عبدالعزيز عاشور يكتب : واحد وشايل دقنه ( لحيته ) انت زعلان ليه ؟

عبدالعزيز-عاشور-يكتب-واحد-و-شايل-دقنه-لحيته-انت-زعلان-ليه

مثل كان يقال على ألسنة الكبار عندما كنا صغارا ،

كان يقال فى وجه من تدخل فيما لا يعنيه وعاب على غيره ما لا يضره هو بشيئ ..

طبعا وبمنطق المقابلة فهذا العرف المستقر كان يعنى أنك حر ما لم تضر ..

وأنك يمكنك أن تطلق لحيتك ولو بلغت مستوى صدرك دون أن يرى أحدهم فى ذلك ما ينكره عليك ..

فى تلك الأيام لم تكن اللحية تشاهد فى وجه أحد الا نادرا ..

وحتى شيخ الجامع الذى كان يصعد المنبر ويصلى بنا فى المسجد الجامع الوحيد بقريتنا كان حليق اللحية دوما رغم أنه يرتدى العمة والجبة الأزهربة ( الكاكولا ) ..

مرت الأيام والسنون والعقود على هذا العرف المستقر حتى جاء يوم أصبحت اللحية ( الذقن ) تعبيرا عن توجهات فكرية لم يعتدها المجتمع ،،

ثم تحولت مع مرور السنوات الى أن تصبح اللحية رمزا لجماعات بعينها وسلوكيات بعينها ..

ومرت السنون حتى أصبحت اللحية تمثل مصدر قلق وتوجس من السلطات من كل واحد قرر يطلق لحيته ويبقى ( شايل دقنه ) ..

ولم يعد للمثل الشعبى المستقر فى الوجدان ثمة اعتبار فى نظر السلطات ولها فى ذلك مبررات شتى تقبلها او لا تقبلها ..

ولكن ذلك أصبح واقعا لا فكاك منه ..

قد يكون من حسن الطالع أو سوئه أننى قررت إطلاق لحيتى فى العام ١٩٨٦ رغم بوادر كانت قد ظهرت لمواقف سلطوية هيستيربة من هذا السمت الذى لم يكن معتادا فى المجتمع المصرى حتى سبعينات القرن الماضى ..

قررت إطلاق اللحية دون تفكر فيما يمكن أن يكون لذلك من عواقب فما اعتدت أن أفعل ما أفعل سعيا لرضا هذا او ذاك الا من وجب السعى لإرضائهم ..

عمايل اللحية ومفارقاتها طوال هذه السنوات والعقود تحفل بما يمكن أن يراه البعض نوادرا وما يراه غيرهم مآسيا ..

والعجيب أننى دوما كنت أرى كل ما يجرى وكأنه من طبائع الأمور ..

كان الأثر الأول لهذه اللحية عندما قررت اطلاقها فى العام ١٩٨٦ أنه كلما دخل على رجل سعودى فى البنك الذى كنت معارا للعمل به فى مدينة جده كان يقف امامى وبشكل متكرر منهم جميعا على وجه التقريب ..

يقف فاغرا فاه مشدوها ثم يطلق عبارة وكأنها من المحفوظات :


                  يا للهول ….  مطوع يعمل فى بنك ؟؟

طبعا عارفين ان مطوع عندهم يعنى شيخ من جماعة الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، 

حيث كان الراسخ فى الأذهان وفق أقوال كل شيوخهم أن البنوك ربا محض وحرام لا يجوز التعامل معها فما بالك بالعمل فيها ،،

لكن يستنكرون عليك العمل بالبنك وهم يتعاملون معه فى كل شئونهم كبرت ام صغرت ..

ما علينا ..

تكرار إلقاء هذه العبارة على مسامعى بشكل منتظم جعلنى أتوجس خيفة ..

وحين يجتمع التوجس وقلة المعرفة وبحكم الثقافة السمعية خصوصا فى أمور الدين بدأت وعلى التوازى مع جمع الكتب لقراءتها بدأت باللجوء الى الشيوخ المقربين منى ..

وتكالبت على الكتب الرائجة هناك مع شيخ مصرى صديق يصغرنى بسنوات قليلة كان رغم شبابه واحدا من قيادات تنظيم الجهاد ،،

وكان من أثر اجتماعهما على لسنوات أن فعلت ما رأيته إيثارا للسلامة فتقدمت باستقالتين فى يوم واحد ،،

احداهما للبنك المعير فى مصر وهو بنك القاهرة والأخرى للبنك المعار اليه وهو بنك القاهرة السعودى وتركت عملا يحبنى وأحبه ويشار لشخصى فيه بالبنان لتميزى ونبوغى فى عمل أحبه ،،

وخرجت منهما لا ألوى على شيئ وكما يقال على غير هدى وفى كنفى حينها زوجة وخمسة أطفال صغار أكبرهم لم يكمل السادسة من العمر ..

أما المفارقات الشخصية التى لا تخلو احيانا من طرافة واحيانا من سخافة فحدث ولا حرج ..

وسأتخير منها نماذج بعينها تبين كيف أصبحت هذه اللحية عبئا على صاحبها فى بعض الأحيان خلافا للمستقر فى وجدانه من المثل الشعبى القديم : 

             واحد وشايل دقنه وانت زعلان ليه ؟

وكانت المفارقة الأولى أننى كنت على وشك التشارك تجاريا بعد تركى للبنك مع شاب سعودى يصغرنى ببضع سنوات ولكنه كان الساعد الأيمن للمهندس أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة فى أوج نشاطها فى باكستان وأفغانستان ..

ولكن الله سلم ..

وهذا ما سنتناوله فى المرة القادمة ،،

ثم توالت المفارقات فقبل وقوع جريمة اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب بيوم واحد كان موعد سفرى للقاهرة لمتابعة عملى الجديد والداخلية بكل أجهزتها مستنفرة بسبب من قاموا بالإغتيال فكان ترصدهم لكل ذى لحية  ..

وهذا ما سنتناوله فى المرة بعد القادمة ..