عبدالعظيم حماد يتذكر : أيامي في سياسة واقتصاد

عبدالعظيم-حماد-يتذكر-أيامي-في-سياسة-و-اقتصاد

أختيار الكلية 

بعيدا عن الأساطير التي أحاطت بتأسيس الكلية ، كالقول بأنها كلية الصفوة الجديدة النظام يوليو ۱۹۵۲ ، أو أنها أنشئت خصيصا لتدرس فيها هدى جمال عبد الناصر ، كانت أول فكرة مهيبة ومبهمة في الوقت نفسه كونتها عن كلية الاقتصاد والعلوم السياسية هي تلك التي خرجت بها من قراءتي لصفحة كاملة بجريدة أخبار اليوم كان يحررها أسبوعيا الكاتب ذو القلم الرشيق محمود عوض تحت عنوان ( مصري بمليون دولار ) وكنت وقتها في السنة الثانية من المرحلة الثانوية ۱٦٩۷/٦٦ وكان مبلغ مليون دولار وقتها تهتز له القلوب وتدور به العقول ، وكان هذا المصري الذي تساوي قيمته هذا المبلغ هو الدكتور حامد ربيع أستاذ كرسي النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية كما قدمه محمود عوض ،

ساردا بالتفصيل عناوین شهادات الدكتوراه السبع التي حصل عليها والجامعات المانحة إياها له ، وشارحا فلسفة تأسيس هذه الكلية ، لتزويد الدولة والوطن بالكوادر المتخصصة في كل مناحي العمل السياسي ، والاقتصادي في عصر ما بعد الاستعمار ، ومرحلة الآمال الكبرى ، والدور الاقليمي والدولي الكبيرين للدولة المصرية انها اذن كلية مهيبة ما دام أساتذتها وما دامت مهامها على هذا المستوي ، سيما بعد أن قادني الاهتمام بما قرأته الي معرفة بعض الأسماء المدوية من زملاء حامد ربيع من أساطين هيئة التدريس بالكلية وكان منهم الدكتور بطرس بطرس غالي والدكتور زكي شافعي ، وكذلك الدكتور رفعت المحجوب الذي كان اسمه لامعا بين زملائنا الأكبر سنا ممن انخرطوا في منظمة الشباب الاشتراكي آنذاك ، والأهم كان الدكتور لبيب شقير وزير الاقتصاد ( ورئيس مجلس الشعب ) لأنه كان من مدينة منوف ، التي تقع فيها مدرستي الثانوية ، وأعرف أسرته ، ومنها زوج شقيقته مدرس أول علم الاجتماع في مدرستنا ، وقبيل ذلك مباشرة ، وفي أول يوم دراسي من السنة الأولي الثانوية كان الناظر قد استضاف الطالب الأول على الجمهورية في شهادة الثانوية العامة في العام الدراسي المنقضي ابن مدرسة منوف الثانوية ليكون هو خطيب طابور الصباح عله ينفخ فينا من روحه ، وكان هذا الطالب هو الدكتور كمال المنوفي ، الذي قال لنا انه سيدرس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . كان شغفي المبكر بالشأن السياسي داخليا وخارجيا وبالتاريخ والجغرافيا هو الذي جعل مقال محمود عوض عن حامد ربيع ومثال كمال المنوفي ، فضلا عن متابعتي لبقية الأسماء الكبيرة

 المذكورة أثرا لتحديد وجهتي الجامعية ، وبالطبع لا يخلو الأمر من خيالات المراهقة الحالمة بالوظائف الكبرى والشهرة ، ولا من نزعات الشعور بالتميز عن زملاء الدراسة الأقل تفوقا ، لكنها كانت بصدق دوافع ثانوية ، أما الشغف بالشأن السياسي فربما يعود الي مؤثرات أسرية ، اذ كان والدي وأصدقاؤه من المهتمين بهذا الشأن ، وكنت أسمع أحاديثهم المتكررة عن ناصر وایدن ودالاس ونوري السعيد والملك سعود وعن تشرشل وهتلر وعن النحاس والملك لكن الحدث الذي " سيس طفولتي وصباي ثم حياتي بالكامل " كان تأميم قناة السويس ثم العدوان الثلاثي بعدها ، فقد صحبني الوالد معه لتلبية دعوة أحد أصدقائه للاستماع الي خطاب جمال عبد الناصر في الراديو ) ليلتها ( ۱۹۵٦/۷/۲۹ ) كما جرت عادة الناس في تلك الأيام ، وكنت في السادسة من عمري . وفجأة سمعت الجميع يصرخون ، ورأيت بعضهم يجهش بالبكاء ، لكن الذي طبع كل هذا في ذهني أن الرجل الذي يحمل موقد الفحم الذي سيغلي عليه الشاي أسفل الشرفة الي وسط الجالسين عليها ما إن سمع قرار التأميم حتى ترنج من الفرحة ليسقط من آخر درجات السلم وفوقه الموقد بلحمه المشتعل ، ثم بعد حادثة الموقد جاءت رعود طائرات العدوان ، وهي تخرق حاجز الصوت في سماء الدلتا ، لأفهم مبكرا علاقة الحرب بالسياسة . يمكنني أن أضيف أحداثا كثيرة مهمة تتالت ، لكن تبقي حرب التحرير الجزائرية ( ۱۹۵٤ - ۱۹٦۲ ) وأزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا ( ۱۹٦۳ ) التي حبست أنفاس جميع البشر هلعا من الحرب العالمية النووية هما الأكثر إثارة في وعيي المبكر بالشأن السياسي ، بعد تأميم قناة السويس . 

ثم جاء اليوم الموعود في السنة الجامعية ۱۹٦٨ / ۱۹٦٩ 

 صحيح أننا كنا قد درسنا في المرحلة الثانوية ( القسم الأدبي ) إجباريا مقررات في الاقتصاد والاحصاء وعلم الاجتماع وعلم النفس فضلا عن التاريخ والجغرافيا ، وما كان يسمي وقتها ( كتاب المجتمع ولكن يا للهول ما هذه الطلاسم العائمة أو الغارقة في بحار بلا شطان في الفكر السياسي والتاريخ الاقتصادي وبحوث العملية الإحصائية ، ثم العلوم السلوكية وعلم النفس الاجتماعي فضلا عن المدخل في القانون .. الخ ؟ حتى يومنا هذا ما زلت أعتقد أن الدراسة الثانوية عندنا ليست كافية ، برغم تفوقي ، لإعداد طالب جامعي بسبب تلك التجربة شخصيا بقيت فترة طويلة نسبيا من الوقت لا أعرف رأسي من قدمي . تائها لا أستطيع الإمساك بأول خيوط تحديد موضوع البحث المحدد في كل واحد من تلك التخصصات وغيرها . وما إن بدأت إمساك الخيوط وترتيبها حتى توقفت الدراسة وأغلقت الجامعات لفترة ۵۰ يوما تقريبا بسبب المظاهرات الطلابية ( بعد صدور أحكام الطيران التي برات أو حكمت بأحكام مخففة على قادة السلاح الجوي في كارثة قصف طائراتنا على الأرض في أول ساعات حرب ۱۹٦۷ ) .

 أساتذتي الرواد

 على أية حال انقضت تلك البداية الصعبة بسرعة ودخلنا في الجد وتعرفنا بمضي الوقت على أساتذتنا فتح الله الخطيب ( العميد ) ورياض الشيخ وسلوى سليمان وصفي الدين أبو العز ولويس كامل مليكة ونادية مكاري وفي السنة التالية عرفنا مصطفي السعيد وعز الدين فودة وفؤاد هاشم وابراهيم صقر وعبد المجيد فراج الذي درس لنا مقرر الإحصاء التطبيقي ، عائدا من العمل في الأمم المتحدة والذي كان مستاء ولكن بخفة ظله المحببة والمشهورة من عدم الإشارة الي قسم الإحصاء في مسمي الكلية . وكان الدكتور فراج هو الذي أنزلنا من البرج العاجي الذي شيدته أسطورة الصفوة والمجاميع الكبيرة في الثانوية لطلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الخارجين توا من مرحلة المراهقة نحين قال لنا مداعبة ، 

بالطبع أنتم دخلتم هذه الكلية لكي تخرجوا سفراء ومخططين اقتصاديين ، وفي هذا فأنتم تشبهون طلاب كليات الحقوق التي اشتهرت بتخريج الوزراء قبل ۱۹۵۲ ، ولكن سرعان ما كانت آمالهم تتضاءل ، بعد التخرج ، من الوزارة الي النيابة والقضاء ثم المحاماة ثم الي مجرد وظيفة كتابية ، فيا شباب ركزوا علي العلم والتعلم ، قبل الوظيفة والمنصب ، ولا تفصلوا عن واقع مجتمعكم كثيرا " في السنتين الثالثة والرابعة علوم سياسية والدراسات العليا - التي لم أستكملها بسبب الانغماس في العمل الصحفي - كنا علي الموعد مع الأسطورتين حامد ربيع وبطرس غالي وهما أغني الأساتذة عن التعريف ، لكن سوف أختص الدكتور حامد بالشهادة بأني لم أحط إحاطة شاملة بما يسمي العلم السياسي موضوعا ومنهجا ونظريات وتداخلات مع العلوم الأخرى إلا علي يديه ، وأختص الدكتور بطرس غالي بالشهادة له بتعليمنا قواعد البحث والكتابة ، فإليهما يعود الفضل ( دون انکار فضل بقية الأساتذة ) في امداد العمل الصحفي والإعلامي في مصر بالكوادر المؤهلة والمتخصصة في التحليل والتعليق السياسيين محليا ودوليا ، ليس فقط من خلال مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، الذي تأسس على أكتاف أساتذة وخريجي الكلية ولكن ايضا في المجري الرئيسي للعمل الصحفي اليومي ، وقد كنت شخصيا من الذين اختاروا الانخراط في ذلك المجري الرئيسي مبتدئا بالعمل في أقسام الأخبار والتحقيقات الخارجية . ولأن الكلية هي أيضا وحدة أو مؤسسة اجتماعية ، لم يكن الأساتذة مجرد عقول علمية تؤدي وظيفة التعليم والتدريب على البحث والتفكير والتقويم والامتحان ، ولكنهم مثل أقرانهم في كل مكان وزمان ، بشر طبيعيون لكل شخصيته ومزاجه وهواياته وتحيزاته وصداقاته ومنافساته ان الم نقل عداواته ، فكان الدكتور ابراهيم صقر أصرح الجميع في مواقفه اليسارية ) وآرائه السلبية في زملائه الليبراليين وكان الدكتور عز الدين فودة الأكثر انتشاء بأفكاره ومنهجه وكان الدكتور عمرو محيي الدين الأكثر جاذبية لانتباه زميلاتنا بحاجبيه العاقدين ووسامته طبعا ، بالإضافة العلمه وقرابته من زكريا وخالد محيي الدين . أما د مصطفي السعيد فكانت سيارته الشيفروليه الفارهة التي عاد بها من عمله في الكويت على ما أتذكر هي ما يلفت نظر الطلاب بالإضافة الحيويته وشبابه

وكانت رؤية د فتح الله الخطيب مع زوجته في حديقة جروبي في بعض الأمسيات خبرا يتناقله طلاب السنة الأولي . أما الأعجوبة فكانت امتلاك د بطرس غالي ( سويتش ) تليفون كامل في منزله مفهوم أن أشهر أساتذتنا صعوبة في التعامل الي حد الخشونة أحيانا كان الدكتور حامد ربيعة ، ولكنه كان فعلا حالة فريدة في أشياء كثيرة وليس فقط في تبحره الأكاديمي . فقد كان مثلا لا يمتلك سيارة ويأتي الي الجامعة مشيا من مسكنه في ميدان الجيزة ويغادرها مشيا وكنت أراد في أيام الامتحانات سائرا ( بملابس كاجوال ) في الشوارع الداخلية وهو مستغرق في تفكير عميق لا يقطعه إلا حركة يده من وقت لآخر لتستخرج حبة فول سوداني من جيب جاكته الصيفي ليضعها في فمه . ذات يوم وبعد مكوثه معنا لمدة 6 ساعات متصلة إلا من استراحة ربع ساعة في قاعة بحث ، طرأ على ذهني سؤال وأنا في طريق الخروج من القاعة فيما كان يلملم أوراقه فتوقفت لأسأله ذلك السؤال . فرد علي ضاحكا : " یا رجل يا مفتري بعد 6 ساعات علي لحم بطني الا من شوية تراب اسمه " بن " جاي تكلمني في هيجيل وماركس ، يا عم كلمتي في الملوخية بالأرانب ؟ " لكن الذي لم يكن يباري في خفة الدم وسرعة البديهة كان د بطرس غالي . وأختار نادرة له هي الأجمل وان كانت قد حدثت بعد عقود من التخرج فقد زارنا ليهنئ بصدور صحيفة الشروق ( التي شرفت برئاسة تحريرها ) وكان العنوان الرئيس ( باللون البرتقالي ) عن طموح جمال مبارك لخلافة والده في رئاسة مصر ، فسألت الدكتور بطرس " ما رأيك في هذا الكلام يا فندم ؟ فرد علي الفور ، " أنا مبعرفش أقرا برتقالي " يبقي أن استعادة هذه الذكريات والدروس والأفاضل لا تكتمل إلا بالتنويه بدور دفعة ۱۹۷٢ التي أنتمي اليها في الحركة الطلابية وفي الحركة السياسية بتياراتها المختلفة بعد التخرج فقد كان من مفاخر هذه الدفعة الزملاء أحمد عبد الله ومحمد السيد سعيد ومحمد السعيد ادريس وطه عبد العليم جنبا الي جنبا الي جنب مع الزملاء الذين أصبحوا من أعلام هينة التدريس بالكلية ، مصطفي علوي ونادية مصطفي ومنى العيوطي وسميحة فوزي والسفراء عزمي خليفة وخير الدين عبد اللطيف وعبد الفتاح عز الدين وكثيرين أخرين ، وزميلي في الأهرام اليومي عبد العليم محمد وعبد العاطي محمد وغيرهم كثير في بقية الصحف والمؤسسات الإعلامية في مصر وفي الخارج ، وهكذا سمحت لنا كلية الاقتصاد ان نطل على تضاريس الوطن ، وتلافيف السياسة ، وأعطتنا مثالا للحياة بتعقيداتها وحلاوتها ، قبل أن تنطلق خارجين لنجرب بأيدينا ما نحن مؤهلين لها