صادق الطائي يكتب: الشريف شرف… ملك العراق لشهرين — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

صادق الطائي يكتب: الشريف شرف… ملك العراق لشهرين

صادق-الطائي-يكتب-الشريف-شرف-ملك-العراق-لشهرين

ربما كانت هنالك قلة من العراقيين ممن يذكرون اسم (الشريف شرف) الشخصية التاريخية التي تذكر باسمها الأول فقط، من دون ذكر اسم الأب أو القبيلة، شخصية برزت في المشهد السياسي المضطرب، في خضم ما عرف بحركة العقداء الأربعة، أو ثورة مايس، أو الحرب البريطانية العراقية الثانية عام 1941.

الشريف شرف أحد أفراد عائلة الأشراف التي حكمت الحجاز وسوريا والعراق والأردن، في مراحل تاريخية مختلفة وهي عائلة تتحدر من نسل الرسول الكريم، اختارته حكومة العسكر، التي ترأسها رشيد عالي الكيلاني، ليكون وصيا على عرش العراق، بعد أن هرب الوصي على العرش الأمير عبد الإله إلى خارج العراق، فقام رجال الكيلاني بعزله وتعيين شرف وصيا على العرش. فمن هو الشريف شرف، الذي تسنم الوصاية على عرش العراق، وامتلك حق التحكم به؟ ولماذا اختير من بين أفراد العائلة المالكة خلفا لعبد الإله في هذا المنصب؟ وماذا حصل له بعد فشل حركة رشيد عالي الكيلاني واحتلال العراق الثاني في حزيران/يونيو 1941؟

ولد شرف بن راجح في الطائف عام 1881، وتلقى تعليمه فيها واشترك في حملة عسير سنة 1910، ثم خلف أباه في إمارة الطائف سنة 1915 في عهد شريف مكة الحسين بن علي. وكان أحد أهم رجال الأمير عبد الله بن الحسين، إذ ساهم بدور فعال في حشد القبائل إبان الثورة العربية الكبرى عام 1916، لمهاجمة الأتراك داخل تحصينات الطائف، وعندما استسلمت الفرقة التركية انتقل إلى المدينة المنورة، وانضم لجيش الأمير فيصل بن الحسين، وأصبح مساعده الأول في قيادة الجيش حتى دخوله سوريا، ليعود بعدها إلى الحجاز ويبقى ملازما للملك علي بن الحسين ملك الحجاز حتى انهيار مملكته بعد انكسار جيشها أمام قوات سلطان نجد عبد العزيز بن سعود عام 1925. انتقل شرف بن راجح مع الملك علي إلى جدة أولا، ثم رافقه في رحلته إلى العراق، حيث نزلا هو والملك علي ضيوفا على الملك فيصل الأول، وقد وصفت بعض التقارير البريطانية شخصية الشريف شرف بأنه قيادي ناجح في العمل العسكري وتحشيد وقيادة القبائل. أما عربيا فكانت أول إشارة ورد فيها ذكره في 9 تموز/يوليو 1913 في مقال نشر في جريدة «المفيد» البيروتية كتبه رياض الصلح، الذي أصبح لاحقا أول رئيس وزراء لبناني بعد الاستقلال. يمكننا القول إن أهم دور سياسي لعبه الشريف شرف في العراق هو الوصاية على عرش الملك الطفل فيصل الثاني، حينها بات الممثل الدستوري لعرش العراق، فقد تصاعدت الأزمة في نهاية عهد حكومة طه الهاشمي في نيسان/إبريل 1941 وتزايدت ضغوط العقداء الأربعة، الذين مثّلوا مركز الثقل في الجيش العراقي، والذين رفضوا تسهيل مهمات مرور القوات البريطانية في العراق إبان الحرب العالمية الثانية، ما خلق أزمة ثقة بين الجيش والعرش، وممثله الوصي الأمير عبد الإله بن علي.

شخصية برزت في المشهد السياسي المضطرب، في خضم ما عرف بحركة العقداء الأربعة أو الحرب البريطانية العراقية الثانية عام 1941


وابتدأت القصة عندما أطاح العسكر بحكومة طه الهاشمي، الذي أجبر على تقديم استقالته، وهرب عبد الإله من بغداد إلى البصرة يرافقه جميل المدفعي وعلي جودت الأيوبي، ومن مقر إقامته في بارجة حربية بريطانية راسية في الميناء، حاول عبد الإله التحشيد ضد قوى الجيش الملتفة حول رشيد عالي الكيلاني، وحاول تحريك عشائر الوسط والجنوب للقيام بتمرد عشائري ضد حكومة بغداد، إلا انه فشل في ذلك، ومع الضغط المتزايد لم يبق أمام عبد الإله سوى المغادرة بطائرة بريطانية إلى القدس، ترافقه شخصيات سياسية مهمة من رؤساء الوزارات مثل، نوري السعيد وجميل المدفعي وعلي جودت الأيوبي، وقيل إن البريطانيين وضعوا تحت تصرف عبد الإله مبلغ 100 ألف باوند إنكليزي لتغطية مصاريفه، ولتوفير مستلزمات سعيه لإقامة حكومة منفى في القدس، يعاونه في ذلك عمه الأمير عبد الله أمير شرق الأردن.

وقع البلد في فراغ دستوري نتيجة غياب الوصي، لذلك أعلن تشكيل حكومة طوارئ سميت بـ (حكومة الإنقاذ الوطني) وعُرض على رشيد عالي الكيلاني أن يحكم دون شرعية دستورية نتيجة غياب البرلمان، إلا إنه رفض ذلك، عندها تقدم الفقيه الدستوري العتيد ناجي السويدي بحل قانوني مفاده، دعوة البرلمان بغرفتيه (النواب والأعيان) لعقد جلسة طارئة يتم فيها عزل الأمير عبد الإله من الوصاية على العرش، واختيار شخصية بديلة لتسيير شؤون البلاد. لم يكن رشيد عالي الكيلاني ومن خلفه العسكر يثقون بشخصيات من العائلة المالكة لتولي منصب الوصاية، ومن بينهم الأمير زيد بن الحسين الأخ الأصغر للملك المؤسس فيصل الأول، أو الأمير عبد الله أمير شرق الأردن وأكبر أفراد العائلة الهاشمية، نتيجة قربهم من بريطانيا، كما لم تكن هنالك إمكانية تشكيل مجلس وصاية من سياسيين عراقيين خوفا من الخلافات، لذلك تم اختيار الشريف شرف لهذا المنصب، وهو شخصية معروفة لدى أغلب الضباط الشريفيين، الذين قاتل معهم في جيش الأمير فيصل في ثورة 1916، كما أن شرف بن راجح كان معروفا بأنه شخصية عروبية يحترمها الجميع.

تم اعلان الشريف شرف وصيا على العرش في البرلمان العراقي يوم 10 إبريل 1941، وأقسم اليمين الدستوري، وباشر مهمات العرش الدستورية مباشرة، إذ قبل استقالة وزارة طه الهاشمي، وأنهى عمر الحكومة المؤقتة (حكومة الإنقاذ الوطني) وتم إعلان العودة للعمل بالدستور وتكليف رشيد عالي الكيلاني بتشكيل الحكومة الكيلانية الرابعة في 12 إبريل 1941. أقلق تسنم الشريف شرف الوصاية على العرش حكومة تشرتشل في لندن، وزاد من قلقها التقارب والميل الذي أبدته حكومة الكيلاني تجاه ألمانيا النازية، التي كانت موجودة في الشرق الأوسط في سوريا ولبنان الخاضعتين لانتداب حكومة فيشي الفرنسية التابعة لألمانيا النازية، هذا الأمر دفع البريطانيين للتحرك السريع تجاه بغداد، وإعلان بدء العمليات العسكرية انطلاقا من قاعدة الحبانية، واستمر القتال طوال شهر أيار/ مايو 1941، ومع نهاية الشهر ونتيجة عدم تكافؤ القوة، انهارت القوات العراقية وأعلن ما عرف باحتلال العراق الثاني في 1 يونيو 1941. سبقت انهيار حكومة الكيلاني بيومين، مغادرة الشريف شرف، ورئيس وزرائه الكيلاني، ومفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني العراق، حيث لجأوا إلى إيران أواخر أيام ملكها رضا شاه بهلوي الذي كان بدوره متعاطفا مع ألمانيا النازية، ورافضا التعاون مع البريطانيين في الحرب، لكن وبعد شهر واحد فقط عزل البريطانيون رضا شاه في تموز/يوليو 1941 ونفوه إلى جنوب افريقيا، ونصبوا ابنه محمد رضا بهلوي ملكا على إيران، ومارسوا ضغوطا شديدة على الحكومة الإيرانية لتسليم اللاجئين السياسيين العراقيين إلى الحكومة العراقية التي تشكلت عند عودة الأمير عبد الإله إلى العراق.

تمكن الكيلاني والمفتي الحسيني من الهرب من إيران في اللحظة الأخيرة إلى تركيا ومنها غادرا إلى ألمانيا، فيما اعتقلت الحكومة الإيرانية بقية اللاجئين العراقيين ومن بينهم الشريف شرف، وتم نفيهم في رحلة مرهقة ابتدأت في سجن الأحواز وصولا إلى جنوب افريقيا مرورا بكينيا، وقضى في معتقل سالسزبري مع السياسيين العراقيين قرابة أربعة أعوام مضنية، ونتيجة الظروف الصعبة في المعتقل توفي السياسي العراقي والفقيه الدستوري ناجي السويدي في المنفى، ودفن هناك. كتب المؤرخ الاردني الدكتور علي محافظة سيرة الشريف شرف بن راجح في كتاب بعنوان «الشريف شرف بن راجح.. من الثورة العربية الكبرى إلى ثورة العراق القومية 1941» وقد وصف في أحد فصوله حقبة النفي والاعتقال التي مرّ بها الشريف شرف، حتى أعاده الإنكليز من منفاه إلى العراق عام 1944 لتتم محاكمته عسكريا ويسجن في معتقل أبي غريب لمدة ثلاث سنوات. وقد عانى الشريف شرف من قسوة المعاملة وهو رجل كبير السن، إذ رفض الأمير عبد الإله عودة عائلة الشريف التي كانت تقيم في تركيا في ظروف صعبة، لذلك أعلن شرف بن راجح إضرابا مفتوحا عن الطعام حتى شارف على الموت ونقل إلى مستشفى الكرخ، ورغم الظروف الصحية الصعبة التي عانى منها، إلا أنه قضى مدة سجنه كاملة، ولما خرج من المعتقل تلقى من ملك الأردن عبدالله بن الحسين الدعوة للإقامة هو وعائلته في عمان، التي انتقل للعيش فيها عام 1947.

احتفى الملك عبد الله بصديقه القديم، والرجل الذي حارب معه ضد الأتراك قبل ثلاثين سنة، وأصدر أمرا ملكيا بتعيين الشريف شرف بن راجح عضوا في مجلس الأعيان، وأنعم عليه بوسام النهضة العربية من الدرجة الأولى .وعاش الشريف شرف سنواته الاخيرة في عمان حتى توفي ودفن فيها عام 1955، وتأبى سيرة الرجل إلا أن تستمر عبر الأدوار السياسية الفاعلة التي لعبها أولاده في المملكة الأردنية، اذ أصبح ابنه الشريف عبد الحميد شرف أصغر رئيس وزراء في تاريخ الأردن في عهد الملك الحسين بن طلال.

كاتب عراقي

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "180 تحقيقات"