د.اشرف الصباغ يكتب : رقمنة العالم

د-اشرف-الصباغ-يكتب-رقمنة-العالم

لما بدأت إجراءات العزل وتقليص الحركة والتنقل في بدايات وباء كورونا، تحدثنا عن أن هذا الوباء اللعين و"الخطير" سَرَّعَ من رقمنة العالم، ورقمنة الإنسان وتحويله إلى مجرد شريحة. قلنا "سَرَّعَ" ولم نقل إن جهة ما هي التي قامت بصناعته أو بتسريبه لكي يحدث كذا وكذا. وقلنا أيضا سيتحول الإنسان إلى شريحة ولم نقل إنهم سيفتحون رؤوس الناس ويزرعون فيها شرائح.

أنا هنا أدقق المصطلحات لكي أضع مسافة بين الكلام المنطقي والعلمي والذي يقبله العقل ويفرضه في آن معا وبين الخرط والخلط والهوس الذي تطلقه الكائنات البشرية الناقصة أو الطفيليات الإلكترونية أو عبيد وسائل التواصل الاجتماعي. 

قلنا أيضا إن أكثر الجهات والمؤسسات المستفيدة من هذه الرقمنة هي المؤسسات الأمنية، لأن العالم تحول للأسف إلى شكل من أشكال السجون ومؤسسات تقييد الحريات، سواء في الغرب أو في الشرق مع تعدد الدرجات والمستويات. وأن رقمنة المجتمعات والإنسان لن تكون كلها لصالح هذا الإنسان وهذه المجتمعات، وإنما ستخلق مجتمعات طبقية وفق أسس ومسوغات وظروف (علاقات إنتاج وقوى وأدوات إنتاج) مختلفة عن العالم الكلاسيكي وعالمي الحداثة وما بعد الحداثة. وبالتالي، فالمتطلبات الأمنية ستكون أكثر صرامة وقسوة ووحشية.

إننا لم نتحدث بعد عن مجتمع ومرحلة الذكاء الصناعي، لأننا لم ندخلها بعد، ولم "نكمم" المنجز التكنولوجي (أي نحول مخازن المعلومات المصنوعة من مواد معينة إلى مخازن كمية (كوانتمية)، ولم نوطِّن بعد السحابة الإلكترونية بشكل قائم على أبعاد وقياسات وتحورات الكوانتم). الكلام عن الذكاء الصناعي سيكون سابقا لأوانه ومرعبا ومحبطا ومثيرا للقلق والاكتئاب. 

لقد بدأوا معنا بوضع البريد الإلكتروني ضمن معلوماتنا الأساسية مثل الاسم ومكان الإقامة والنوع والوظيفة، ثم أضافوا رقم التليفون إلى المعلومات الأساسية، ووضعوا بروتوكولات معينة وقوانين تملي على "الكائن" أن يخطر جهات معينة أو مؤسسات أو متاجر أو هيئات عندما يغير بريده الإلكتروني أو تليفونه. وبعد ذلك ربطوا رقم التليفون والبريد الإلكتروني بالكروت البنكية، وبالعمليات البنكية عبر مواقع الإنترنت، وببطاقات السفر، وبمخاطبات "الكائن" مع المؤسسات وشركات الطيران والبنوك والمؤسسة التي يعمل بها وملحقاتها المالية والأمنية والافتراضية. وأصبحت الشاشات موجودة في كل مكان، بما في ذلك شاشات التليفون وشاشات كاميرات المراقبة في البيوت والشوارع وعلى أعمدة الإضاءة وداخل الشقق السكنية، ولدى الأجهزة الأمنية، وفي غرف التحكم لأجهزة الاستخبارات، وفي المركبات الفضائية والأقمار الصناعية التي تبث بدورها صور إلى شاشات موجودة على الأرض. 

كانت هذه الرقمنة ستحدث ولكن بحلول أربعينيات أو خمسينيات القرن الواحد والعشرين. ولكن وباء كورونا عَجَّلَ بها، لأن المنجز العلمي التقني يجب أن يجد طابا "اجتماعيا"، أو يجب أن يتم خلق سوق له. إضافة إلى أن العلوم والتقنيات تتطور بسرعة رهيبة، وخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين الذي شهد موت الحداثة وميلاد وموت ما بعد الحداثة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة طوال السنوات العشرين الأخيرة. وبمجرد تعميم "رمز الاستجابة السريع" (QR- Code) سنكون قد بدأنا نضع أقدامنا على طريق ما بعد بعد الحداثة الذي يتزامن عمليا مع العصر ما بعد الافتراضي الذي سيشهد تحولات في مخازن وطرق تخزين المعلومات و"تكميمها" وتحولات في السحابة الإلكترونية الرقمية من حيث طبيعتها وطبيعة وظيقتها وحجمها وطرق التعامل معها والبروتوكولات  التي ترسي منظومة العلاقات بها وبما تتضمنه من معلومات. 

مجتمعات كثيرة وقفت ضد عملية تسريع رقمنة الحياة والكائنات. نجح بعضها وفشل البعض الآخر. والآن هب العديد من المجتمعات في مواجهة "رمز الاستجابة السريعة" (كيو آر- كود)، لأن هذا الرمز قد دخل عمليا إلى المعلومات الأساسية للكائن البشري. وربما يكون هو "الشريحة" التي كنا نقصدها في بداية كلامنا منذ عامين أو ثلاثة، لأن هذا الرمز يضم كل المعلومات الكاملة عن الكائن البشري. وبطبيعة الحال، سيوضع فيه تدريجيا العديد من المعلومات الأخرى التي تتطلب مستويات معينة أو تدريجية للدخول والاطلاع. أي أن المخبر وأمين الشرطة وحارس البناية والضابط الصغير فالأكبر فالأكبر ثم اللواء والأومباشي والعريف والشاويش والرئيس سيكون لدى كل منهم قدر من الصلاحية ودرجة معينة تمكنه من الاطلاع على المعلومات التي يتضمنها رمز الاستجابة السريعة. 

سيتم توظيف كل ذلك أمنيا. وستكون الأجهزة الأمنية، وعناصر الأمن وأفراد أسرهم والعاملون معهم لديهم ميزات وحظوة وإمكانيات، حتى حارس البناية ستكون لديه صلاحيات، بينما "الكائنات" العادية مجرد "كيو آر- كود" يتحرك وفق إرادة متعددة الدرجات والصلاحيات تعمل في منظومة قمعية إجرامية واحدة. ومَنْ مِنْ الكائنات سيرفض "النظام" و"الانضباط" سيكون مصيره العقاب، إما بالمزيد من المراقبة وتقليص الحرية، أو بالسجن الإلكتروني، أو بالنبذ الإلكتروني والاجتماعي. وستظهر لدينا عدة طبقات اجتماعية- إلكترونية بشرائح متباينة ومختلفة ومتعددة من حيث الامتيازات والحظوة ونوع العمل ودرجة الحرية. غير أن الطبقة الأخطر ستكون طبقة المنبوذين التي قد تكون خارج نطاق المراقبة الإلكترونية الكاملة، وقد تكون خارج نطاق التطور التقني المعلوماتي الرقمي. أي ببساطة ستكون هي الطبقة المتوحشة والبدائية في عصر ما بعد بعد الحداثة، وما بعد الواقع الافتراضي، أي قبل عصر الذكاء الصناعي الذي إذا جاء على هذه التقسيمة الطبقية والاجتماعية- لإلكترونية فإنه سيكون نقمة على الجميع بدون أي استثناء. 

إن الدول الكبرى والمتحضرة، أو بالأحرى الدول الديمقراطية ودول الحريات (مهما اختلافنا على درجات الحريات وأشكال الديمقراطيات فيها) تختلف الآن، وستختلف لاحقا، عن دول الغبار البشري واحتقار الإنسان، دول توحش الأجهزة الأمنية ومجموعات المصالح ورجال الأعمال والأموال، وتوحش وإجرام الأنظمة السياسية والشرائح المرتبطة بها، دول القهر والقمع والاستبداد والجهل والفقر. 

هناك مجتمعات نجحت في إلغاء "كيو آر- كود" بعد أن فرضته أنظمتها السياسية. لأن هذا الرمز المرعب سيكون هو الهوية الإلكترونية للكائن وبدونه لا يمكن لهذا الكائن أن يتحرك أو يقضي مصالحه أو يدخل أماكن معينة أو يقف في طوابير خاصة مزدحمة ومهمَلَة. وبعد فترة لن يستطيع الكائن أن يتعامل مع البنوك أو يدخل إلى المؤسسة التي يعمل بها أو الوحدة الصحية أو المسرح أو السينما أو المطعم أو المرقص أو الفندق إلا بهذا الرمز الذي يتضمن الكثير من مستويات ودرجات المعلومات منها الخفي ومنها الظاهر، ومنها الذي يظهر لموظفين وضباط ومخبرين وعناصر استخبارات معينة وفق درجة كل شخص ومستوى صلاحيته.

في كل الأحوال، لن يتوقف التطور العلمي التقني، ولن تتوقف عملية ما بعد بعد الحداثة، وعملية الرقمنة. ولكن المجتمعات المتطورة ستفعل كل ما تستطيع لكي تؤجلها قليلا بهدف إيجاد وإرساء التشريعات اللازمة. أي استحداث بروتوكولات وقوانين وتشريعات تضمن حريات وتنقلات وتحركات وحقوق الإنسان وعدم تحويله إلى "كائن" أو رقم أو مجرد "كيو آر- كود". هذه المجتمعات تناضل الآن فعلا، وستناضل في المستقبل ضد التوحش الذي تقوده الأنظمة السياسية المجرمة ودوائرها من الأجهزة الأمنية المتوحشة والشركات العابرة للإنسان ومجموعات المصالح والمال والأعمال والشرائح الطفيلية المنحطة المرتبطة بكل هؤلاء. 

أما بخصوص مجتمعات دول الغبار البشري وأنظمتها السياسية وأجهزتها الأمنية المتوحشة والجاهلة والبليدة عديمة الضمير والأخلاق، فلا أدري ماذا ستفعل بـ "كائناتها"!!!!