عبدالعظيم حماد يكتب : المصريون والعيش شذرات من سوسيولوجيا الفقر

عبدالعظيم-حماد-يكتب-المصريون-و-العيش-شذرات-من-سوسيولوجيا-الفقر

يتذكر كل من عاش في الريف مثلي في خمسينيات القرن الماضي   وقبل أن تظهر أو تعم  نتائج التحولات  الاجتماعية والتنموية الإيجابية للاندفاعة الأولي الحماسية والجادة  لنظام يوليو ١٩٥٢   (مع  تحفظي علي  جوانب أخري في هذه المرحلة   وإدانتي المتكررة للكوارث الكثيرة  التالية والمستمرة لهذا النظام )   ……يتذكر هؤلاء بعض القصص والأمثال الشعبية حول علاقة الفقراء برغيف العيش. خاصة رغيف القمح     ( وكانوا هم الأغلبية )وهي في مجملها تلخيص لثقافة الفقر والجوع والرضا بل السعادة بالقليل وبالتالي فكانت مؤثرا قويا في أنماط التربية  وسائر العلاقات الأسرية و الاجتماعية ككل

مبدئيا كان العيش هو النعمة     فيما كان اللبن هو الخير   ومؤكد أننا نتذكر  القسم المغلظ بالنعمة  الذي  يجب أن لا يشك في صدقه أحد بوضع الرغيف علي العين   كما نتذكر طقس تقبيل اليد علي اللقمة  التي  يعثر عليها الشخص ساقطة سهوا. أو ملقاة قصدا.للكلاب مثلا  في الطريق  ثم وضعها بجانب أقرب حائط كي لا تداس بالأقدام مع  الاستغفار المتكرر 

ولندرة رغيف القمح في يد الفقراء كان يضرب بالتطلع اليه المثل علي الطمع  المستهجن. فيقال (شحات وعاوز عيش قمح !)

أما اعتبار الرغيف عموما هو  الرفاهية  والأمن. فخذ عندك : ان لقينا العيش يبقي المش  شبرقة.  واللي عنده العيش ويبله عنده الهنا كله     والعيش مخبوز والمية في الكوز   واللي يعوز غير كدة يعوز 

كان رغيف القمح بالذات يكاد يكون مقدسا بالمعني الديني حرفيا مثل اللبن       فمثلا كان  يكره تضمين وجبة الفلاح في الحقل أرغفة القمح حتي ولو كان  صاحب الحقل نفسه هو من سيأكل. وقد أدركت في طفولتي رجلا مسنا  محني الظهر كان أشهر ما في سيرته البائسة  أنه كاد يطلق زوجته  لأنها ذهبت اليه في الحقل برغيف قمح  مع المش والبصل  ولم يكن هذا البذخ من جانبها  الا صدفة محضة  لأن ذلك  حدث في ثاني أيام أحد الأعياد   وكانت قد خبزت  عيش قمح  من أجل العيد  كما كانت تقضي طقوس  الحياة في الريف.  ففكرت أن تكرم زوجها الشقيان في الغيط برغيف ناعم سهل المضغ والابتلاع بدلا من أرغفة الذرة الخشنة الصلبة . ولكن الرجل -خوفا من زوال النعمة بسبب هذا البطر - ثار عليها  قائلا : يا مرة يا مجنونة هو احنا كفرة عشان تجيبي عيش قمح في الغيط   يا. ولية خافي النعمة تزول من وشنا ويقال انه كاد يضربها بالفرقّلة التي كانت في يده  كسوط بدائي يهمز به   البقرة التي تجر الساقية   وفكر في تطليقها  كفارة للمعصية التي ارتكبتها   (  أقسم بشرفي أن هذا حدث   بالتأكيد )

من أجل ذلك كان  أبناء الموسرين في القرية خاصة أبناء الموظفين    وطبعا كانوا  الأقلية يعيرون زملاءهم أبناء الفلاحين الفقراء عند الشجار  في المدارس  أو في ساحات اللعب  بأنهم لا يأكلون عيش قمح الا في الأعياد

ولأن الفقي أي قارئ القرآن علي المقابر. أو  في المنازل  وكذلك خدام المساجد  ومقيمي الشعائر والحلاقين  لم يكونوا مزارعين  ولو بالاستئجار  فقد كانوا يعيشون علي ما يعطيه لهم المزارعون من خبز.      أو حبوب   من العام للعام   كأجور. وبالتالي فقد كان  الرغيف لديهم أغلي كثيرا  من بقية أهل القرية.كنسبة وتناسب.  فكان يضرب بهم المثل في البخل وفي شدة الحرص علي حفظ الرغيف من القوارض وغيرها . وكلهم كان  الفقي هو مثالهم فكان يقال :عيش الفقي في الأنجم  ما يطولوش الفار حتي لو عمي    وذلك لأنه كان يحفظ الخبز ملفوفا في سلة من الخوص معلقة في حبل يتدلي من وسط سقف الغرفة  

هذه العلاقة بين الفلاح المصري  خصوصا والفقير المصري عموما وبين رغيف القمح هي تلخيص للمفارقة التاريخية المأساوية في حياة  هذ الشعب   اذ بصفة عامة  لم يكن القمح وهو محصول شتوي لا يحتاج كثيرا من المياه أو من خدمة الأرض عرضة لأية كوارث طبيعية (إلا نادرا جدا جدا ) مثل المحاصيل الصيفية كالذرة والقطن والفواكه ولذا  فقد كان انتاجه حتي خمسينيات أو أربعينيات القرن الماضي دائما   يكفي لاطعام الفلاح المنتج  وبقية  الشعب.  ولكن  الحاصل كان غير ذلك منذ الدولة الرومانية  فكان  القمح ينتج في مصر لاطعام شعوب أخري.  ولاشباع بطون وترف الطبقات الحاكمة وجيوش الحكام   من الرومان الي العرب الي المماليك الي   محمد علي  وخلفائه. وكان هذا النزح يأخذ أشكالا متعددة.  ضرائب الالتزام أوخراج  أو سدادا  لإيجار الأراضي للملاك.       أو احتكار لمحمد علي باشا     فكان القمح  هو محصول مصر الاستراتيجي قبل أن يحل القطن محله  وكان  الباشا يستولي   عليه  كله بعد خصم  نصيب صغير للمزارع  بعدد أفراد أسرته للقوت لمدة عام  وذلك ليصدره للخارج   خصوصا لانجلترا  لاطعام الجيوش  في قواعدها وأساطيلها في البحر المتوسط  وبالذات في مالطا ليحصل علي المال اللازم لمشروعاته  وبالمناسبة فقد كانت تجارة محمد علي في القمح مع الانجليز من أهم أوراقه لحفظ التوازن في علاقاته الدولية بين القوتين الكبيرتين   المتحفزتين منذ حملة نابليون لاحتلال مصر    أي انجلترا وفرنسا  وتلك قصة طويلة ومهمة  لكننا نقتصر هنا علي علاقتها السببية  بسوسيولجيا الفقر ورغيف القمح في تاريخ وحاضر ومستقبل مصر .   

 من أسباب  ندرة رغيف القمح  في حياة منتجه الفلاح المصري فيما بعد محمد علي   تخصيص مساحات متزايدة لزراعة القطن  كمصدر للدخل من العملات الأجنبية ثم اطعام الجيوش الجرارة للحلفاء علي أرض مصر  وحولها في حربين عالميتين استمرت أولاهما أربع سنوات وثانيتهما قرابة ست سنوات    وهكذا دخلت مصر خمسينيات القرن الماضي  بأزمة في رغيف العيش مع زيادة مطردة الارتفاع في عدد السكان  و مع نظام جائر للملكية الزراعية  وكوارث متعددة  للمحاصيل الصيفية اما بسبب شح مياه النيل في الصيف واما بسبب الآفات حيث كان يغني الذرة والبطاطا نسبيا  في سد الرمق     فكان  هذا هو الحال الذي  رسب وعمم  ثقافة الفقر و الجوع   ومن ثم تقديس  رغيف العيش  والشعو بالضياع  عند ضياعه علي نحو ما عرضت من شذرات  من تلك الثقافة في  بداية هذا البوست. وبالطبع انتقلت  هذه الثقافة الغذائية المعتمدة علي الخبز ومعها بقية تلك   الطقوس  والمعتقدات من الريف الي المدينة التي (تأريفت )هي الأخري ليس بسبب السيول التي تتدفق عليها من  نازحي القري فقط ولكن بسبب عجز المجتمع والدولة عن  استيعاب هؤلاء النازحين في سوق عمل  ديناميكي منتج ومنظم  ونامٍ         ٍمع استمرار العجز عن استيعاب أبنائهم في نظام تعليمي وتربوي كفء يتخرجون منه  الي فرص عادلة في العمل والحياة