علا مرشود تكتب: محددات صنع القرار السياسي في إسرائيل — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

علا مرشود تكتب: محددات صنع القرار السياسي في إسرائيل

علا-مرشود-تكتب-محددات-صنع- القرار-السياسي-إسرائيل

إن عملية صنع القرار السياسي بشكل عام لها محددات ومجموعة عوامل تؤثر بها، ويشارك بها كل مكونات المجتمع بطريقة أو بأخرى، مثل السلطات المختلفة والمؤسسات والأحزاب والمؤسسات الاقتصادية ورجال الأعمال وأجهزة الدولة ووسائل الإعلام وحتى الأفراد. وأي تغير أو تحول في هذه العناصر سيؤثر بالضرورة على طبيعة القرار السياسي في الدولة، وعلى قدرة السلطات التشريعية والتنفيذية والقيادة في اتخاذ القرارات الحاسمة والمصيرية وحتى البسيطة منها، وإسرائيل تحديدًا مرت بمحطات عدة كان لها دور بارز بتحولات ظاهرة على أصعدة عدة، اقتصادية مجتمعية وسياسية تظافرت فيما بينها لتؤثر على عملية صنع القرار السياسي في الدولة.

قبل أن نخوض في شرح هذه المحددات والمحطات المؤثرة في هذه التحولات علينا أولًا أن نسلط الضوء قليلًا على طبيعة وبنية نظام الحكم في إسرائيل ومكونات النظام السياسي فيها، يتكون النظام السياسي الإسرائيلي من ثلاث سلطات أساسية هي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، تعمل هذه السلطات الثلاث على صنع القرار بما يضمن الحفاظ على مصالح الدولة العليا.

تعتمد إسرائيل على نظام الحكم الرئاسي والبرلماني الديموقراطي مبني من الناحية النظرية على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث إلا أنها من الناحية العملية تتقاطع في عملها على المستويين الرسمي والعملي، ومن الجدير ذكره هو أن إسرائيل لا تمتلك دستورًا حتى لا يجبرها على رسم حدود للدولة وتحديد أطماعها التوسعية، ويتم الاستعاضة عن الدستور بقوانين أساسية شبه دستورية.

يأتي في هذا الأطار، “الكنيست” الذي يمثل السلطة التشريعية ويقوم بعدة وظائف أهمها تأليف الحكومة وتمثيل الشعب ومراقبة السلطة التنفيذية والتشريع، أما السلطة التنفيذية فتتمثل بالحكومة المكونة من رئيس الوزراء والوزراء، أما رئيس الدولة فهو منصب رمزي لا يمتلك الكثير من الصلاحيات، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحكومة في إسرائيل تتسم بغياب الاستقرار السياسي وما يدلل على ذلك تشكيل 36 حكومة منذ سنة 1949 وحتى سنة 2021، أما السلطة القضائية فهي مستقلة وبعيدة عن الصراعات الحزبية وتشكل إجماع سياسي.

أولًا: النظام السياسي في إسرائيل قبل سنة 1967

تميز النظام السياسي في إسرائيل حتى سنة 1967 بالنجاح والاستقرار وكان له عدة خصائص متمثلة في:

التوافق بين النظام السياسي وطريقة أداؤه لوظائفه.

قدرة عالية للنظام على قيادة المجتمع ما أدى إلى استقراره وحيويته.

قدرة النظام السياسية على اتخاذ القرارات الحاسمة.

ويعود ذلك إلى الإجماع اليهودي على قضيتين هامتين وهما، الغايات العليا للحركة الصهيونية، وقواعد وأساليب العمل، وتطبيق القواعد الديموقراطية التي أساسها الانتخابات على أساس التمثيل النسبي والحسم بواسطة الأغلبية وكذلك مركزية الحكم.

ويلاحظ أن بنية النظام وأساليبه في التعامل كانت حاسمة في ضمان الاستقرار ومنحه الشرعية لاتخاذ القرارات، ولا يمكننا أن نغفل دور الأحزاب السياسية التي قامت بتمكين السلطة المركزية من اتباع الفصل التام والمطلق بين القضايا الداخلية والخارجية، وليس هذا فقط بل قامت الأحزاب بمنع نشوء تنظيمات سياسية على أساس الانقسامات الإثنية والقومية.

ثانيًا: تحولات المجتمع والنظام بعد سنة 1967

بعد الحرب الـ 1967 وتلتها حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 ثم الانقلاب السياسي سنة 1977، حيث جرت انتخابات الكنيست التاسعة التي أدت إلى زعزت ثقة الإسرائيليين بقيادتهم السياسية ومن هنا بدأ يغيب الإجماع الذي ساهم في دمج القضايا الداخلية والخارجية والمواقف منها وعدم إمكان الفصل بينهما.

ثم تاتي بعد ذلك، العديد من التحولات التي جرت في العديد من المجالات التي أثرت في النظام السياسي الإسرائيلي، فمثلًا على الصعيد الاقتصادي، فقد لوحظ هبوطًا متدرجًا في قدرة الحكومة على تمويل نشاطاتها ولجوءها إلى خصخصة الاقتصاد وتقليص الخدمات العامة، وتحول نمط التدخل للحكومة من الانتشار في جميع المجالات إلى تدخل مركز أكثر عدد صغير من المصالح.

ونتيجة لذلك لم تعد هيمنة السلطة على الاقتصاد مطلقة وأصبح هناك قوى اقتصادية تستطيع ممارسة الضغوط على السلطة لحثها على اتخاذ قرارات سياسية في اتجاهات معينة، بالتالي نشأ تداخل بين المصالح الاقتصادية والقرار السياسي.

ثالثًا: تحولات أيدلوجية و تطور المؤسسات المدنية وترسيخ الانقسام

إن من أهم أسباب أزمة النظام السياسي في إسرائيل، ضعف الأساس الأيدلوجي في توجيه السلوك الفردي والجماعي وعزز ذلك عجز الفكر الصهيوني عن التجديد بعد قيام الدولة وكذلك عجزه في الحفاظ على التوليفات الأولية لسببين، وهما:

عدم تحقيق الاندماج بين اليهود من أصل أشكنازي واليهود الشرقيين.

عدم تحقيق القيم المدنية الشاملة بسبب فرض القيود على المواطنين العرب.

ثم تاتي بعد ذلك قضية التحولات الأيدلوجية التي طرأت في المجتمع الإسرائيلي، بدء الانقسام الديني العلماني وتحوله إلى ظاهرة شرعية وصفة أساسية ودائمة في المجتمع، ما أوجد مأزق الخيار بين دولة يهودية ودولة ديموقراطية.

في هذا الإطار، شهد المجتمع الإسرائيلي بعد سنة 1993 تطورات وتحولات كبيرة في القيم الاجتماعية والسياسية، تمثلت في ظهور تيار ليبرالي قوي يدعم النزعات الفردية على حساب الجمعانية، وإيثار الجماعة القومية، وفي المقابل تبلور تيار قومي ديني معاكس في قيمه ومعاييره ومبادئه.

غابت مؤسسات المجتمع المدني عن المجتمع الإسرائيلي حتى العام 1967، ما صعّب على الإسرائيليين المشاركة والتأثير في صنع القرار السياسي، ثم بدأت بعد ذلك في الظهور من خلال جماعات سياسية معارضة تطالب بإصلاحات، حتى انتشرت ظاهرة إنشاء مؤسسات مدنية غير حزبية في السبعينات، وهنا برزت قوى اجتماعية ذات وزن يمكن أن تمارس ضغوط بالنسبة لعملية صنع القرار ما يعني أن السلطة السياسية لم تعد مطلقة الحرية في اتخاذ القرار السياسي، وبهذا تطور القطاع المدني في إسرائيل وأصبح يؤثر في تحديد مسيرة المجتمع والنظام.

لقد عمقت الانتفاضة الفلسطينية وحرب الخليج التغيير في القيم لدى الإسرائيليين، وعلى إثرها محاولة التوصل إلى سلام أصبحت محركة من الأسفل أي من الشعب، لأن الإسرائيليون باتوا يفهمون أن القوة العسكرية وإمكان الردع لها حدود وينبغي لهم التفاهم مع العالم العربي وتخفيف حدة الصراع والمواجهة، ومن زاوية أخرى أصبح الإسرائيليون يشككون في قدسية المؤسسات مثل الجيش والموساد والشاباك، وكذلك القيم والأهداف التي نشأوا عليها مثل الهجرة والإستيطان والمساواة، وصولًا إلى زعزعة المعايير المتفق عليها في المجتمع الإسرائيلي منذ فترة الاستيطان التي تضمن تسامح المتدينين والعلمانيين في التعامل فأصبح المجتمع يتكون من تيارين، ليبرالي وآخر معاٍد له تيار قومي ديني.

رابعًا: تحرر وسائل الإعلام من قبضة الدولة وتحول دور الأحزاب السياسية

كان هناك عدة محطت ساهمت في تحول الإعلام الإسرائيلي وتحرره من هيمنة الجهاز السياسي أهمها سنة 1965 ثم الانقلاب السياسي عام 1977 وكذلك الانتفاضة الفلسطينية التي فضحت ممارسات النظام الإجرامية في حق الشعب الفلسطيني، ومنذ ذلك الوقت أصبح الإعلام أكثر تنوعًا واختلافًا، وساهم في ذلك الزيادة الكبيرة في عدد وسائل الإعلام وتنوعها وظهور الإعلام الإلكتروني.

كما رسخت وسائل الإعلام دورها في التشكيك في المؤسستين السياسية والعسكرية رغم خضوعها لأنظمة الطوارئ ولرقابة ذاتية صارمة، وعلى الرغم من التطور والتحول الكبير في الإعلام إلا أن إسرائيل لا زالت تصنف ضمن الدول التي تفرض رقابة قوية على الإعلام في الأزمات الأمنية والسياسية.

إن إسرائيل دولة أحزاب قياسًا بدول ديموقراطية أخرى، وفي هذا الجانب هناك تغيير حدث في دور الأحزاب في المجتمع الإسرائيلي وفي النظام السياسي يتمثل في تحوله من مصادرة القرار السياسي في المجتمع وعزل القضايا الخارجية والأمن عن الانقسامات السياسية والداخلية، إلى ضعف وعدم القدرة على القيام بوظيفتها التقليدية.

إن التغيير في النظام الحزبي والتغيير في طبيعة الأحزاب جعلا القرار السياسي يعتمد على شخصية القيادة ومواقفها، فكانت الأحزاب الإسرائيلية حتى السبعينيات أحزاب شعبية منظمة بطريقة هرمية بيروقراطية ثم بدأت تتحول إلى سياسة شعبية وشخصية وتعززت قوة القيادة بعد ظهور ضعف التنظيمات البيروقراطية.

وعليه، فقد حظيت السياسة الشعبية باعتراف رسمي وكسبت شرعية من خلال تحول الأحزاب إلى الانتخابات التمهيدية وسن قانون الانتخاب المباشر لرئاسة الحكومة الأمر الذي أدى إلى إضعاف الكنيست وتغيير وظائفه.

خامسًا: ضعف المركز وزعزعة الاستقرار وأزمة السلام

وبطبيعة الحال فإن مجموعة من العوامل والتحولات صبت في اتجاه إضعاف قدرة القيادة السياسية على الحسم في القضايا الداخلية والقضايا الخارجية وخصوصًا قضايا السلام مع العرب وخاصة الفلسطينيين.

زادت حدة الانقسامات في المجتمع الإسرائيلي، وتضافرت عدة عوامل في إضعاف الأحزاب السياسية وإضعاف القيادات وقدرتها على ضمان الإستقرار وعليه فقد بدأت عملية تحديث جزئية لتنظيم النشاط السياسي وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات بواسطة القانون وقرارات المحاكم، إضافة إلى تدخل مكتب مراقب الدولة في كثير من القضايا والمؤسسات.

إن عملية السلام تواجه أزمة حقيقية في ظل هذه التحولات في المجتمع الإسرائيلي، الذي أصبح فيه اتخاذ القرارات الحاسمة أمرًا في غاية الصعوبة، في حين أن النظام السياسي الحالي عاجز عن اتخاذ القرارات الحاسمة والمصيرية، وهذا يؤكد الحاجة إلى قيادة تتميز بقناعات راسخة وعميقة والعزم على الحسم واتخاذ القرار.

واستخلاصًا لما سبق نجد أن اسرائيل مرت تقريبًا بمرحلتين فيما يتعلق بصنع القرار السياسي، المرحلة الأولى، ما قبل سنة 1967 واتسمت بالاستقرار وقوة القيادة وقدرتها على اتخاذ القرارات الحاسمة وفصل القضايا الداخلية عن القضايا الخارجية وخاصة قضايا السلام مع العرب والفلسطينيين وساهم في ذلك دور الأحزاب القوي في تلك الفترة ووسائل الإعلام التي كانت تخضع لرقابة الدولة وكانت بمثابة المتحدث باسمها وانتشار الحكومة في كافة مؤسسات الدولة وسيطرتها شبه الكاملة على الاقتصاد وغيرها من العوامل.

أما المرحلة الثانية، التي بدأت بعد سنة 1967 التي بدأت فيها تتزعزع قوة القيادة وقدرتها على صنع القرار السياسي وعمق ذلك حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 ثم بعد ذلك الانتفاضة، حيث بدأت تحدث التحولات على عدة أصعدة فضعف دور الأحزاب وتزعزعت ثقة الشعب فيها وتقلص انتشار الحكومة وأفرادها في مؤسسات الدولة الاقتصادية نتيجة لخصخصة الاقتصاد وانتشار مؤسسات المجتمع المدني، وحتى القيم الاجتماعية والسياسية والأيدلوجية بدأت تتغير وتتزعزع الأسس التي بني عليها المجتمع الاسرائيلي، إضافة إلى الانقسام الداخلي بين كل مكونات وفئات المجتمع الإسرائيلي الإثنية والعرقية والدينية، كل هذه العوامل ساهمت في إضعاف قدرة القيادة على صنع القرار السياسي وعدم قدرتها على اتخاذ القرارات الحاسمة والمصيرية وخاصة فيما يخص السلام مع العرب والفلسطينيين.


*علا مرشود صحفية وباحثة في دراسات الشرق الأوسط، الجامعة العربية الأمريكية- فلسطين.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "180 تحقيقات"