ستراتفور: بين الخليج والغرب.. تضارب المصالح يفاقم أزمة السودان بعد الانقلاب — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

ستراتفور: بين الخليج والغرب.. تضارب المصالح يفاقم أزمة السودان بعد الانقلاب

ستراتفو-بين-الخليج-والغرب-تضارب-المصالح-يفاقم-أزمة-السودان-بعد-الانقلاب

تمارس الحكومات والمؤسسات الغربية ضغوطا على الجيش السوداني الذي يقوده الفريق أول "عبدالفتاح البرهان" للتراجع عن الإطاحة بالحكومة المدنية التي يقودها "عبدالله حمدوك"، لكن دعم دول الخليج لـ"البرهان" سيعقد جهود الغرب ويؤخر التراجع عن الانقلاب.

وبعد الانقلاب مباشرة، ردت القوى الغربية والمؤسسات الدولية بإدانة قوية وإجراءات دبلوماسية ومالية، في حين استجاب جيران السودان الإقليميون ودول الخليج بدعوات هزيلة لتهدئة التصعيد.

وعلّقت الولايات المتحدة 700 مليون دولار من المساعدات، وطالب وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن" بالإفراج عن رئيس الوزراء "عبدالله حمدوك" وأعضاء مجلس الوزراء المدنيين.

وأعلن البنك الدولي تعليق جميع المساعدات للسودان.

وأوقف الاتحاد الأفريقي عضوية السودان، وكذلك أدانت الهيئة الحكومية الدولية للتنمية (هيئة دولية غير حكومية في القرن الأفريقي) تحركات الجيش، فيما عبرت تركيا وقطر عن "قلقهما" بشأن الانقلاب ودعتا إلى تهدئة التصعيد، ودعت السعودية إلى ضبط النفس والوحدة بين "جميع المكونات السياسية" في السودان.

وصحيح أن كل الشركاء الأجانب للسودان يرغبون في رؤية انتقال مستقر للسلطة، إلا إن لديهم رؤى مختلفة حول كيفية حدوث هذا الانتقال.

مواقف متباينة من الانقلاب

انخرطت كل من تركيا وقطر (من شركاء السودان الإقليميين) سابقا مع الحكومات ذات القيادة المدنية طالما يمكنها تحقيق الاستقرار، وبالتالي فإن أنقرة والدوحة لديهما مصلحة أقل في التحرك العسكري خاصة إذا تسبب في الاضطراب.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الإمارات والسعودية ومصر (لدى قادتهم جميعًا علاقات شخصية أوثق مع البرهان) أكثر تعاطفا مع الحكومات العسكرية، ويرون القيادة القوية المستبدة ضرورية للحفاظ على الاستقرار.

وفي الوقت نفسه، يتبين من الإدانة الفورية من الحكومات والمؤسسات الغربية للانقلاب أنهم غير راغبين في دعم نظام عسكري، لا سيما في وقت يواصل فيه الكثير من المواطنين السودانيين إظهار الدعم للانتقال الديمقراطي في بلادهم.

واستثمرت الولايات المتحدة ملايين الدولارات وعقدًا من الدبلوماسية في صقل السودان كشريك ضد الإرهاب وأنشطة التمويل غير المشروع، مما يعزز عزم الغرب على تسهيل الانتقال إلى المعايير الديمقراطية.

ويمتلك كل من "البرهان" ورئيس قوات الدعم السريع "محمد حمدان دقلو" (حميدتي) علاقات قوية مع السعودية بعد القتال معا ضد المتمردين الحوثيين في اليمن في عام 2015.

أما مصر (الجارة الشمالية للسودان) فقد استثمرت بشكل خاص في مسار الانقلاب، خوفًا من تسرب أي خطر من عدم الاستقرار عبر حدودها البالغة 793 ميلا (1276 كيلومترا) مع السودان.

كما يجبر الصراع الإقليمي حول "سد النهضة" الإثيوبي القاهرة على الحفاظ على علاقات جيدة مع الخرطوم.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد أتم "البرهان" عدة سنوات من التدريب العسكري في مصر وحافظ على علاقات وثيقة مع العديد من المسؤولين المصريين رفيعي المستوى.

دور المصالح المتنافسة

وتتسبب المصالح الاقتصادية المتنافسة في السودان في نتائج سياسية متباينة، حيث تركز مشاركة الغرب الاقتصادية على تخفيف عبء الديون والتطبيع مع المؤسسات المالية، لكن الإلغاء السريع للتمويل بعد الانقلاب يشير إلى أن هذه المساعدات مشروطة بظهور الحكم المدني في السودان.

كما استثمرت قطر والإمارات في البنية التحتية السودانية ومشاريعها الزراعية، وتمتلكان مساحات واسعة من الأراضي الزراعية السودانية من أجل مواجهة نقص الغذاء.

وفي حين أن دول الخليج لا تستطيع تعويض خسائر تخفيف الديون الغربية إذا ظل النظام العسكري مسيطرًا بعد الفترة الانتقالية، فيمكنها دعم البنك المركزي السوداني بالتمويل للمساعدة في معالجة أزمة سيولة السودان وتقديم منتجات الوقود بسعر مخفض.

وفي يونيو/حزيران 2021، أعلن البنك الدولي أنه سيمد السودان بأكثر من 50 مليار دولار لتنفيذ إصلاحات الحد من الفقر، وذلك بالشراكة مع صندوق النقد الدولي.

وستستمر هذه المصالح المتباينة بين الشركاء الخارجيين للسودان في إحباط استجابة دولية قوية للانقلاب وقد تطيل المسار الذي يحفز عدم الاستقرار.

مستقبل معقّد

وفيما تتكشف نتائج الانقلاب في الأسابيع المقبلة، سيستمر الجيش السوداني في سحق المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية (إلا إذا حدث تدخل دولي وهو أمر مستبعد للغاية).

ولكن قد يؤدي الضغط الداخلي من المتظاهرين والضغط الخارجي من المجتمع الدولي إلى دفع "البرهان" إلى التراجع.

ولكن في حين أن مصالح الدول الأجنبية المتنافسة في السودان تلعب بالتأكيد دورًا في حسابات الجيش، فلا دعم دول الخليج ولا الإدانة أو الحرمان من التمويل من المؤسسات الغربية سيكون كافيا وحده لتغيير الموقف. وبدلا من ذلك، ستؤدي التأثيرات الخارجية لتعقيد وتأخير النتائج المرغوبة داخليًا.

وستواصل الحكومات الغربية فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية، ولكنها ستميل أيضًا لمحاولة إنقاذ علاقتها بالحكومة السودانية في حال بقي النظام العسكري في السلطة لفترة أطول من فترة انتقالية قصيرة.

وفيما قدمت دول الخليج بالفعل موافقة ضمنية على الانقلاب، فإنها ستبقي التزاماتها تجاه الجيش السوداني بشكل غير معلن حتى يتضح أن الجيش سيحافظ على السلطة في المستقبل القريب.