شادي طلعت يكتب : العلاقات السعودية الإيرانية إلي أين — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

شادي طلعت يكتب : العلاقات السعودية الإيرانية إلي أين

شادي-طلعت-يكتب-العلاقات-السعودية-الإيرانية

إن العلاقات السعودية الإيرانية منذ نشأة الدولتين وهي في توتر دائم، فلم يخلو الحذر منها أبداً، والسبب يعود إلى التاريخ القديم، الذي يعود إلى علي إبن أبي طالب رضي الله عنه، ومعاوية إبن أبي سفيان،  ومن ثَم تقسيم المسلمين إلى (سنة) لا تعترف بحق آل بيت محمد في الحكم، وشيعة لا تقر بالحكم إلا لآل محمد إبن عبدالله. 


وكلا الدولتين دينيتين، أي أن الشريعة الإسلامية هي التي تحكم فيهما، ولكن يحكم المذهب الشيعي الإسلامي دولة إيران، ويحكم المذهب السني الإسلامي المملكة السعودية.


وبما أن كلا الحكمين ديني بإمتياز، فإن السيطرة على (أرض الحرمين) تعني الكثير، نظراً للقوة الروحانية التي تحكم المسلمين في العالم كله. 

 ومن هنا يأتي السبب الأول للصراع بين البلدين. 


كما أن إيران دولة شيعية، ولم تنسى أبداً ما حدث من جرم لإبن عم الرسول (ص) علي إبن أبي طالب، وولده الحسين، فكلاهما كان ضحية غدر وخيانة، من أشخاص محسوبين على المذهب الذي تعتمده المملكة السعودية مرجعية تشريعية لها.

 ومن هنا يأتي السبب الثاني للصراع بين البلدين. 


أما عن الثروة النفطية : فإنها تنبع من المنطقة الشرقية للأراضي السعودية، وهي مناطق ومواطن الشيعة التابعين لحكم السعودية، وإيران ترى أن الشيعة هم الأحق بتلك الثروة النفطية، وليس أهل السنة الذين يحكمونهم.

 ومن هنا يأتي السبب الثالث للصراع بين البلدين. 



وقد تأجج الصراع بيم البلدين في عدة صور، منها الاستفزاز السياسي والروحاني، كما لم يخلو المشهد من العنف، منذ تأسيس المملكة العربية السعودية في ثلاثينات القرن العشرين (الماضي)، فقد اتسمت العلاقات بين البلدين بالإحتقان الشديد، من خلال الأحداث التالية :


١- إنقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في العام ١٩٤٣م، بسبب إعدام السلطات السعودية أحد الحجاج الإيرانيين، ثم أعيدت العلاقات في العام ١٩٤٦م. 

٢- قطعت العلقات في العام ١٩٥٠م، بسبب إعتراف إيران بدولة إسرائيل، وما كان للعلاقات أن تعود لولا بزوغ نجم الرئيس المصري (جمال عبد الناصر)، والذي كان يدعو لإسقاط الحكم الملكي في البلاد العربية والإسلامية، مما أدى إلى عودة العلاقات السعودية الإيرانية بقوة، لدرجة أن إيران كانت تقدم الدعم العسكري للسعودية في حرب اليمن ضد الجيش المصري هناك، ٥ي ستينات القرن الماضي. 

٣- توترت العلاقات بين البلدين من جديد في العام ١٩٦٨م، أي بعد هزيمة جمال عبدالناصر عام ١٩٦٧م، أي بعام واحد فقط !، عندما أعلنت بريطانيا إنهاء الإنتداب البريطان على عدة دول كان من بينها (البحرين)، وهنا طالبت إيران بضم (البحرين) إليها، إلا أن السعودية قدمت الدعم الكامل للبحرين حتى تستقل كدولة ذات سيادة، وهو ما تحقق في العام ١٩٧١م، بعد إستفتاء شعبي أجرته الأمم المتحدة.



وبالرغم مما ذكرناه من مشاكل وخلافات أدت إلى صراعات فيما بين الدولتين، إلا أن حكم إيران في زمن الشاه، كان أخف حدة على السعودية في زمن حكم الملالي (رجال الدين) لإيران. 


فمنذ العام ١٩٧٩م، وهو تاريخ الثورة الإيرانية، سيطر الإسلاميون الشيعة على مقاليد الحكم في إيران، وكان أول من وقعت عليهم أنظار رجال (الملالي) في إيران، تلك الدول العربية الإسلامية المجاورة، وبالأخص السعودية ودول الخليج، وكذلك دولة العراق. 


وتبعاً لوصول رجال الملالي للحكم في إيران فقد سارع حكام دول الخليج، إلى تأسيس ما يعرف بإسم (مجلس تعاون الخليج العربي)، والذ دعمته الولايات المتحدة الأمريكية. 


ثم بدأت دول الخليج جميعها بدعم العراق تحت قيادة (صدام حسين)، ليخوض حرب بالوكالة عن كافة دول الخليج مع إيران، فكانت حرب الخليج الأولى في العام ١٩٨١م، والتي إنتهت في العام ١٩٨٩م. 


ومع هذا : وبعد وصول رجال (الملالي) للحكم في إيران عادت العلاقات الدبلوماسية فيما بين السعودية وإيران مجدداً، إلا أنه سرعان ما نشبت الخلافات من جديد بسبب أحداث العنف : 


١- قطعت السعودية العلاقات الدبلوماسية مع إيران من جديد في ١٩٨٧م، بعد مصرع أكثر من ٤٠٠ شخص أغلبهم من الحجاج، بسبب الأعمال التخريبية التي قام بها الحجاج الإيرانيين من قطع للطريق وإشعال النيران بالمركبات والممتلكات العامة والقتل بالسلاح الابيض، أثناء أدائهم فريضة الحج، في (منى) بمكة، إذ حدثت صدامات مع الشرطة السعودية عرفت بإسم أحداث مكة عام ١٩٨٧م. 

٢- قامت جماعة (حزب الله الحجاز) بعدة تفجيرات في السعودية مثل تفجير (الجعيمة) ١٩٨٧م، و تفجير الجبيل ١٩٨٨م، و قامت مجموعة (حزب الله الكويتي) بتفجير (الحرم المكي) ١٩٨٩م.

٣- ثم تمت إستعادة العلاقات في العام ١٩٩١م.

إلا أنه وقع حادث تفجير (أبراج الخبر) في السعودية في العام ١٩٩٦م. 

٤- ثم عادت العلاقات في عهد الرئيس الإيراني/ محمد خاتمي، الذي زار السعودية في عام ١٩٩٧م، في أرفع زيارة لمسؤول إيراني للسعودية منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية، ووقعت إتفاقية أمنية بين إيران والسعودية في العام ٢٠٠١م، وزار وزير الداخلية السعودي/ الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود إيران، في أرفع زيارة لمسؤول سعودي لإيران منذ عهد الملك (سعود إبن عبدالعزيز)، ولم تسجل في تلك الفترة أي إتهامات أو خلافات أو توترات واضحة بين البلدين.


بيد أن التوتر عاد من جديد بين البلدين بعد وصول الرئيس الإيراني/ أحمدي نجاد للسلطة، ومع تطور البرنامج النووي الإيراني، وسيطرة الأحزاب الشيعية المتحالفة مع إيران على السلطة في العراق  الجار الشمالي للسعودية. 


ثم زاد التوتر أكثر بعد دعم إيران للحوثيين بدولة اليمن في الفترة ما بين عام ٢٠٠٩م حتى ٢٠١٠م، إذ أن الحوثيين يعلنون صراحة مطالبتهم لإرثهم داخل الأراضي السعودية. 


وبعد الربيع العربي، وصلت الخلافات فيما بين البلدين إلى قمة الذروة، بعد أن تدخلت إيران في دولة سوريا، خوفاً من إسقاط (بشار الأسد)، ثم عودتها من جديد لتقديم الدعم العسكري للحوثيين في دولة اليمن، حتى مكنتهم من الوصول إلى السلطة. 


وفي العام ٢٠١٦م عندما أعدمت السعودية ٤٧ شخصاً من الشيعة، بتهمة الإرهاب، كان على رأسهم الشيخ (نمر النمر)، أحد كبار علماء الشيعة السعوديين، نشبت الخلافات بيما بين البلدين لتخرج من مرحلة السرية إلى العلنية، فخرج المتظاهرين الإيرانيين إلى مقر السفارة السعودية بإيران، ليحطموها، ويستحوذوا على ما فيها، مما حذا بوزير الخارجية السعودي إلى إعلان إنهاء العلاقات الدبلوماسية مع إيران.

 

ولازالت الخلافات قائمة فيما بين البلدين، وما كان لجراح الماضي أن تندمل، بل إنها وصلت لدرجة يستحيل معها العلاج، خاصة وأن السعودية الآن أصبحت محاصرة من قِبل إيران من جهان ثلاث : 


- الجهة الشمالية وهي تخص مناطق سيطرة إيران في كل من العراق وسوريا. 

-الجهة الشرقية وهي تخص إيران نفسها. 

- الجهة الجنوبية وهي تلك التي تقوى فيها شوكة الحوثيين أكثر مع كل يوم يمر، في دولة اليمن السعيد. 


هذا من جهة، ومن جهة أخرى ها هي الإدارة الأمريكية تسحب قواتها من الجهة الشرقية للسعودية، والتي كانت تعد الحصن الحصين لأي هجمات محتملة من قِبل إيران، وها هو يوم مغادرتها للشمال السعودي من كل من العراق وسوريا يقترب، وفي الوقت ذاته تركت أمريكا السعودية في مهب الريح من جهة الجنوب، لتواجه وحيدة الحوثيين في اليمن، والذين لا يخفون أطماعهم في الأراضي السعودية. 


وبناء على كُل ما سبق : 

فإنني أرى أنه لا أمل في عودة علاقات مستقرة بين كل من السعودية وإيران، فعلاقات الدول لا تبني على الإحترام والثقة والتواصل إلا بشروط، منها التساوي في القوة، والقدرة على نسيان ما فات من أذى، بشرط أن تعوضه المصالح القابلة للتحقيق. 


ولكن ... الصراع في ما بين السعودية وإيران له شكل آخر مختلف، فإيران ترى أنها لا تحارب دولة إسلامية، بقدر ما ترى أنها تحارب عائلة حاكمة وهي عائلة (آل سعود)، وهذا ما تروج له داخل الأراضي السعودية نفسها، وهو ما يلقى قبولاً لدى البعض من الشعب السعودي، وحتى وإن ظل الأمر سراً فيما بينهم، إلا أنهم يضمروه. 

لذلك فإن السعودية لا تعيش في أمان الآن، ولا أعتقد أن الأمان سيتحقق لها خاصة بعد رفع الحماية الأمريكية عنها، إلا بالبحث عن البديل، ولا بديل لها سوى مصر العسكرية، وليست مصر الدبلوماسية.


فاعتمادها على أي دولة أخرى يمثل خطراً، تماماً مثلما إستعان الخليفة العاضد في (مصر) بصلاح الدين الأيوبي، فما كان من صلاح الدين إلا إن غدر بالخليفة، واستولى على أرضه وكامل دولته.

وتحول إسم الدولة الفاطمية إلى الدولة الأيوبية.

كمن يستجير بالرمضاء من النار.