سيد صابر يكتب : نوجا المطرقعة

سيد-صابر-يكتب-نوجا-المطرقعة

كفاية سياسة .... عشان في ناس بتزعل

نوجا المطرقعة

دخلت القاهرة عام ٨٤  بعد غياب ست سنوات وكأني طالب قروي يطئ المدينة لأول مرة وكأنها ليست مدينتي وعشقي ... بعد حصولي على التوجيهي الاردني حضرت للقاهرة لاكمال دراستي الجامعية ... بحثت عن اصدقاء الطفولة والمدرسة ورجعت الشلة القديمة والدفئ وبدأت استوعب المكان والزمان ... نخرج مع بعض ونسهر ونضحك ونقرأ ... كنا نتبادل سرا شرايط الفيديو وعدد طبيبك الخاص ومقتطفات من خريف الغضب ( فقد كانت حيازة الكتاب كاملا جريمة كبري ) فقد كنا نستعيض عنه بفكل طلاسم كتب اعتماد خورشيد ونخمن من تقصد من الممثلات اللواتي كتبت اسمائهن بالحروف الاولي في الكتاب ... جاءت ليلة رأس السنة وككل ابناء الشريحة الدنيا في الطبقة الوسطي وقتها تشاركنا في زجاجة زبيب من عند كاردنييس في شارع القصر العيني ويلا عالكورنيش ... النيل يجري امامنا وعلى يسارنا ميرديان القاهرة وعيوننا شاخصة الى سكن ممرضات القصر العيني ... وكلهم لهم ذكريات مع ساكنات المبني وهاتك يانخع وهرتلة وضحك على اكاذيب بعضنا البعض وخيالاتنا التي تعكسها صفحة النيل وهنا هتف كبيرنا الذي يعتقد انه علمنا الصياعة صارخاً ... سيد لازم يحتفل بليلة راس السنة ... يالا بينا على ومبي ... سقطت كلمة ومبي على مسامعي وكأنها زلزال ... ومبي ... ومبي ... ومبي بالنسبة لنا ماهو الا احتلال ثقافي امبريالى وما رواده الا حيوانات استهلاكية ... اولاد تجار الفراخ الفاسدة وبلوبيف الكلاب وبعدين هنجيب منين فلوس... ومبي ده غالى اوووي ....وهنا وقف اقصرنا طولنا ودلف يشرح لي ....ومبي ده اسم الدلع لنجوي المطرقعة ... نوجا الجامدة عندها عربية سندوتشات جبنة رومي ولانشون في الطالبية ... هتدخل عليها تعطيها خمسة جنيه وتدوس على ايدها وتقول لها اتنين قشطة بالمربي ... هتاخدك غرفتها وتعيش يامعلم ...

هوووب اتوبيس ١٠٨ عالهرم والطالبية ... لم تكن الطالبية كما هي الان مزروعة بالعمارات كانت سهل اخضر ممتد حتى اقدام ابو الهول .... بعض البيوت المضيئة وعربة نوجا المطرقعة على حواف قهوة صغيرة ... حفظوني كلمة السر التي تفتح نوجا ... اتنين قشطة بالمربي وتدوس على ايدها عند تسليمها الخمسة جنيه ... بس انا مش بحب المربي ... دفعوني ونزلت اتحسس طريقي في الظلام حتى وصلت الى تلة صغيرة تشرف على عربة نجوي ... تأملتها ... سمراء داكنة يعلوها منديل بأوية وينسدل منه بعد الخصلات النحاسية ... شعرها مصبوغ نحاسي ... وترتدي جلباب ازرق ضيق على اردافها بشكل مثير وتطرقع لبانة كبيرة بصوت غريب محدثة كرات تصطدم بسنتين ذهبيتين على حواف فمها (لذلك سميت نوجا المطرقعة ) وعلى اظافرها بقايا مانيكير مقشر مختبئ تحت طبقة من القشف والتراب ... تقدمت خائفا ومددت يدي بالخمسة جنيهات وضغطت على يدها وهممت بطلب القشطة .... لاحظت خجلي واضطرابي ... فخطفت الخمسة جنيهات وكمرتها بين ثدييها وطفقت تصرخ ... ياقليل الادب .... انت مالكش اخوات بنات  ... انا ماعنديش قشطة ... عندي لانشون ... قول لمن ارسلك هات اللي علىكم ياشوية نصابين ياولاد الكلب ... وهنا خطفني بعض شباب المنطقة من امامها ولازم ناخدك عالقسم ... ياجماعة ماينفعش كده ... احنا شباب زي بعض وهنا لمعت عين احدهم وقال لي ..... خلاص هات الساعة وروح .... الساعة يانهار اسود .... الساعة الرادو ....ديه هدية النجاح في الثانوية .... وهنا ظهر رجل كبير خلصني من بين ايديهم .... وصرخ بي اجري واوعي تيجي هنا تاني .... هرولت تجاه اصدقائى ولم يصبروا حتى اخد نفسي وكلهم فضول عما عملته معي نوجا ... وقفت وتظاهرت بالانتشاء والفخر وقلت لهم ...  بجد نوجا ديه جامدة اوووي ومزة مطرقعة .... تصدقوا انها حبتني وقالت لي تعالى كل يوم ومش هتدفع الخمسة جنيه وقالت لي انت اول واحد يدخل عندي ويعجبني كده ..... وهم يستمعون لي مبهوريين ويتلمظون لسماع المزيد ...  

والدي الله يرحمه اصبح المدير العام لفندق نينوي اوبرواي في الموصل وعلى الذهاب له للحصول على جواز سفره لاحتياجنا له لانه جواز سفر عائلة  ... في اخر يوم من عام ٨٦ دخلت بغداد فجرا للوصول الى الموصل وانا محمل بأفكار الثمنينات عن بغداد وليالى بغداد وسهر بغداد وقضاء ليلة راس السنة في بغداد وبلقيس وشعر نزار والمقررات السهلة ..دخلت موقف العلاوي في وسط بغداد فجرا وانا ابحث عن مرادي في الونس ويحركني  خيالات ماحكي لي ولم اجد سوي كبدة ومعلاق بلدي مشوي عالفحم في الشارع واستكانات الكاهي ( الشاي) التي تدور طلبا للسمر والدفئ وانتظارا لحجز تذكرة السفر للموصل .... حتى فتحت احدي الفتيات شباك حجز التذاكر ..... سمراء.... مليحة ... خمرية مشربة بالاحمرار ... هي .... اكيد هي الاخت الصغيرة لبلقيس ... سأتفوق على نزار واقول في عينيها شعراً ونثراً  وحباً ..... ولكنها عابسة  مقتضبة الحجبين ... تتحدث  مع مراجعي الشباك بعصبية والفاظ غير مفهومة  .... وقفت وكأني فرعون يتقدم لغزو بلاد الرافدين واحمل كل غرور ونزق المصري الذي تعشقه كل نساء العالم وبأبتسامة الواثق من تسليمها من مجرد رؤية ضحكة عيوني تقدمت منها وهمست .... صباح الفل .... هو القمر زعلان ليه ... تبسم .... والنبي تبسم ..... نظرت لي ملياً ثم صرخت ... روح جعمز في القاع ... كالوشي .... كالوشي وظللت تردد كلمة كالوشي حتى خطفني من امامها بعض رواد الموقف من الشباب المصريين وعندما سئلتهم بتقول ايه ... ضحكوا وقالوا لي .... بتقولك روح اقعد عالارض هناك يا اونطجي  ... يا اونطجي ... مرت الدقائق لحين حضور الباص وكأنها دهراً وانا اتحاشي النظر لها او لا اي حد في الموقف الا ان نظراتها ونظرات رواد الموقف كانت تلسع قفاي .... جاء الباص وجلست في مقعدي متحاشيها تماماً وما ان تحرك الباص نظرت لها من وراء الزجاج فأذ بها تضحك ملوحة لي بيديها ... مع السلامة .... مع السلامة

بعد عملي في الصحافة كانت لي زميلة لبنانية وكنت اتعامل معها بمنطق ان المقررات في لبنان سهلة ... سهلة ...  وهي لاحظت ذلك فقد كانت في كل حواراو اجتماع  ترد على دائما مظبوط ياعمو ... اكيد ياعمو ... كلامك مظبوط ياعمو ... مع انها تصغرني بسنتين فقط .. . وفي مرة زهقت فقلت لها انا عمو وخالو وجدو كمان  .... فضحكت ضحكة رقيعة  وقالت لي ياقليل الادب وتأبطت ذراعي لقضاء ليلة راس السنة في احد الفنادق وعلمتني اكل الكبة النيئة والكبة الحميص وتذوق الوين ورقص الصلصة والمارينجا والدبكة ورجعت الى بيتي بدون ان اتأكد من سهولة وصعوبة المقرر