د.يسري عبدالغني يكتب : الدرويش يغني ليثري الوجدان المصري !!

د-يسري-عبدالغني-يكتب-الدرويش-يغني-ليثري-الوجدان-المصري

 يستمد فنان الشعب / سيد درويش أهميته في تاريخ مصر  من ارتباطًه بالحركة الوطنية ، وانفعاله بها ، وتعبيره عن المشاعر الوطنية للشعب المصري ، ونقده للأوضاع الاجتماعية ، وتفاعله مع  معاناة الطبقات الجماهيرية ، واتخاذه من الموسيقى سلاحًا وطنيًا يحارب به كما يحارب الجندي بمدفعه ، والكاتب بقلمه ، والخطيب المستنير بكلمته من فوق المنبر ، هذا فضلاً عن عبقريته الموسيقية ، واعتباره رائدًا للموسيقى الحديثة في التلحين .

كان مولد سيد درويش في حي شعبي متواضع في مدينة الإسكندرية المصرية ، وهو حي (كوم الدكة) ، في 17 مارس 1892 ، وكان والده المعلم / درويش البحر ، نجارًا يملك محلاً للنجارة بالحي نفسه ، ويعتمد على دخله من هذا المحل في إعالة الأسرة التي كانت تتكون منه ، ومن زوجته الحاجة / ملوك ، وأولادهم : فريدة ، وستوته ، وزينب ، وسيد .

 ولما بلغ سيد درويش الخامسة من عمره ، ألحقه والده بكتاب الشيخ / حسن حلاوة ، حيث التقى فيه بمدرس يدعى / سامي أفندي ، كان يلقن التلاميذ الأناشيد والأغاني التي أصطلح على تسميتها بـ ( السلامات ) ، وقد وجد هذا المدرس في سيد درويش استعدادًا طيبًا ، فآثره على أقرانه ، ووكل إليه تدريبهم تحت إشرافه .

 انتقل سيد درويش من هذا الكُتاب إلى مدرسة في حي رأس التين تعرف باسم (شمس المدارس) ، وقد حالفه الحظ أيضًا إذ وجد في هذه المدرسة مدرسًا يدعى / نجيب أفندي فهمي ، شغوفًا أيضًا بالموسيقى وبتلقين التلاميذ الأناشيد ، فأخذ يحفظ سيد درويش بعض ألحان الملحن الشهير / سلامه حجازي ، واستمر تدريب سيد درويش على عدد كبير من ألحان عصره ، فوعتها أذناه ، واستجاب حسه  لموسيقاها .

 وفي عام 1905 ، وقد بلغ الطفل ثلاثة عشر عامًا من عمره التحق بالمعهد الديني في الإسكندرية ، وكان مقر فرقته مسجد أبي العباس المرسي ، وأخذ في حفظ وتجويد القرآن الكريم وقد تزيا بزي المعممين وهو زي عصره ، وقد نجح في الفرقة الأولى ، وانتقل إلى الفرقة الثانية التي كان مقرها مسجد الشوربجي ، وكان يؤذن فيه طوال العام الدراسي .

 على أن عشق سيد درويش للفن صرفه عن التفرغ للدراسة ، واتجه إلى احتراف الفن بالإنشاد في الموالد والحفلات والأفراح ، وفصل من المعهد الديني عامه الدراسي الثاني ، ولما كان والده قد توفى قبل أن يتجاوز السابعة من عمره ، فقد أخذ يتخذ من الفن وسيلة للعيش ، واضطر تحت ضغط الحاجة إلى العمل في بعض الحانات والمقاهي ، ثم عمل مناولاً في طائفة المعمار ، وأخذ يغني للعمال زملائه من الأغاني والأهازيج ما يبعث فيهم النشاط والراحة النفسية ، فأعفي من عمله اليومي نظرًا لتفرغه للترفيه عن العمال بالغناء .

 على أن الفرصة لم تلبث أن سنحت للدرويش حين استمع إليه صدفة  الأخوان / سليم وأمين عطا الله ، وأعجبهما صوته ، وقررا ضمه إلى فرقتهما الغنائية ، وعندما سافرت الفرقة إلى بلاد الشام في مطلع عام 1909 ، سافر معهما ، ولكن الرحلة فشلت ماليًا ، واضطر درويش إلى العودة ، ولكن بعد أن تعرف على الموسيقي الكبير الشيخ / عثمان الموصلي وغيره من الموسيقيين الذين أخذ عنهم أصول الفن ، وفي سنة 1912 سافر سيد درويش مرة أخرى مع فرقة عطا الله ، وكانت رحلة ناجحة ، إذ تجددت صلته بعثمان الموصلي وغيره ، وأقام معهم سنتين كاملتين يحفظ عنهم ، ويستمع إليهم ، وإلى ما ينشده غيرهم في تلك البلاد ، ويختزن في ذاكرته كل ممتع ورائع من الغناء ، الأمر الذي أكسبه خبرة واسعة بأسرار الموسيقى الشرقية من عربية وفارسية وتركية وغير ذلك ، مما استثمره سيد درويش بعد ذلك في خدمة الغناء المسرحي وتلوينه .

 وهكذا عاد سيد درويش إلى الإسكندرية بعد عامين عارفًا بأصول الموسيقى العربية ، محيطًا بموسوعة من الأنغام والألحان ، التي استطاع بموهبته أن يحصل ثروة ضخمة منها ، وأن يهضمها بعبقريته الفذة ، ويفرز إبداعه الخاص وابتكاره الجديد في عالم الفن .

 في هذه الفترة لحن سيد درويش أخلد أدواره الإثنى عشر ، وأكثر من خمسين طقطوقة ، وهي مقطوعة موسيقية صغيرة ، وأشهرها (زروني كل سنة مرة) وقد تميزت ألحانه بعدة معالم ، منها : أنها لحنت لمناسبات واقعية ، حيث ليعتبر كل لحن تاريخًا لحادث معين ، ولهذا جاءت جميع أغانيه معبرة صادقة ، أضف إلى ذلك : انفعاله بالأحداث السياسية في وطنه ، ومحاولته التعبير عنها كفنان مصري أصيل ، ولذلك عندما خلعت بريطانيا المحتلة لمصر في تلك الآونة ، الخديوي / عباس حلمي عن العرش ، ونصبت مكانه السلطان / حسين كامل ، عبر سيد درويش عن عطف الشعب المصري على عباس حلمي بدور جديد من تأليفه وتلحينه ، أشار فيه ـ تلميحًا ـ إلى عباس حلمي ، نظرًا لأن السلطات البريطانية كانت تحرم ذكر اسمه صراحةً ، فألف المقطوعة الزجلية بحيث يؤلف مجموعة حروف الأولى لمقاطعها اسم عباس حلمي (ع ـ ب ـ ا ـ س ـ ح ـ ل ـ م ـ ي ) .

 ومن الملامح المهمة أيضًا في فن سيد درويش ، التعبير بالموسيقى عن المعنى الذي تحمله الكلمات ، ولم يكن ذلك موجودًا من قبل في الفن المصري أو العربي ، إذ كان الهدف من الغناء والألحان القديمة التطريب ، ونيل إعجاب المستمعين دون اهتمام بما إذا كان اللحن معبرًا عما يقصد إليه المعنى أم لا ، كذلك نظمه الأغاني والأناشيد الوطنية التي تمجد مصر وشعبها ولا تمجد الحكام الزائلون قطعًا ، وكانت الأناشيد قبله تقتصر على تمجيد الحكام و الزلفي إلى السلطان .

 ومن ذلك أن الدرويش تأثر بالكلمات الخالدة للزعيم الوطني / مصطفى كامل في آخر خطبة ألقاها ، وكانت في كازينو زيزينيا بالإسكندرية ، يوم 23 أكتوبر 1907 ، والتي يقول فيها : " بلادي بلادي ، لك حبي وفؤادي ، لك حياتي ووجودي ، لك دمي ونفسي ، لك عقلي ولساني ، لك حبي وجناني " ، فجارى الوزن والقافية ، ولحن نشيدًا وطنيًا مستوحيًا المعاني الجميلة التي وردت في الخطبة ،   وهو الآتي : 

بلادي بلادي  ... لك حبي وفؤادي

مصر يا ست البلاد ... أنت غايتي والمراد

وعلى كل العباد ... كم لنيلك من أيادي

مصر يا أرض النعيم ... سدت بالمجد القديم

مقصدي دفع الغريم ... وعلى الله اعتمادي

مصر أولادك كرام ... أوفياء يرعوا الزمام

سوف تحظي بالمرام ... باتحادهم واتحادي

مصر أنت أغلى درة ... فوق جبين الدهر غرة

يا بلادي عيشي حرة ... واسعدي رغم الأعادي

 هذا ، وقد اختار الرئيس المصري الراحل / محمد أنور السادات هذا النشيد شعارًا موسيقيًا غنائيًا ، ليكون السلام الوطني لمصر ، وفي مسرحية (شهر زاد) لحن سيد درويش ، أكثر من لحن وطني ، ومن هذه الألحان ، لحن : (اليوم يومك يا جنود ) ، وفيه يقول : 

اليوم يومك يا جنود ... ما تجعليش للروح ثمن

يوم المدافع والبارود ... ما لكيش غيره في الزمن

هيا اظهري عزم الأسود ... في وجه أعداء الوطن

 ومن هذه الألحان أيضًا ، لحن : (أنا المصري كريم العنصرين) ، وفيه  يقول :

أنا المصري كريم العنصرين ... بنيت المجد فوق الأهرامين

جدودي أنشأوا العلم العجيب ...   ومجرى النيل في الوادي

لهم في الدنا آلاف السنين ... ويغني الكون وهم موجودين

ويتحدث سيد درويش عن الجيش المصري ، فيقول : 

أحسن جيوش في الأمم جيوشنا ... وقت الشدائد تعالى شوفنا

ساعة ما نلمح جيش الأعادي ... نهجم ولا أي شيء يحوشنا

 وكذلك يلحن سيد درويش لحن : (دقت طبول الحرب يا خياله) ، ولحن : (الجيش رجع من الحرب بالنصر المبين) ، وفي مسرحية (الهلال ) التي لحنها لفرقة علي الكسار ، يلحن سيد درويش (لحن الجنود) ، الذي يقول في مطلعه على لسان جنود مصر :

إحنا الجنود زي الأسود ... نموت ولا نبيعش الوطن

بالروح نجود ، بالسيف نسود ... على العدى طول الزمن

الحرب ديننا وطبعنا ... والسيف أبونا وأمنا

نحفظ كرامة شعبنا ... بعمرنا بدمنا

صوت السلاح يوم الكفاح حلو النغم ... في عرفنا ، في سمعنا

لازم نعيش طول عمرنا ... في أرضنا أحرار

حلو النغم ...

لازم نعيش طول عمرنا ... في أرضنا أحرار

ورافعين العلم ...

 وفي غضون ثورة 1919 ، لحن سيد درويش هذا النشيد الحماسي ، وهو نشيد (قوم يا مصري) ، وفيه يقول : 

قوم يا مصري ، مصر دايمًا بتناديك ... 

خد بنصري ، نصري دين واجب عليك

وكان آخر ما قدمه من تلك المقطوعات الوطنية تأليفًا وتلحينًا ، الأنشودة التي وضعها تحية لسعد زغلول عند عودته من منفاه إلى أرض الوطن سنة 1923 ، وفيها يقول :

مصرنا وطننا ، سعدنا أملنا ... كلنا جميعًا للوطن ضحية

أجمعت قلوبنا ، هلالنا وصليبنا ... أن تعيش مصر عيشة هنية

عزك حياتنا ... ذلك مماتنا

يا مصر بعدك ... مالناش سعادة

روحنا فداك ... ما لناش سواء

ربك معاك ... في كل ساعة

 وقد استقبل سعد زغلول بتلك المقطوعة ، ولكن بعد وفاة ملحنها بيومين اثنين ، إذ بعد أن درب الدرويش المنشدين والعازفين على أدائها أحسن أداء استعدادًا لحفل الاستقبال عاجلته المنية .

 لقد تميز سيد درويش عن غيره من الفنانين بتفوقه الكامل في كل ما وجه إليه عبقريته ، لقد كان كل فنان متفوقًا في كل ناحية من نواحي فنه ، فالبعض تفوق في الأناشيد ، والبعض تفوق في الألحان العاطفية ، والبعض الثالث تفوق في المسرحيات ، ولكن سيد درويش تفوق في كل شيء ، فقد لحن الموشح القديم ، و النشيد ، والمسرحية الغنائية ، وما حوته من مختلف الاستعراضات والألوان الشعبية ، أي أنه قدم مسرحًا مصريًا صميمًا .

 لقد أسعفته موهبته في كل ناحية من نواحي التلحين ، ففي الألحان الحماسية تتأجج موسيقاه نارًا ، وفي الألحان العاطفية تذوب ألحانه رقة ، وفي المسرحيات التراجيدية (المأساوية) يثيرك ويبكيك ، وفي المسرحيات الكوميدية (الهزلية) يملأ نفسك بهجة وانشراحًا .

 ومن الغريب حقًا أنه على الرغم من أن فنان الشعب سيد درويش لم يكن قد درس أو تعلم في أحد المعاهد الموسيقية العالية علوم الموسيقى التوافقية والتوزيع الآلي والغنائي ، وما إلى ذلك من التدوين الموسيقي وغيره من العلوم الموسيقية العالية ، إلا أنه قدم في مسرحيته الغنائية أوبريت (شهرزاد) نوعًا جديدًا من التلحين ، في اللحن الختامي للفصل الأول غير معروف إلا في الأوبرات العالمية ، بكلمات مختلفة ، وموضوعات مختلفة ، الأمر الذي يدل على عبقرية هذا            الدرويش .

 أقول لكم : لقد عمل سيد درويش ملحنًا لجميع الفرق المسرحية في مصر ، ففي عام 1917 ، وفي أثناء الحرب العالمية الثانية ، انتقل سيد درويش من الإسكندرية إلى القاهرة ، عاصمة الفن والأدب ، ولم يكن معروفًا فيها إذ لم تكن هناك إذاعة تنقل فنه إليها ، وعمل في فرقة جورج أبيض المسرحية ملحنًا ، وقام بتلحين مسرحية (فيروز شاه) مقابل مبلغ عشرين جنيهًا ، ولكن المسرحية سقطت سقوطًا مدويًا ، لأن جمهور القاهرة كان قد تعود على الألحان القائمة على التطريب لا التعبير ، ولكن الجمهور القاهري أخذ بعد فترة قصيرة يتنبه إلى هذا اللون الجديد من التلحين .

 ويجيء اتصال نجيب الريحاني به ليكلفه بتلحين مقطوعات استعراضية نجحت نجاحًا باهرًا ، فعين ملحنًا بالفرقة بأجر شهري بلغت قيمته 150 جنيهًا ، وتسابقت الفرق المسرحية الأخرى على طلب المزيد من ألحان الدرويش ، فقام بالتلحين لفرقة علي الكسار ، ولفرقة منيرة المهدية ، ولفرقة أولاد عكاشة ، وحفزه نجاحه المتواصل على إنشاء فرقة خاصة به ، حتى يتمكن من تقديم فنه العظيم لكل الناس ، بعيدًا عن استبداد ومتاعب أصحاب الفرق الغنائية .

 ولقد قدمت فرقة سيد درويش الخاصة أخلد مسرحياته الغنائية لأول مرة أوبريت شهرزاد ، والباروكة (الباروكة هنا ليس معناها باروكة الشعر وإنما معناها التميمة أو التعويذة ) ، وكان قد سبق له أن قدم أوبريت (العشرة الطيبة ) لفرقة نجيب الريحاني ، وهي تعد مرحلة جديدة من التطور الموسيقي ، ومن الطريف أنه في أوبريت شهرزاد قدم للجمهور لأول مرة الشاب أو الصبي محمد عبد الوهاب .

 وقد لحن سيد درويش في ست سنوات ، بين سنة 1917 وسنة 1923 ، ما يقرب من 20 مسرحية ، تزيد ألحانه على المائتي لحن ، هذا فضلاً عن الأدوار والتواشيح التي تعتبر معجزة فنية إلى يومنا هذا ، وكذلك مجموعة من الطقاطيق التي كان أهمها ـ كما ذكرنا لك ـ طقطوقة (زوروني كل سنة مرة) ، وهي التي كانت سببًا في شهرته .

 ولم يكتف الدرويش بتلحين الألحان الوطنية التي تتقد حماسة ، بل لحن لمختلف طوائف الشعب المصري التي عاش بينها ، وفي محيطها ، واختلط بها ، فقد عاش بين الحرفيين والعمال والسقائين والممرضين والجرسونات والبوسطجية ، ولحن لهم ألحانًا تصور معاناتهم لأول مرة في تاريخ الفن المصري ، ها هو يصور معاناة السقائين في مسرحية (ولو) ويهاجم شركة المياه الأجنبية ، بقوله : 

يهون الله ... يعوض الله

على السقايين ... دول شقيانين

متعفرتين ... من الكوبانية (أي شركة المياه الأجنبية )

خواجاتها جونا ... حيطفشونا

ليه بيرازونا ... دي صنعة أبونا

 وفي الاستعراض التالي نرى الصناع أو الحرفيين أو العمال في استيقاظهم المبكر ، وكفاحهم من أجل لقمة العيش ، ويقول : 

الحلوة دي قامت تعجن في البدرية ... والديك بيدن كوكو كوكو في الفجرية

ياللا بينا على باب الله ياصنايعية ... يجعل صباحك صباح الخير يا أسطى عطية

طلع النهار فتاح يا عليم ... والجيب ما فيهش ولا مليم !!

ياما شكينا وبكينا ... يا أغنية ليه ماتسعدوش ؟ !!

وفي لحن الممرضين ، يقول :

لكن بأه مهما أسينا ... في شغلنا ومهما تعبنا

راحة ضمايرنا علينا ... أكبر مكافأة يا اخوانا

 ثم هو ينادي بمشاركة المرأة المصرية للرجل المصري ، وضرورة حصولها على حقوقها كاملة ، فيخاطب المرأة قائلاً : 

دا وقتك ، دا يومك ... يا بنت اليوم

قومي ، اصحي من نومك ... بزياداكي نوم

وطالبي بحقوقك ... اليوم واخلصي من اللوم

 لعلك معي في أن كل هذه الألحان وغيرها نرى سيد درويش الفنان المرتبط بالجماهير الشعبية ، الذي يعبر عن نضالها الصعب في الحياة ، كما نرى فيه الفنان الثائر على الحياة الاجتماعية والتقاليد البالية ، وعلى تحكم المستعمر الأجنبي في اقتصادنا الوطني ، وتقاعس الأغنياء عن الاستثمار في الصناعات الوطنية المصرية التي تتيح فرص العمل للمواطنين وتعود على الدخل القومي بالنفع والفائدة ، وقد عبر بذلك عن شكوى عامة كانت نتيجتها إقدام الاقتصادي الوطني الكبير / طلعت حرب ومجموعة من الاقتصاديين الوطنيين على إنشاء بنك مصر وشركاته الصناعية الوطنية .

 وأنت ترى معي أيضًا أن سيد درويش الفنان المستنير يدعو المرأة المصرية على أن تخرج من عصر الحريم والتخلف والعبودية إلى ميدان العمل والمشاركة المجتمعية ، وضرورة الحصول على حقوقها كاملة .

 كما نراه وهو الفنان المصري الأصيل يفتخر في كل أعماله بمصريته رغم الاحتلال البريطاني الجاثم على صدر البلاد والعباد ، ويطالب دومًا كل مصري أن يفتخر بمصريته وحضارته : (أنا المصري كريم العنصرين ، بنيت المجد فوق الأهرامين ) ، كما نرى فيه الوطني الذي يذكر أهل مصر جميعًا بعظمة جيوشهم ، الحامية لهم من الأخطار على مر الأزمان (أحسن جيوش في الأمم جيوشنا) ، ويدعو الدرويش إلى محاربة أعداء الوطن والزود عنه بكل غال ومرتخص (اليوم يومك يا جنود ، ما تجعليش للروح ثمن ) .

 وكما قلت لك إن هذا الفنان العبقري الأصيل لم يدرس في معاهد أو أكاديميات عليا ، ولكنه نقل الموسيقى المصرية من عصر التطريب والتفاهة والخلاعة إلى عصر التعبير عن قضايا الوطن وهمومه ، ووصل إلى الألحان الأوبرالية من غير أن يستمع إلى الأوبرا ، وإن كان من ضمن أحلامه أن يسافر إلى ايطاليا ليدرس فن الأوبرا ، وبالطبع فإن الأجل لم يسمح له بذلك ، إلا أنه استطاع بمهارة أن يبتكر الجديد في الموسيقى دون أن ينقلب على القديم الأصيل ، وأن يحرر موسيقانا العربية من الصيغ القديمة الموروثة دون أن يهجرها كلية ، واستطاع من خلال كل ذلك أن يعبر عن الروح المصرية الصميمة ، و يثري الوجدان المصري ، وينهض بالشعور القومي ، ويؤجج الروح الوطنية .

 ولكن حياته لم تطل ليكمل رسالته ، فقد توفي إلى رحمة الله فجأة في 15 سبتمبر سنة 1923 ، وانطفأت الشعلة التي أضاءت الحياة الفنية المصرية في زمن كان ثورة 1919 تهز أركان المستعمر البريطاني ، وتتجه بالشعب المصري إلى الاستقلال والحرية .