على الصاوي يكتب: هل يولد الصحفي أم يصنع؟ — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

على الصاوي يكتب: هل يولد الصحفي أم يصنع؟

علي-الصاوي-يكتب-هل-يولد-الصحفي-أم-يصنع

عندما بدأت مهنة الصحافة تشق طريقها بين المجتمعات كنافذة تُطل منها الجماهير على كل ما يحدث في الشأن العام من حوادث وأخبار، وهى تتقلب بين نار التجديد والتجريب والثورة على التقليد، فكان الإبداع سِمة كل من ترك في أروقة بلاطها بصمة عبقرية أو تجربة ناجحة نسج على منوالها طلائع الصحفيين وناشئة الأدب، فكان الأدباء وأصحاب الرأي لهم السبق الأول في رسم ملامح الصحافة في مصر باعتبارهم رواد الفكر وأصحاب بيان ومعرفة، ولم يكن للشهادات الأكاديمية أى قيمة تُذكر بجوار ما تَكتنز تلك الفئة من ثقافة معرفية ممزوجة بأصالة علمية أثقلتها الغريزة وعززتها الموهبة، وتلك كانت سِمة من سِمات عصرهم، لذلك بدأت الصحافة أدبية في قوالب رأى قبل أن تتحول بعد ذلك إلى صحافة خبر وغيرها من فنون الصحافة الأخرى كالتحقيقات والتقارير والحوارات.


لكن يظل الأصل هو المعيار الأول لقياس المواهب والفرق بين رواد الفكر والثقافة وحاملى الشهادات، في أيهما يترك بصمة حقيقية وإضافة مهنية بعيدا عن التقليدية النمطية التى تشبه المياه الراكدة، لا تتحرك فيصيبها العطب وفشل الصلاحية.

لذلك فإنى أميل أكثر إلى أصحاب المواهب الصحفية والأقلام النابضة بالحس والموهبة في التأثير على الرأي العام، فليس دور الصحفي أن يُثير الرأي العام بل دوره أن يصنع رأيا عاما لفكرة أو مذهب أو اتجاه، وذلك بحاجة إلى قدرات فطرية مركوزة في النفس وقارة في الوجدان ولها جذورها الكامنة في القريحة، يُولد بها الصحفي أكثر مما يكتسبها في ممارسة العمل، ولعلي أذكر حكاية ذكرها الكاتب الصحفي الكبير الراحل سليمان الحكيم، أن الأستاذ الصحفي محمد التابعي اصطحب أحد الشبان من عاملي الأسانسير وأسند اليه مهام جلب الأخبار اعتمادا علي ما يتلقاه من أقسام الشرطة، ومن ثم إعدادها للنشر بمساعدة بعض ذوي الخبرة في قسم الحوادث، وبمرور الوقت أصبح هذا الصبي عامل الأسانسير من أشهر محرري الحوادث في أشهر الصحف في مصر.

كانت بداخله بذرة الإبداع وسرعان ما كبرت وأثمرت تميّزا ونجاحا، مجرد أن تعهدها أحدهم بسقاء الرعاية وتوفير الفرصة، وكثير من كتاب الأدب ورواد الفكر والحراك الثقافي كانوا بمثابة أعمدة الصحافة في النصف الأول من القرن العشرين، أمثال الرافعي والعقاب وزكي مبارك والمازني ومن بعدهم كامل الشناوي وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس، كل هؤلاء كانوا مواهب مبدعة لم يعرفهم الناس بشهاداتهم بل بإبداعهم وثراءهم الفكري واللغوي، وإنتاجهم الغزير للأعمال الدرامية والدواوين الشعرية ما انعكس على أدائهم الصحفي وأضفى له أصالة وتميزا، وهذا ما كانوا يتكئون عليه في بداية ظهورهم، ذهبوا حاملين مواهبهم لا شهاداتهم، للبحث عن فرصة للتعبير عنها في أعمدة الصحف والمجلات، حتى تلقفتهم الأيدي الحانية فصاوا أساطير مبدعة وقصص نجاح مرموقة.

عنوان المقالة كان موضوعا للجدل بين الكاتبين الصحفيين محمد التابعي ومصطفي أمين ، كان التابعي يري أن الصحفي يولد، أي أن الموهبة الفطرية لازمة وضرورية له ليشق طريقه في بلاط صاحبة الجلالة، بينما كان مصطفي أمين يري أن التجربة والممارسة أهم للصحفي من الموهبة ولكي يؤكد التابعي وجهة نظره جاء بشاب كان يعمل بالأسانسير في أخبار اليوم وألحقه بقسم الحوادث في الجريدة ليتولي صحفيوها تدريبه علي المهنة وما هي إلا سنوات قليلة حتي أصبح “عبدالعاطي حامد” من ألمع محرري قسم الحوادث في مصر قبل أن ينتقل إلي قسم التحقيقات ليصبح واحدا من رواد التحقيق الاستقصائي في الصحافة المصرية حين قام بالتنكر في صورة متسول ليدخل عالم التسول كاشفا أسراره،  وتنكر كذلك في صورة ممرض بأحد المستشفيات الحكومية ليكشف سلبيات العمل بتلك الأماكن، وظل يبدع في الصحافة حتى لقى مصرعه في حادث سيارة وأصيبت زوجته مذيعة التليفزيون “فاطمة الكساباني” بإصابات بليغة، فصحفي بلا موهبة مثل مطرب بلا حنجرة وصحفي بلا خبرة مثل عازف بلا آلة.

فلا تدع أي شيء يقف أمام حلمك إن كنت ترى في نفسك موهبة جديرة بالظهور، فالثقافة ليست مرادفا للتعليم، وليس كل من تراهم في المجال الصحفي يستحقون هذا اللقب فقد تبدلت المعايير وتقدم للعمل من عقل له ولا فكر، بل هو مجرد مؤدي تقليدي لا يعرف للإبداع طريقا ولا للابتكار مسلكا، أعياهم الخواء فلجأوا إلى الاحتيال والتلفيق والأبواب الخلفية، ومنهم من تخرج ولم يفقه أى شيء في المجال، حتى بعد أن تدرب للتأهيل للعمل فشل حتى في صياغة جملة مفيدة.

ومنهم من رفعتهم المحسوبية، فأنا أعرف أحد الأشخاص عضوا في نقابة الصحفيين لا يعرف كيف تكتب سبحان الله بالسين أم بالصاد، لكنه دخل تزكية من أحد أقاربة النافذين بعد توصيات ومحايلات، وهناك من صنعته الجماعة السياسية ليكون بوقا لأفكارها وقدموه على أنه شيخ الصحافة وأسطورة الإعلام، وهو لا يتعدى كونه قلم في أيديهم، يكتبون به ما يريدون، مقابل الحفاظ على مكانته الوظيفية وتقاضى راتبه، وتصدره المشهد السياسي كمحلل وناشط.

إن الإبداع وليد الاختلاف، والاعتيادية لا تخلق عباقرة، والشهادات قد تجلب لك وظيفة لكنها لن تجلب لك عقلا وفكرا وقريحة تجود عليك بالأفكار، إن لم يكن بداخلك بذرة الإبداع والاستعداد الفطرى للشيء لن يحالفك التميز، قد تنجح بالمعايير السائدة لكنك بمعايير الأصالة والبَراقة لا شيء، مهما احتلت ونافقت وصادقت، فالتميز والإبداع مطبوع لا مصنوع، ورحم الله الشاعر القروي حين قال:

يا شاري الصيت إن لم تُعط موهبة.. من السماء فلن يعطيكها الناس

قصر الذكاء على التذييع آخره.. عقم وعاقبة التبذير إفلاس