علي محمد علي يكتب : كلام في الخن

علي-محمد-علي-يكتب-كلام-في-الخن

هاتفني صديقي مراد ، والذي أخبرني أنه أتى من فرنسا بالأمس ، و قال لي : قابلني في " الخُن " والخُن هذا عبارة عن شقة أنيقة في وسط البلد ، مملوكة لصديقنا " نبيل كرم " والذي هاجر إلى كندا منذ ٥ سنوات ، وترك لكل واحد فينا مفتاح ، هذه الشقة ورثها نبيل عن والده كرم أفندي جرجس " الله يرحمه " أقصد " ربنا يكرمه " أقصد " ربنا ياخده " أقصد " ربنا ينيح روحه " بصراحة الراجل ده كان طيب جدًا وكان أب وناصح أمين لكل أصدقاء نبيل ، وكنا بنحبه كلنا ، وسبب ترددي في نعيه أني سمعت ذات مرة أحد المشايخ في حديث له في التليفزيون يمنع ويحرم الترحم على المسيحيين أو حتى تهنئتهم بالعيد فهم في حكمه كفار .

وهذا الخُن نستخدمه في أغراض متعددة ، فنتقابل فيه بشكل دوري منتظم يوم الجمعة الأخيرة من كل شهر ، كما لو أنا أحدنا معه مصلحة يذهب إلى هناك ، بعد إرسال رسالة لكل المفاتيح حتى لا تداخل المصالح في بعضها ، وندفع للبواب راتب شهري لتنظيفها وأشياء أخرى  .

تقابلت مع مراد ومعه زجاجتين من الويسكي الأسكتلندي الفاخر  الأولى  Teeling و الثانية redbreast 12  وهنا تذكرت " عادل توهان " إللي بنجيب منه منقوع البراطيش ، ومع أول رشفة من ويسكي مراد تحسرت على حالنا فالفرق بينه وبين المنقوع المحلي كالفرق بين المزز الفرنسية وأم فرج بتاع الحشيش إللي في الطالبية ، هنا تأكدت أن المنقوع بتاع " عادل توهان " بيتعمل عمولة على الإيد ، حيث كل يوم يتغير طعمه ، لكن الثابت إللي مابيتغيرش فيه هي مية النار الخام ، والتي تشعل في صدرك حريق بمجرد نزولها ، فهم يخلطون أردئ أنواع الخمور ويضعون عليها مكونات أخرى محلية ، لذلك أنت مجبر على شىرب كميات كبيرة عشان تعلم في دماغك وتوصلك لحالة التوهان ، أما ويسكي مراد فطعمه جميل ورائحته جميلة ومن أول رشفه تشعر أنك على مشارف حالة النشوى ، ومع الرشفة الثانية ، أنت في مكان آخر فوق السحاب .

وهنا سألت مراد سؤالًا ، قلت له حدثني عن أوروبا وما وجدته فيها ، وهنا لا بد أن أوضح لكم شيئًا مهمًا عن أحاديث المساطيل ، إنها بطيئة بعض الشئ عن أحاديث الناس العادية ، فالكلام يخرج ببطئ من فم المتحدث ، فتلتقطه أذن السامع ثم يقف في الأذن فترة ، إلى أن تقرر إرساله إلى العقل ، ويقوم العقل برده للأذن أكثر من مرة عقابًا لها على تأخير الكلام ، وهكذا إلى أن يقرر العقل إستيعاب الكلام ، وأعتقد أني هنا قدمت نظرية جديدة تفسر لماذا يسمع المسطول الكلام والجمل أكثر من مرة ، ثم يرسل العقل الكلام إلى الفم ثم يسحبه للمراجعة والتدقيق الإملائي أكثر من مرة ، لأن العقل يدرك أنه مسطول ، وهذا سبب مباشر في تلعثم المسطول وبطئه في الكلام .

 فقال مراد أن أول شيء وجده في أوربا هو الحرية ، فرفعت يدي وهذا في عرف المساطيل ، جملة إعتراضية معناها إنتظرني هاتكلم ، لكني فكرت وجدت أننا هنا لدينا حرية وحيدة فقط ، هي حرية الإنسان في التخلص من حياته بالإنتحار ، حيث لا يستطيع أحد مهما بلغت سلتطه منع المنتحر من الإنتحار ، ثم قاطعني مراد ، إيه ياعم منتظرك من بدري أنت إتسطلت ولا إيه ، فقلت لا أبدًا إتسطلت مين ييجي إيه الويسكي بتاعك ده في منقوع البراطيش بتاعنا ، وأنا في الحقيقة مسطول طينة منذ نصف الكأس الأول ، فقال مراد : طيب إحنا كنا بنتكلم في إيه ؟ 

فقلت له : في إللي موجود في أوروبا ومش موجود عندنا .

فقال : تمام ثم استطرد في الحديث عن العلاج المجاني الذي لا يفرق بين غني أو فقير ، والتعليم المجاني الإلزامي عالي الجودة ، و تحدث أيضًا عن إعانة البطالة ومساعدة الدولة لمن لا يجدون عمل ، حتى يجدوا عمل ، ومساندة الدولة للمستثمرين وتشجيعهم و تخفيضات الطاقة و الإعفاءات الضريبية والمزايا الأخرى التي يحصلون عليها ، كما وتحدث عن النظافة وكيف تحولت أوروبا من شوارع قذرة يبول فيها الناس ويقضون حاجاتهم ،  إلى شوارع نظيفة ترى فيها وجهك كأنها مرآة ، وكيف تحولت ثقافة الناس من الهمجية والقذارة ، إلى التحضر والرقي في أقل من مائة عام ، وقد تزامنت الثورة الصناعية الأولى مع تراجع تدخل الكنيسة في مفاصل وتفاصيل الحياة وتدخلاتها السافرة في السياسة وسيطرتها على الإقتصاد ، بمجرد أن رفعت الكنيسة يدها وتراجعت للخلف ، بدأت الثورة الصناعية ، وتوقف الناس عن القتل ، وقبل كل منهم الآخر كما هو دون النية في تغييره ، إن لم يتغير من تلقاء نفسه ، وأشرقت شمس جديدة على أوروبا لتخرجها من عصور الظلام .

 وهنا تذكرت شيخ التلفيزيون ، فأيقنت أننا في منتصف ليل الظلام ، وأننا ربما نحتاج بحورًا من الدم في عتمة ذلك الليل المظلم حتى نتقرب بها للتنوير ، فخفت على نفسي وتخيلت أحدهم إقتحم علينا " الخن " وبيده ساطورًا ووقف فوق رؤوسنا بلحيته الغير مهذبة ، وقال سأنفذ فيكم حكم شارب الخمر ، وهنا إستفقت من غفوة سطلتي ونظرت حولي وقمت فزعًا أبحث في الشقة كالمجنون على الرجل الذي رأيته منذ قليل ، ومراد ورائي يسأل : في إيه مالك ؟ فقلت : لا أبدًا كأني لمحت عفريتًا أو شيطانًا ، فضحك قائلًا ، أول مرة أسمع عن دماغ التهيؤات دي .

ثم هدأت وجلست ، أفكر ، هل أصارحه بما رأيت وفكرت ، وسرعان ما تراجعت وأخذت رشفة أخرى ليعود لي ثباتي الإنفعالي في السُكر . 


ثم سألته : كيف يرانا الأوروبيون ؟ فقال دون تردد وقبل أن يمرر الكلام على عقله : متخلفون ، فقلت : بالتأكيد نحن مختلفون ، فقال : لا لا أنا أقول متخلفون ، فقلت : أعلم أعلم أننا مختلفون ، وهنا عقلي قام للمرة الثانية بشقلبة الحروف ، وكنت قد نسيت أن أخبركم شيئًا هامًا عن حوارات المساطيل فهي أحيانا تتحول إلى حوارات طرشان و ذلك إما بسبب رفض المخ لبعض الحروف أو الكلمات أو حتى الجمل الكاملة وإستبدالها بجمل أخرى ، تمامًا كما يحدث عندنا في كل جلسات مجلس الشعب ، فتجد العضو ينفعل ويتكلم في حوار من قلبه لدرجة أنك تكاد تبكي من شده التأثر ، ثم تجد قرار المجلس في النهاية مختلف كليةً عما ذكره العضو وفي الغالب في غير مصلحة المواطن الذي كان يدافع عنه العضو منذ قليل ، والأغرب أن نفس العضو هو من يرفع يده بالموافقة .


هل علمتم لماذا نلجأ إلى الشرب ؟

 فقط لمحاكاة الواقع المرير .