عماد الصابر يحقق مذكرات البكباشي جلال ندا ( 10 ) : أنا و عبدالناصر و محمد نجيب

عماد-الصابر-يحقق-مذكرات-البكباشي-جلال-ندا-10-أنا-و-عبدالناصر-و-محمد-نجيب

ندا :كدت أن أكون عضوا بالتنظيم " لكن الله سلِّم" 

ثوار يوليو اختاروا نجيب لسمعته الطيبة في الجيش فكان خير واجهة لهم 

عبد الناصر لم يتوقع طموح نجيب في الاستمرار زعيما لمصر لفترة طويلة

نجيب كان وطنيا مخلصا لكنه لم يكن يصلح للزعامة لافتقاده أهم شروطها  .. ورجال الثورة لم يفطنوا لهذا

عبدالناصر كان فذا إلي أبعد الحدود .. تحلى بصفات نادرة يعز وجودها .. وكان من أحرص الناس على كرامته  

الدسوقي : ناصر هو الشخص الوحيد الذي عرف كل أعضاء التنظيم ومن حقه أن يتولى قيادة الثورة

تستمر سطور الراحل جلال ندا في البوح بما عايشه وعرفه، عن قرب لصلة الزمالة وارتباطه بكل من محمد نجيب علي وجه الخصوص، وبعبد الناصر وبقية أعضاء مجلس قيادة الثورة، باعتبارهم رفاق سلاح، كان من الممكن لولا مشيئة الله أن يكون واحدا منهم، بعدما نسيت زوجته تسليمه خطاب الاستدعاء، الذي أرسله إليه عبد الناصر قبل الثورة بيوم، وكما يقول هو حرفيا :" وهو ما حمدت الله عليه بعد ذلك لما رأيته من تصارع بين الزملاء وتطاحن، كاد أن يطالني شخصيا لولا ستر الله" .. 

ويستمر في سرد حكاياته مع كل من نجيب وناصر وهيكل، محاولا تصحيح ما حاول الأخير تزييفه، ويبدأ بنجيب قائلا:" اختلفت الآراء حول محمد نجيب أول رئيس لمصر بعد الثورة، والواقع أنه بالفعل لم يكن ضمن تنظيم الضباط الأحرار من البداية، إلا أنه فوجئ قبل قيام الثورة بأيام قليلة لا تتعدي الشهر، بجمال عبد الناصر يعرض عليه منصب رئاسة التنظيم في حالة نجاح الانقلاب، وكان اختيار جمال المسئول الأول عن "الأحرار"، لنجيب لما يتمتع به الأخير، من قبول لدي جموع الشعب والجيش علي حد سواء، فكان يتولي رئاسة مجلس إدارة نادي الضباط وقتئذ، مما جعله خير واجهة للثورة عند قيامها.

الحقيقة كما قال ندا:" كان مجرد قبول نجيب لعرض عبد الناصر شجاعة، وتضحية منه لأنه في حالة الفشل  كان سيصبح أول من يتم إعدامهم، .. لكن ما لم يتوقعه جمال من نجيب، أن يكون للأخير طموحه أيضا، في الاستمرار زعيما لمصر أطول فترة ممكنة، في الوقت الذي كان جمال ينتظر الفرصة التي يخطئ فيها نجيب، فيتمكن من إزاحته، فيما كان الأخير يثبت موقعه بأسلوبه الخاص، في اكتساب حب الجماهير ونيل الثقة الشعبية، معتمدا علي عامل الوقت، ومتحملا الكثير من الإهانات، من أعضاء مجلس الثورة باعتبارها محصورة داخل جدران أربعة، حيث لا يجرؤ أحدهم علي الاعتراض عليه علنا، وإلا أضعف ذلك من مراكزهم جميعا.

 إلا أن جمال بدا مصرا علي التخلص منه بأسلوب لا يثير الغضب الشعبي، فقد وجه الإعلام لتشويه سمعته بل استطاع إقناع ما يسمي وقتها بـ " هيئة التحرير"، بتنظيم مظاهرات شارك فيها عمال النقل والمواصلات تأييدا لجمال ومعارضة لنجيب، وسارت تلك المظاهرات بعقيدة صارمة لأن المنظمين لها أقنعوا المشاركين فيها بسلامة أهدافهم وصحة آرائهم، وأخيرا تم تبير عدد من حوادث الانفجارات، التي توحي بفشل نجيب في اقرار الأمن في البلاد". 

يعود جلال ندا للحديث مرة أخري عن نجيب الذي تتلمذ علي يده وحارب معه في فلسطين، وضد الملك في معركة نادي الضباط قبيل الثورة، مما أدي إلي إعادته من لندن دون استكمال العلاج، ثم إحالته للاستيداع دون معاش يذكر، وهو نفس ما ناله من زملائه الذين حكموا مصر بعد ذلك، فيقول:" قبل أيام من إقالة نجيب قابلني المرحوم حافظ جلال وأبلغني بنية مجلس الثورة تجاهه، والمطلوب منه إجراء بسيط وهو إقالة الوزارة وحل المجلس والباقي يتركه عليهم، فاتجهت مباشرة إلي مكتب نجيب وأبلغته بمضمون الرسالة، فإذا به ينتفض ويقول:" طظ في نجيب وأبو نجيب، أنا لا أقبل أن أُسيل بحورا من الدماء، علشان خاطر نجيب، فقلت له لن يحدث صدام، لكنه قاطعني بقوله : مصمم علي الاستقالة وفورا وهو ما حدث بالفعل وبعدها تم تحديد إقامته". 

نجيب كان صديقا وأستاذا لجلال ندا لكن المفاجأة أنه رغم ذلك قال:" وللحقيقة والتاريخ ما كان يصلح لقيادة الأمة، ربما كان بالفعل رجلا وطنيا مخلصا، إلا أنه أبدا لم يكن يصلح للزعامة لافتقاده شروط ومواصفات معينه أهمها الشجاعة الأدبية، إلا أن أعضاء المجلس في صراعهم معه، لم يفطنوا لتلك الحقيقة، فيما كانت مبرراتهم دائما أنه دخيل عليهم، وأنه حديث بالعمل الثوري". 


أما العيب الذي كان يقصده ندا، أو كما قال :" كان خجولا حساسا لا يستطيع، أن يجرح شعور أحد خاصة إذا كان صديقه، لذا كان يتهرب دائما من القرارات التي كان يشعر أنها تحمل ما يسئ لزملائه، ففي نوفمبر من عام 1953 كنت مجتمعا معه في مكتبه، وإذا بتليفونه الخاص يدق، فرفع السماعة منكرا وجوده، ورد علي السائل بلهجته السودانية :" أنا الساعي يا افندم"، مما ولد لدي انطباعا خطيرا عنه، فالزعيم لا يتهرب بل يجب أن يتحلى بالشجاعة الكاملة لمواجهة أي موقف أو طارئ".

وأضاف ندا : " إلا أن الرجل رغم كل ما يقال عنه، يحمل تاريخا ناصعا مشرفا، فقد تخرج من أول دفعة لخريجي كلية أركان الحرب الملكية، عام 1939 وحصل علي ليسانس الحقوق وتلاها بالدكتوراه وكان ملما بأربعة لغات، وفي حرب فلسطين كان قائدا لعدة ألوية، خاض معظم المعارك هناك، وامتاز بالشجاعة الفائقة حتي انه أصيب ثلاث مرات، وفي آخرها بمعركة التبة، كان يبتسم رغم إصابته المميتة، حيث اخترقت طلقة رشاش صدره ونفذت من ظهره، ولحظتها كان يقول :" وصيتي لأولادي أن يحافظوا علي استرداد فلسطين والانتقام من اليهود". 

رغم كل ما قاله.. أحب جلال ندا نجيب الإنسان قبل القائد العسكري، فهو يذكر قصة يوم أن قرأ مقالا لأنور السادات في جريدة الجمهورية وهو يهاجم نجيب بضراوة، ويتهمه بصراحة بمحاولة الاستئثار بالحكم، فبادر وكتب استقالة نجيب التي جاء فيها، إعلان نجيب الاستقالة من كل مناصبه حرصا علي وحدة الشعب وسلامة الوطن، بالإضافة إلي حل مجلس قيادة الثورة، مع صرف معاش وزير لكل من أعضاءه، علي أن يتم تعيين مجلس مؤقت برئاسة بهي الدين بركات، وعضوية أحمد لطفي السيد وعبد الحميد بدوي، لتولي أعمال رئيس الجمهورية، ويكلف الدكتور عبد الرزاق السنهوري، بتشكيل وزارة انتقالية تشرف علي إجراء انتخابات خلال ثلاثة أشهر، لتتمكن الأمة كما ظن ندا من إعلان كلمتها الحرة، المهم أنه حاول مهاتفة نجيب فلم يجده و كما قال :" طلبت محمد رياض واسماعيل فريد، فلم أجد أحدا منهم، فاتصلت بصلاح الشاهد بمنزله، وكانت الساعة الواحدة والنصف ظهرا، وطلبت منه أن يكتب وبعد أن بدأت أملي عليه، قال لي : وانا مالي يا جلال بالكلام ده"، انا حاولت اتصل بالثلاثة فلم أفلح، وما عليك إلا أن تبلغ نجيب بأني اقول له هذا الموضوع للمصلحة العامة، وأكملت إملاء الرسالة علي صلاح، وبعدها طلبت ابراهيم بغدادي في الإسكندرية، وأمليت عليه نفس الرسالة، وطلبت منه أن يبلغها لجمال، فقال لي كل شيء حلو إلا حكاية معاش وزير دي؟ فقلت له علي العموم دول ناس ضحوا في سبيل الوطن، وأقل شيء علي البلد ان تكرمهم وتكفل لهم معيشة كريمة".

النتيجة لم يعرفها جلال ندا وقت حدوثها، كما لم يعرف أن أحد تلامذته جادل في أمر اعتقاله ، حتي قال عبد الناصر له خلاص، وكما قال جلال ندا :" بعدها سمعت من جمال القاضي عام 1974 وكنا في بيروت، بأن أمرا صدر له باعتقالي،  من أحمد أنور قائد المباحث العامة وقتها – أمن الدولة حاليا- فقال له أمام جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، أنا لم يسبق لي أن سألت عن سبب اعتقال واحد أمرت باعتقاله، لكن اسمح لي هذه المرة أن أسال عن سبب اعتقال جلال؟، فقال له أحمد أنور : انت خايف منه ولا إيه؟ فقال له : لا ده استاذي وما أعرفه عنه أنه وطني مخلص وليست عليه شائبة، وهنا رد جمال قائلا طيب يا قاضي لو مش عاوز تجيبه خلاص بلاش"!.


تماما كما أحب أستاذه في السياسة أحمد حسين رئيس مصر الفتاة، ولهذا كادت نيران الاعتقال تصيبه جزاء لهذا الأمر قبل الثورة عقب حريق القاهرة وبعدها، لذا فهو يحكي عن حسين قائلا:" يوم أول مارس 1954 جاءني "زائر الفجر" وكان بقيادة النقيب سعد الدين طاهر، ضابط مباحث مديرية بنها، لأن رئيسه المرحوم الرائد – وقتها- عبد الرحمن عز قال له أنه لا يمكن ان ينفذ عملية اعتقالي لما كان بيني وبينه من صداقة، وبعد أن وصلت لقسم شبرا وحوالي الساعة التاسعة صباحا، فوجئت بتليفون للمأمور وسمعت الضابط يقول : أيوه يا افندم هو عندي هنا"، وعقب ذلك استدعي ضابط المباحث، وقال له وصل جلال بك إلي سعادة عبد العظيم بك فهمي، ذهلت لمنحي رتبة الباكوية، ووصلت بالفعل إلي وزارة الداخلية، وفي مكتب رئيس المباحث العامة، المقدم عبد العظيم فهمي، فوجئت بالمرحوم محي الدين أبو العز، يقابلني باسما وهو يقول لي : لو مكانش سيادة اليوزباشي، شاف الكشوفات الصبح وقال انك عيان، ولا تتحمل الاعتقال كنت دلوقتي علي البرش، يا افندم ما تبعد عن أحمد حسين ده، فقلت له فوقوا لنفسكم وبطلوا الكلام الفارغ ده، فضحك لأنه كان تلميذي بالحربية، وكان يحترمني فعلا، وبعد تناول القهوة انصرفت مباشرة إلي عملي بأخبار اليوم حيث كنت مديرا لمكتبها بالإسكندرية". 

تلك كانت حكايته مع نجيب وأحمد حسين والثورة التي أكلت أبنائها... فماذا كانت حكايته مع عبد الناصر ؟ كتب جلال ندا بعد مرور 7 سنوات علي وفاة ناصر:" في ٢٨ سبتمبر يكون قد مضى على وفاته سبعة أعوام - لقد عاش ومات وكل فكره أنى أكرهه – بينما كنت بريئا من هذا الاتهام فلم أكره في حياتي أحدا فكيف صور له خياله هذا؟ بعد أن قرأت وسمعت ما كان يدور ويحدث خلف الكواليس عرفت السر في ذلك - لقد كانت هناك فئة تمرست على حياة الظلام والدس لفئة معينة من الناس، ممن لا يعرفون النفاق ولا الرياء - طبعا مثل هؤلاء المنتفعين لا يستطيعون الحياة في جو نظيف مختلف عما بداخلهم".

:" كانوا يتقربون اليه بقدر ما ينظمون اليه من اكاذيب، تسئ إلى أصدقاءه المخلصين لأنه ما كان باستطاعتهم الاستمرار، اذا ما تحسنت العلاقات بين الأصدقاء فتظهر حقيقتهم «وهم الذين تسببوا في الاساءة اليه وكانوا نواة تكوين مراكز القوى، التي بسطت نفوذها في كل الأمور"، :" لقد جاء وقت كان الشعب فيه يقدس جمال عبدالناصر لكنه لم يغتنم هذا فيبقى على تأييد الشعب النابع عن شعور خالص مملوء بالحب، والولاء وظل على اعتقاده أن الجيش هو كل شيء".

:" كان الخلاف بيني وبين المرحوم جمال عبدالناصر على أسلوب الحكم، فقد كنت أتمنى أن أراه حاكما باسم الشعب، وكنت أتمنى أن أراه كأي شخص عادى يتجول في الشوارع دون حراسة، وكذلك في القرى والعزب، ليعيد عصر عمر بن الخطاب، لكن المحيطين به أوهموه أن العالم كله يريد اغتياله، وهم كاذبون في إدعائهم، فما كان هناك إنسان واحد في بداية الثورة، يتمنى إلا كل الخير له، ومستعد أن يفتديه بروحه، وقد كتبت عدة مقالات تحمل كل هذه المعاني، للإيحاء الى مجلس الثورة بما يجب أن يتبع". 


ويسترسل جلال ندا في مذكراته قائلا :"أعتقد بعد توضيحي لرأيي في محمد نجيب، ربما اقتنع الكثيرون أننى لم أكن متحاملا على عبد الناصر، ولم يكن بيني وبينه أية عداوة، بل بالعكس كنت أكن له كل تقدير وحب، وتمنيت أن يوفقه الله إلي الطريق القويم ليقود الأمة العربية، ولكن الأسلوب الذى  فرضته عليه مراكز القوى، هو الذى قلل من شعبيته إلي حد ما، .. إلا أنه برغم ما حدث من أخطاء في مسيرة ثورة ٢٣ يوليو، إلا إن عبدالناصر كان يتحلى بصفات نادرة يعز وجودها في الكثيرين، فقد كان من أحرص الناس على كرامته، وكانت شخصيته فذه ويشهد على ذلك مؤتمر القمة في الرباط عقب النكسة، عندما حدد ما تحتاج اليه القوات المسلحة، فأراد بعض الاخوة ان يساوموه، فانتفض واقفا مستعدا للانصراف، فما كان أسرعهم في الالتفاف حوله ومراضاته، ومن ثم استجابوا لطلباته بالكامل، .. هذه لمحة موجزة عن المرحوم جمال عبدالناصر كي أصحح ما أسئ فهمه في الماضي.

والآن ينبري الكتاب والصحفيون وزملاء السلاح، يتناولون مواضيعا ما كانوا يجرؤون على تناولها في حياته، ولو سلمت جدلا أن فترة الثمانية عشر عاما من الثورة قد تخللها بعض الاخطاء، فليس من الشهامة ولا من الرجولة طرحها بهذا الاسلوب، فإنني أفهم أننا بصدد بناء أمة جديدة على أساس قويم، يعتمد على جيل جديد من الشباب، فيجب ان نستخلص من التجربة الماضية، دروسا للاستفادة منها حتى لا نقع في الخطأ مرة أخرى، - وإلا فما الهدف من دفع هذا الجيل الجديد من الشباب إلى دوامة لا يعرف فيها رأسه من رجليه؟، .. إن الذين شاركوا في إفساد الحياة الاجتماعية في السابق هم أنفسهم الذين يساهمون حاليا في إفسادها".

ذلك ما كان بيني وبين عبد الناصر الزعيم ونجيب الرئيس، الذي لم يكن يصلح أبدا للزعامة، وكلاهما له في نفسي موضعا كريما، فلم أنس انني وعبد الناصر من خريجي نفس الدفعة بل أتذكر يوم أن بدأ الملازم أول محمد فتحي عبد العزيز، ينادي أسماء الطلبة الناجحين في كشف هيئة الكلية الحربية، يوم 10 مارس 1937 ، وبعد أن نادي اسمي تلاه باسم جمال عبد الناصر حسين، وأمضينا معا فترة الدراسة، كل منا في سرية مختلفة، وفي 30 يونيو 1938 أعلنت نتيجة تخرجنا ملازمين ثوان، ليخدم كل منا في وحدة مختلفة، حيث كنت أنا في مرسي مطروح وهو في منقباد، حتي اجتمعنا سويا في حرب فلسطين، وكانت حكاية انقاذي له التي رويتها في سطور سابقة، وكانت نتيجتها أن كتب الله السلامة لعبد الناصر، فحضر إلينا بعد وقف القتال، دون أن أحاول قص ما حدث عليه، حيث شعرت أن ما فعلته هو  ما أملاه علي ضميري وواجبي نحو وطني في المقام الأول ثم نحو زميل في المقام الثاني، وحتي بعد أن قامت الثورة لم أبح له بما حدث حتي لا يُفسر بأني أنافقه للحصول علي مكسب، حتي لو كان حقا ضائعا منذ أيام الملك .

أما نجيب وقد قال فيه جلال ندا ما يمكن أن يريح ضميره، بحسب ما أقر به للكاتب شخصيا، تأتي شهادة الدكتور عاصم الدسوقي لتبرر ما رآه البعض من سوءات عبد الناصر بعد أن أطاح بنجيب حين قال :" قائد الثورة الفعلي هو جمال عبدالناصر وليس محمد نجيب، وبالتالي من حقه أن يقود تنفيذ الأهداف، التي كان قد رسمها هو للثورة، التي اختمرت في عقله، منذ حصار الفالوجا في أكتوبر1948، وقد بدأ وقتها في تشكيل تنظيم الضباط الأحرار، في أواخر عام 1949 وتولى رئاسته في يناير 1950، وكان التنظيم عنقوديا بحيث لا تعرف مجموعة منه الأخرى، ووضع عبدالناصر لكل مجموعة رئيسا، لذا كان هو الشخص الوحيد الذي يعرف كل أعضاء التنظيم، أليس من حق هذا الرجل أن يتولى "قيادة الثورة"؟. 

ويستطرد د. عاصم :" بعد أن قامت الثورة جاء عبدالناصر بمحمد نجيب لرئاسة المجلس رغم أن الأخير لم يكن صانعا لها، وقد بدأ الخلاف بين مجلس قيادة الثورة و نجيب بفعل استقطاب القوى السياسية له وحثه على الانفراد بالقرار من دون الرجوع إلى مجلس القيادة، وهنا استشعر أعضاءه خطورة الموقف، خاصة عندما بدأ نجيب يكسب ود القوى السياسية التي حكمت البلاد مع الملك، وأدت سياستها إلى انتشار الفساد والمحسوبية والفقر والجهل في البلاد، و بدأت تتأزم الأمور داخل مجلس قيادة الثورة، بين نجيب من جهة وباقي أعضاء المجلس من جهة أخرى، خاصة عندما وجدوه يردد ما تطالب به الأحزاب السياسية، بأن تتولى هي قيادة البلاد وأن يعود الجيش إلى ثكناته، وهو أمر غاية في الغرابة، إذ كيف يمكن أن يسلم الحكم لأحزاب فشلت وتسببت وعاشت في خدمة الملك والإنجليز، وهنا استشعر عبدالناصر حجم الخطر الذي يمكن أن تقع فيه الثورة، خاصة بعد أن استغلت الأحزاب قرارها بإلغاء الدستور في ديسمبر 1952 ، وراحت توقع بين نجيب وعبدالناصر، علما بأن إلغاء الدستور أمر معروف في كل ثورات العالم".

وهو ما لا يمكن أبدا احتسابه خطأ، فإذا لم يلغ الدستور، فلماذا إذن قامت الثورة؟ لقد قامت الثورة ضد حكم فاسد كان يحكمه الدستور، لذا كان الأمر الطبيعي أن يلغى هذا الدستور ودروس التاريخ تؤكد ذلك، فالثورة الأمريكية التي قامت ضد المستعمرات والإدارة البريطانية، وأعلنت استقلال المستوطنات، صدر لها دستور عام1781 ، والسؤال هنا: كيف يمكن أن أقوم بثورة وأبقي على دستور يؤكد أن الملك يملك ويحكم؟ و كيف يمكن للثورة أن تطيح الملك في ظل بقاء الدستور؟