عبود مصطفى عبود يكتب : بوح — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

عبود مصطفى عبود يكتب : بوح

عبود-مصطفى-عبود-يكتب-بوح

في طريق العودة من العمل بالإذاعة، توقفت السيارة أمام جامعة القاهرة، كانت الشمس في منتصف السماء، تسلط أشعتها الحارة على الرءوس، في  أغسطس كل شيء يذوب من الحرارة إلا قلوب المحبين،  مر شريط الذكريات أمام كريم شوقي، وهو ينظر إلى الجامعة،  فأثار داخله مشاعر مختلطة، تذكرها فاتن الغرباوي، نسيم الصيف ساعة العصاري، الحب الأول، خفقة القلب في ريعان العمر،  كانت إذا هلت عليه من بعيد، رقص قلبه من الفرح، وما العجب في ذلك وهي، تفتن بجمالها الساحر من يراها، تسير كملكة، قوامها ممشوق، أنوثتها طاغية جلية عفية لكنها من النوع الذي يفتن ولا يجرح، تسحبك بعيدا، لكن لا تلقي بك في بئر الرغبة، بقدر ما تصعد بروحك إلى سماء الحب، أما عينيها فلا مثيل لهما في دنيا النساء، أول مرة رآها كانت في مدرج ستة بكلية دار العلوم، محاضرة في اللغة الفارسية، قرر فيها المعيد الشاب ذو الشارب الكث والعوينات الطبية، مغازلتها، فاستدعاها أمامه على المنصة، وأخذ يهمس لها بكلمات غير مسموعة، لكن أثرها على وجهها كان يشي بمضمونها، فالابتسامة وإطراقة الرأس تنبئان بالكلام.

كان كريم يجلس في آخر المدرج، بجوار إبراهيم الحمبولي، صديقه الأنتيم، كازانوفا الكلية، لكزه إبراهيم قائلا: كريم، هذا المعيد يغازل هذه البنت، ولا يقيم لنا وزنا، هنسكت ولا إيه؟

 لم يعجب كريم المشهد، فلملم أوراقه وهم خارجا دون استئذان، استشاط المعيد غضبا، واستوقفه قائلا: كيف تخرج هكذا دون إذن، والمحاضرة لم تنته بعد!

أجاب كريم في تحد: ظننتها انتهت، عندما وجدتك تهمس للزميلة.

أسقط في يد المعيد من رد كريم، ارتبك، غمغم بكلمات غير مفهومة، فابتسم كريم وأدار له ظهره خارجا.. في اليوم التالي غاب كريم عن الكلية، أما فاتن فقد فتشت عنه في كل مكان، سألت عليه في المكتبة، كافيتريا الكلية، قاعة المحاضرات، حتى المقهى الذي يجلس عليه دوما في شارع ثروت، تعللت بتصوير بعض المحاضرات ومرت من أمامه عسى أنا تراه أو يراها، ولم تفلح في العثور عليه، في اليوم التالي قررت أن تكون أكثر جرأة في البحث عنه، فسألت عليه أصدقائه، أجابوها جميعا لم نره، حيرها هذا الأمر جدا، فهو من أشهر طلبة الكلية، تقريبا كل الفرق تعرفه والأساتذة، حتى الموظفين وحراس البوابة، عاداته مشهورة، يأتي إلى الكلية في تمام العاشرة، يحضر محاضرة واحدة فقط في اليوم، ثم يخرج مع رفاقه إلى شارع ثروت يتناولون الغداء، ثم يجلسون على مقهى الوحدة العربية، في الخامسة عصرا ينتقلون إلى كافيتريا كلية الإعلام، يستمعون بتلذذ إلى أم كلثوم وهم يدخنون و يشربون القهوة، لماذا كل هذا تغير فجأة، فلا أثر له في الكلية أو المقهى أو المكتبة،  أو مع أصدقائه.

ترى ماذا حدث له؟!!

 بعد عدة أيام حضر كريم إلى الكلية، وكلما قابله أحد يقول له: فاتن سألت عليك.

أثار انتباهه هذا الأمر، فهو لم يتحدث إليها قط، وليست من دائرة صديقاته، قرر الذهاب إلى المدرج لسماع محاضرة النقد التطبيقي التي يحبها، تأخر قليلا فوجد الأستاذ قد أغلق باب القاعة، قفل راجعا، أثناء هبوطه درجات السلم قابلها صاعدة، ما أن رأته حتى تهلل وجهها وقالت في عتاب: أنت فين بدور عليك.

نظر لها في دهشة قائلا: علمت بذلك ولكن لم؟

أجابت: طيب ممكن نجلس في الكافيتريا ونتكلم قليلا.

في الكافيتريا، لفت نظره أناقتها وجمال ملامحها، هي أجمل كثيرا مما يراها من بعيد، الرؤية من مسافة قريبة مختلفة، لها إحساس خاص 

سألها لماذا تبحثين عني؟

أجابت لماذ أنت أحرجتني في المدرج مع المعيد؟

قال في هدوء: لم أقصد الإساءة إليك أبدا.

ابتسمت في رضا قائلة: أثق في ذلك، ولكن ما الذي دفعك لفعل ما فعلت.

انتبه بغريزته الذكورية، لمقصدها، فهي تسعى لأن يعبر لها عن غيرته عليها.

قال: الحقيقة هذا المعيد سمج جدا، ولم تعجبني طريقته معك، شعرت أنك محرجة من همسه، فأردت أن ألقنه درسا.

قالت: لكنك أحرجتني أيضا.

قال: أعتذر لك، ثم هم واقفا، انتفضت واقفة قائلة في لهفة، لا لا تعتذر ولا تتركني وتمشي، أرغب في الحديث معك أكثر.

قال لها إذن هيا بنا نسير معا داخل الجامعة، فأنا أكره الجلوس لمدة طويلة في مكان واحد.

سارا معا حتى كلية الحقوق، جلسا عدة مرات في الطريق، نسيا تماما ما حدث في المدرج، وتحدثا في كل شيء، تكررت اللقاءات، مرة بعد مرة نسي كريم أصدقائه تماما، صارت وحدها عالمه، يلتقيان في التاسعة صباحا، ويفترقان في السادسة مساء كل يوم، عرف عنها كل شيء وأخبرها بكل تفاصيل حياته، لكنه لم يبح لها أبدا بحبه، ولم تفعل هي، منذ متى يحتاج العشاق إلى البوح الصريح وكل كلمة ولفتة ونظرة ولمسة تقول ما يعجز عنه اللسان.

أوشك العام الدراسي على الانتهاء، انتبه كريم إلى حقيقة غابت عنه، إنهم في الليسانس، وبعد التخرج سيكون من الصعب أن يراها، قرر البوح لها ومصارحتها، بعد الامتحان الأخير قابلها كالمعتاد، سارا معا حتي كلية الآداب، في الطريق هم أكثر من مرة بالكلام، لكن شجاعته كانت تخذله.

نظرت إليه قائلة في تردد: كريم أنا.. أنا بحبك، وتمنيت كثيرا أن تكلمني، وقد حاولت مرارا التعرف عليك، وكانت الغيرة تأكلني وأنا أراك تجلس مع بعض الزميلات، ولم أفلح في الحديث معك، لذا خططت إلى ذلك. وطلبت من إبراهيم الحمبولي، عن طريق صديقة لي يحبها، أن يثير غضبك ونخوتك، حتى المعيد، لم يستدعني أنا طلبت منه قبل المحاضرة أن أحدثه في أمر خاص، وعندما أوقف المحاضرة لنرتاح قليلا، ذهبت إليه طواعية وفق الخطة، وكان يجيب عن أسئلة عادي لي، لكني كنت أبتسم ليبدو الأمر وكأنه يغازلني، فيكون لكلام إبراهيم وقع في نفسك، فتفعل ما فعلت، ويكون ذلك ذريعة لي للتعرف عليك، وحتى يظن الطلبة أنك تغار علي، وأن بيننا شيء ما.

سمع كريم كلماتها هذه، وجم للحظات، ثم نظر إليها قائلا: ليتك ما تكلمتي ثم تركها ورحل ولم تره مرة أخرى.