رامي أبو زبيدة يكتب: البعد العسكري والأمني للتطبيع الصهيوني العربي

رامي-أبو-زبيدة-يكتب-البعد-العسكري-والأمني-للتطبيع-الصهيوني-العربي

أثبتت الحروب العربية – الإسرائيلية فشل الحرب في حماية "إسرائيل" ، وعجزها عن توفير الأمن لها ، على الرغم من محاولات " إسرائيل " لامتلاك مختلف أنواع الأسلحة وأكثرها تقدما وخصوصا الأسلحة النووية كضمان لأمن " إسرائيل "

 

وقد ساهمت الظروف السياسية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط في جعل " إسرائيل " تسعى إلى تحقيق السلام كجزء من حماية دولة " إسرائيل " وتوفير الأمن لها ، أن التفاوض مع العرب بضمانات دولية ، قد يلبي الحاجة إلى الأمن ، وخصوصا في ظل تزايد إدراكها ، أنها رغم تفوقها العسكري ، لم تتمكن من فرض استسلام غير مشروط على العرب ، بل على العكس فقد تمكن العرب ، من تجاوز العديد من مضاعفات وآثار هذا التفوق ، وأثبتت حرب 1973 م ، وغزو لبنان 1982 م ، وحرب تموز 2006 م محدودية القوة الإسرائيلية وعجزها

الأمن القومي الإسرائيلي كمحدد للعلاقة مع العرب

استمد الفكر الأمني الإسرائيلي شرعيته السياسية من الأفكار والتعاليم التي جاءت بها الديانة اليهودية ، وذلك في إطاره العام الذي صاغه ديفيد بن غوريون أحد مؤسسي دولة " إسرائيل " وأول رئيس وزراء للدولة العبرية ، وذلك إلى الحد الذي يمكن القول فيه إن الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية ما هي إلا الإطار الفكري والتطبيقي للعقيدة الدينية ، سواء في الدعوة للاستيلاء على الأرض " تنفيذا لوعد الرب " ، أو من خلال القناعات اليهودية الصهيونية .

وقد مر مفهوم الأمن الإسرائيلي بأربع مراحل أساسية : مرحلة القاعدة الاستيطانية ، ثم مرحلة تحويل القاعدة إلى دولة ، ومرحلة التوسع ، ومرحلة الهيمنة ، ومن هنا ندرك أسباب هذا التغيير والحراك في المفهوم الأمني لما تقتضيه السياسة التوسعية التي تنتهجها إسرائيل ، فهو مفهوم متحرك يتبدل بتبدل الظروف السياسية والعسكرية المحيطة ، كما أنه لا يعني الدفاع عن أرض محدودة ، بل يتحقق على أساس ردعي يمنع بمعطياته نشوب حرب أخرى ، إلى حين إتاحة الظروف التي تراها " إسرائيل " مناسبة لنشوب حرب تخدم مصالحها وتحقق أهدافها .

ورغم المتغيرات والحراك في مرتكزات مفهوم الأمن الإسرائيلي، إلا أنه يمكن تحديد بعض ثوابت وركائز هذا المفهوم:

1. نظرية الردع التي تبنتها " إسرائيل " في إطار عقيدتها الأمنية بهدف التقليل من احتمالات اندلاع الحرب بينها وبين العرب، ودفعهم إلى التسليم بها كأمر واقع عن طريق إقناعهم بأن أية مجابهة معها ستكون باهظة الثمن.

2. استراتيجية الحرب الاستباقية وهي صفة اتسمت بها معظم الحروب التي شنتها " إسرائيل " ضد العرب، وتشكل أحد أنماط التعبير عن مصداقية الردع.

3. مفهوم الحدود الآمنة، وهذا المفهوم يعد وفق هذه الاستراتيجية مفهوما متغيرا وقابلا للتمديد بما يتماشى مع متطلبات الأمن الإسرائيلي.

4. العمق الاستراتيجي ، والذي يعتبر غيابه من التحديات الرئيسية للنظرية الأمنية الإسرائيلية نظرا لوضع " إسرائيل " الجغرافي ، ومن هنا اعتقد مخططو نظرية الأمن الإسرائيلي أن من شأن أية حرب شاملة أن تهدد وجود الدولة ، وهو ما دفعها الى تجنب أي حرب من هذا النوع على أراضيها ، مما استوجب بلورة مفهوم نقل المعركة إلى أرض العدو لإيجاد عمق استراتيجي مصطنع .

وفي ضوء ذلك لا يمكن النظر إلى نظرية الأمن الإسرائيلية باعتبارها أداة للحماية الذاتية كما عبرت عن ذلك تاريخيا تلك التقاليد السياسية الثابتة ، التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ، إنما يمكن التعامل معها كونها المنطق الفكري الذي يراد به تبرير سياسة السيطرة وفرض الهيمنة الكاملة على الأرض ومن حولها من دول الجوار ، بهدف ردع أية محاولات لاختراقات أمنية محتملة.

من وجهة النظر الإسرائيلية فإن التسوية في الشرق الأوسط لا يمكن أن تستمر إلا إذا كانت مرتبطة بالردع الإسرائيلي، واحتفاظها بتفوق كامل على العرب، لأن أي سلام غير محمي بتفوق عسكري إسرائيلي لن يصمد طويلا في المنطقة.

تسود رؤية “ إسرائيلية ” أمنية لأبعاد السلام مع المحيط العربي ، فحاجة “ إسرائيل ” للسلام ترتبط بالخوف متعدد المصادر ( الهاجس الأمني ) ، لذلك توضح الترتيبات والمقترحات الأمنية التي تطرحها “ إسرائيل ” في المفاوضات والاتفاقات مع الدول العربية المحيطة أنها تعتمد استراتيجية تهدف إلى مواصلة أوسع قدر من السيطرة العسكرية على محيطها ، وهذا ما تعكسه بدقة المقولة “ الإسرائيلية ” “ السلم “ الإسرائيلي ” العربي سيكون سلاما مسلحا ” ، وحديث نتنياهو عن “ السلام القائم على الأمن ” ، أي على قوة “ إسرائيل ” العسكرية ، وهي تكشف عن تأثير الأيديولوجية الصهيونية وهيمنة الشأن الأمني على الشأن السياسي وأبعاد التسوية السياسية التي تتطلبها ، وضمن ذلك رؤيتها للترتيبات المتعلقة بشئون المياه والسكان والحدود والعلاقات الاقتصادية ، ولذا فإن نظرة أحادية الجانب وصيغا لترتيبات غير متكافئة تسيطر على أطروحات “ إسرائيل ” مع جوارها العرب كجزء من تنظيم شروط “ اندماجها ” الإقليمي في مرحلة ما بعد التسوية .

استراتيجية إسرائيل العسكرية ضد العرب بعد التطبيع

لم تغير "إسرائيل" من استراتيجيتها العسكرية ضد العرب بعد عملية التسوية التي بدأتها معهم ، منذ التوقيع على معاهدات كامب ديفيد مع مصر ، استمرت في بناء قوة عسكرية موجهة ضد كل العرب مجتمعين وليس ضد الفلسطينيين فقط ، وسعت إلى امتلاك القدرة والتفوق العسكري مقابل جميع الجيوش العربية ، وضمان تفوقها العسكري على الدول العربية على أساس أنهم موحدون عسكريا ضدها ، بينما تعاملت معهم لتحقيق التسوية على أساس منفرد وثنائي ، ورفضت التفاوض معهم مجتمعين .

وحسب دراسة يائير إيغرون أستاذ العلوم السياسية في جامعة تل أبيب، فإن الاستراتيجية الإسرائيلية العسكرية في مرحلة السلام، مع العرب تتلخص بالنقاط الأتية:

1. إن أكثر ما يخيف " إسرائيل " هو قيام تحالف عسكري يضم جميع الدول العربية وعلى الرغم من أن هذا الخطر قد خف بعد توقيع مصر على معاهدة السلام مع " إسرائيل " إلا أن " إسرائيل " ما زالت تخشى إعادة قيام تحالف عسكري عربي ضدها.

2. أن تبقى نسبة التفوق العسكري الإسرائيلي مع الدول العربية بمعدل 2.1 – 2.8 ل " إسرائيل " مقابل واحد للعرب.

3. إقناع الدول العربية بأنها غير قادرة على تدمير "إسرائيل" وبالتالي تصبح التسوية السياسية معها لابد منها.

4. سعي " إسرائيل " إلى عدم امتلاك الدول العربية للسلاح النووي وأنها لن تتردد في استعمال القوة النووية ضد الدول العربية لكي تمنعها من املاكه.

5. زرع الهزيمة في نفوس الأمة العربية وإذلالها وقهرها، أمام محاولات التركيز على عنصر التفوق لدى الجانب الإسرائيلي.

لهذا فإن " إسرائيل " بنت استراتيجيتها على التفوق العسكري على جميع الجيوش العربية وتعاملت معهم على أساس أن القوة العسكرية العربية مجتمعة تشكل تهديدا لأمنها ، ظلت تلك السياسة مدرجة في عداد التهديدات الكامنة المتربصة بأمنها ، حتى في حال التوصل الى تسوية مع العرب ، وإلى نقل بؤر الصراع من حدودها مع الدول العربية الى داخل تلك الدول ، وبين بعضها البعض ، وبينها وبين الدول غير العربية المجاورة لها بهدف تفتيت الدول العربية وتدميرها من الداخل وإقامة دويلات طائفية أو إثنية ، وتبديد الطاقة العسكرية العربية في الصراعات البينية ومنع قيام أي تنسيق أو تعاون أمني عربي وإحباط أي مسعى لوحدة عربية وتدمير أية قوة عسكرية عربية تطور ذاتها إلى حد ما تراه " إسرائيل " خطر عليها .