم بعدم تنفيذ أمر الاعتقال.. وأملاني صيغة الاعتذار.. قلت له: هذا الاعتذار سيحرقني، ويحرق مصداقيتي لدى الناس.. لكن إذا لم يكن سوى هذا الحل فأنا موافق عليه.. كتبنا خمس نسخ من بيان الاعتذار.. رفضت عديداً من الجمل التي وجدتها مهلكة لي، ووجدت أنها ستقتلني معنوياً.. وتم الاتفاق على النسخة السادسة التي تم نشرها!!


كان وقع "بيان الاعتذار" الذي قدمته كبيراً على نفسي.. وندمت أشد الندم على ذلك.. تفهم الناس دوافع الاعتذار، ولم أتفهم أنا شخصياً سبب موافقتي على ذلك.. وكان المقال الثامن "إعلام البغال" (25 مارس) مشحوناً بكل دوافع الغضب، وبكل الأفكار التي أردت نشرها، وكأنها "ترنيمة البجعة" على حد تعبير الدكتور زكي نجيب محمود!! وكان ما كان من أحداث ونتائج بعدها!!


بعد هذا المقال، الذي أتبعته بالمقال التاسع "رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية" (31 مارس)، توقفت عن الكتابة لمدة شهرين تقريباً.. خلال هذين الشهرين، كنت أتلقى اتصالاً تليفونياً منه مرة  أو مرتين أسبوعياً.. دائماً ما تكون بعد منتصف الليل لكي أقابله عند محل "دانكن- دونتس" بالشيخ زايد.. في كل مرة يؤكد لي أن جهاز أمن الدولة قد اتصل به وأخبره بأنه صدر ضدي قرار إعتقال..  وأنه يبذل قصارى جهده لمنع ذلك، وأنني يجب أن أجهز نفسي لذلك في كل الأحوال!! الغريب أنني كنت أصدقه!!


بعد مراجعة الأمر مع كثير من الجهات والشخصيات المسئولة، وبعد أن "ضاعت السكرة وجاءت الفكرة"، وجدت أن الكلمة الوحيدة الصادقة التي قالها الرجل هي "أنت غبي!!" .. نعم .. كنت غبياً عندما صدقت اتصالاته المستمرة مع اللواء "عباس كامل" الذي يستخدم اسمه باستمرار لإرهاب معارضيه في الجامعة.. اسم اللواء "عباس كامل" وعلاقة الخشت به هي القاسم المشترك في كل أحاديثه الشخصية..

 في أحد حواراته الماسخة، أخبرني بأن اللواء "عباس كامل" يخيِّره بين أن يكون وزيراً للثقافة أو وزيراً للأوقاف.. وأنه فضَّل وزارة الثقافة.. وأنه الوزير القادم لها في أقرب تشكيل!!  كنت غبياً عندما صدقت أن فخامة الرئيس اتصل به شخصياً للتعبير عن استيائه من شخصي الضعيف! الرجل يتقول على رئيس الجمهورية ويدعي أقوالاً لم تتم.. كنت غبياً عندما صدقت أن جهاز أمن الدولة يتصل به بشكل مستمر لكي يخبره بأسماء المعتقلين المحتملين ومنهم العبد لله.. كنت غبياً عندما رفضت مليون جنيه قدمها لي في مقابل السكوت، رغم أن كلامي لا فائدة منه.. مليون جنيه من أموال الجامعة كان على استعداد لدفعها لي للسكوت حتى يتم إعادة تعيينه رئيساً للجامعة مرة أخرى..


كنت غبياً عندما لم أصدق أننا  إزاء دولة جديدة، ميثاقها حرية الرأي والتعبير والاعتقاد.. وأن الدولة القوية لا تهزها كلمات.. ونحن دولة قوية.. وستظل قوية إن شاء الله..