عماد الصابريحقق مذكرات البكباشي جلال ندا ( 4 ) :معارك الدبابات كما يرويها البكباشي عبد القادر حاتم

عماد-الصابر-يحقق-مذكرات-البكباشي-جلال-ندا-4-معارك-الدبابات-كما-يرويها-البكباشي-عبدالقادر-حاتم

بين أوراق جلال ندا وأكدت أن الهزيمة في فلسطين صنعتها القيادات

معارك الدبابات كما يرويها البكباشي عبد القادر حاتم في يومياته  

قمنا ببطولات فاقت الإمكانيات الضعيفة وعدم التخطيط  أو التنسيق وفارق التسليح مع العدو وتردد قيادة الجيش 

استولينا علي موقع تبة الفناطيس ببسالة الرجال رغم شدة نيران العدو وقلة المعدات وعدم اختبار الأرض قبل الهدنة بيوم  

الصهاينة اخترقوا الهدنة واحتلوا قريتي بيت عفه وعبديس .. لكننا نجحنا في تحرير الأولي وفشلنا في دخول الثانية

المحصلة كانت هزيمة تسبب فيها القصور في التسليح وضعف التنسيق بين القوات المشتركة وعدم التدريب علي المهام القتالية المختلفة

عبد الناصر : عندما وصلنا للقاعدة لم نكن نعلم اين مواقع وحداتنا بالضبط  ولم نجد أحدا يرشدنا إلي هذه المواقع

صدرت الأوامر بمهاجمة مستعمرة الديجور دون أن نمنح أية معلومات عنها والدليل أرشدنا للطريق فقط فكانت الخسائر فادحة

  : سمعت جنديا يلخص حال الجيش المصري وقياداته وقتها في لهجة ساخرة وهو يقول  "يا خيبيتنا يا خيبيتنا "


في الحلقة السابقة تحدثنا عن البطولات في حرب النكبة، كما يطلق عليها الان لتزامنها مع إعلان تأسيس الكيان الصهيوني، تحدثنا عن البطولة ممثلة في شخص البطل أحمد عبد العزيز، وهو البطل المعلن دون أن نعرف أحدا من جنوده، لنتحدث عنه، وفي هذه الحلقة سنتحدث عن البطولات الجماعية ممثلة في بطولة كتيبة الدبابات اللوكوست، تماما كما كتبها قائدها البكباشي محمد عبد القادر حاتم، الذي ربما يكون هو نفسه الدكتور محمد عبد القادر حاتم، مؤسس التليفزيون المصري ثم وزير الإعلام فيما بعد، وكانت ضمن الأوراق التي أمدنا بها الراحل جلال ندا، ويبدأها من يوم 23 مايو من عام 1948 .

يقول حاتم في أوراقه :" قامت الكتيبة الأولي دبابات خفيفة من القاهرة، وكانت قوتها عبارة عن عدد 7 ضباط، هم الصاغ منصور لطفي منصور، و اليوزباشي محمد جمال الدين ملش، م أول أحمد عز الدين جعفر، م أول محمد فؤاد السيوفي، م ثان مصطفي حسن حمزة، م ثان فؤاد حسن حلمي كرارة، م ثان كمال حبيب أيوب، بالإضافة إلي 101 صف وجندي، و9 صانع ملكي، بالإضافة إلي 16 دبابة خفيفة و 12 لوري وعربة حملة. 

وصلت الكتيبة إلي غزة يوم 26 مايو وقسمت إلي قسمين كل منهما 3 دبابات ومعها الحملة اللازمة، بقيادة الصاغ منصور لطفي منصور، والثاني بقيادة اليوزباشي محمد جمال الدين ملش، الأول بدير سبير والثاني بغزة، الذي تحرك يوم 28 مايو لينضم علي قوة دير سبير، بهدف حماية الجانب الأيمن للقوات، وفي يوم 31 مايو تحركت الكتيبة بأكملها كمقدمة للقوات إلي أسدود، لتحاصر مستعمرة نتساليم لمنعها من التدخل في عملية التقدم، .. قامت الكتيبة بعملها واستأنفت التقدم لأسدود في الساعة الثالثة من عصر نفس اليوم، وبقيت بها لمدة 24 ساعة، ثم عادت إلي المجدل يوم 1 يونيو بناء علي طلب رئاسة القوات.

معارك الدبابات بخط عبدالقادر حاتم 

وكما كتب البكباشي وقتها محمد عبد القادر حاتم عن عملية نجبا الأولي :" في يوم 2 يونيو 1948 – نفس اليوم الذي سيصفه هيكل في حلقة مقبلة بيوم النصر، فيما كانت الهزيمة والفشل سببا في حزن جلال ندا - شاركت كتيبة الدبابات بقيادة الصاغ منصور لطفي الكتيبة الأولي مشاة، وفصيلة من المناضلين العرب مسلحة، بالإضافة إلي مساعدة من القائمقام السيد طه، كان الهجوم علي موجتين، الأولي تبدأ الساعة الرابعة والنصف صباحا، وتتشكل من سريتي دبابات ومعها الدبابة "الفيات"، و فصيلة من المناضلين وفصيلة المشاة بقيادة البكباشي يوسف شلبي، أما الموجة الثانية فتشكلت من كتيبتي دبابات وسرية مشاة وباقي كتيبة المشاة وسرية سيارات مدرعة ومعها فصيلة حمالات". 

يحكي حاتم عن سير العملية بقولة :" تقدمت الموجة الأولي وفتح المناضلون ثغرة في الأسلاك، لكنها لم تكن كافية فقامت الدبابة "الفيات" بفتح ثغرة أخري، تقدمت منها لداخل المستعمرة، وخلفها باقي الدبابات حيث اشتبكت مع الدشم ودمرت بعضها، وتمكنت عناصر المشاة من احتلال دشمة واحدة فقط، ولم تتمكن باقي الفصيلة من متابعة الدبابات لشدة نيران العدو، .. فيما تقدمت الموجة الثانية بعد الأولي بنصف ساعة، ودخلت المعركة وأحكمت غلق الثغرات، وكان واجبها استغلال نجاح الموجة الأولي، واحتلال القطاع الأيمن من المستعمرة، لكنها لم تتمكن من الدخول للمستعمرة بسرعة نظرا لاستخدام العدو للمدافع المضادة للدبابات".  عبدالقادر حاتم 

في الساعة الواحدة والنصف ظهرا كما تقول سطور حاتم، صدرت الأوامر من القائد العام بالانسحاب لوصول معلومات تفيد بأن العدو يزحف بقوات كبيرة لعمل هجوم مضاد، علي الجانب الأيمن وبدأ بالفعل في فتح نيران شديدة، من مدافع الهاون مركزة علي الدبابات، فانسحبت القوات المشتركة في العملية عدا الدبابات، التي بقيت لعمل ستارة من الدخان حتي الساعة الثالثة، لستر انسحابها ولإتمام عملية انسحاب باقي القوات التي عادت بالفعل للمجدل، وكما ذكرت السطور فإن المعركة أسفرت عن خسارة دبابة واحدة، واستشهاد جندي بدرجة أومباشي اسمه محمد أبو الريش عبد العزيز. 

ثم تضيف سطور البكباشي عبد القادر حاتم فتقول:" في الفترة من 2 إلي 7 يونيو، تم إعداد وتجهيز الدبابات للعمليات، وصدرت الأوامر بالاستعداد لاحتلال مستعمرة نيتساليم، وهذه العملية شاركت فيها قوات مشتركة من الكتيبة التاسعة مشاة وسرية من الكتيبة السابعة وكتيبة دبابات، بالإضافة لكتيبة سيارات مدرعة، ووحدات مساعدة بقيادة القائمقام محمد كامل الرحماني بك، وكان المخطط هو الاستيلاء علي المستعمرة علي مرحلتين، .. الأولي تحتل منطقة الفناطيس والحمام، بالجانب الأيمن، فيما تكون مهمة القوات المشاركة في المرحلة الثانية احتلال الجانب الأيسر منها واحتلالها كاملة". 

وتستمر حكاية المعركة الثانية لاحتلال مستعمرة نيتساليم فيقول حاتم :" نظرا لعدم القيام بعمليات استكشاف واختبار للأرض المناسبة للدبابات، تداخلت المرحلتين ودخلت الدبابات كتيبة كاملة غير مجزأة وقامت بالآتي :" في الساعة العاشرة تقدمت الدبابات في الأرض المناسبة، واقتربت من المستعمرة حتي أحاطت بها من الجانب الأيمن "منطقة الفناطيس"، واشتبكت مع العدو بنيرانها إلي أن تمكنت من اسكات جميع الدشم، وفي العاشرة والنصف تسللت قوات المشاة داخل بقايا مستعمرات الجيش الانجليزي، إلي أن أصبحت خلف الدبابات مباشرة، ثم فتحت ثغرات داخل أسلاك المستعمرة، وتقدمت واحتلت دشم المنطقة فاضطر العدو للانسحاب إلي الجانب الأيسر من  المستعمرة". 

بعد ذلك كما تقول سطور الباكباشي حاتم :" في المرحلة الثانية تقدمت المشاة في منطقة الفناطيس للضلع المقابل وانفصلت سرية دبابات ومعها رئاسة الكتيبة، إلي الجانب الأيمن وانضمت مع المشاة المذكورة لتغطية الثغرة بين الفناطيس والبحر، بالنيران، ومعاونة المشاة أثناء التقدم واحتلال باقي المواقع خلف المنطقة، فانسحبت جميع عناصر العدو إلي الجانب الأيسر، مما دعا لإرسال سريتي دبابات للمعاونة مع كتيبة السيارات لسحق مقاومة العدو في تلك المنطقة، فكان لها أكبر الأثر في تسليم العدو، فيما لم تخسر القوات المصرية سوي سائق الدبابة الفيات، أما المعدات فلا خسائر فيها ". 

عملية تبة الفناطيس

تقول سطور عبد القادر حاتم :" كان من المقدر بداية الهدنة في يوم 10 يونيو 1948، من الساعة العاشرة صباحا، فانتهز اليهود الفرصة واحتلوا تبة الفناطيس لقطع الطريق بين المجدل وأسدود، وفي الساعة 500 "الخامسة صباحا" يوم 9 يونيو وصلت أوامر بطلب سرية دبابات واحدة للمعاونة مع قوة الكتيبة التاسعة مشاة، لطرد العدو من مواقعة، علي أساس تقدير قوته بفصيلة مشاة واحدة، .. تقدمت السرية بقيادة ملازم أول محمد فؤاد السيوفي، حسب الخطة الموضوعة، ومعها جماعة هاون، ووصلت إلي مسافة 200 مترا من الجهة اليسري واشتبكت مع العدو، في مواقعه إلي أن أصبحت النيران مؤثرة جدا، وعند ذلك بدأ العدو في الرد عليها بنيران مركزة، سببت خسائر فادحة في جماعة الهاون، مما اضطرها للانسحاب فيما بقيت الدبابات وحدها في مواقعها، .. ولما كان العدو قد عزز قواته بسرعة فقد طلبت سرية دبابات أخري قيادة الملازم ثان فؤاد كرارة، تقدمت إلي مدي قريب من العدو..

حاتم ضمن اول تشكيل للمخابرات 

 وفي الساعة 900 كان الموقف كالتالي، لايزال العدو في مواقعه بمواجهة ، سرية دبابات علي مسافة 100 مترا وسرية علي الجانب الأيسر علي نفس المسافة السابقة، فيما المشاة يحتلون تبة علي مقربة من العدو، ولا توجد خطوط اقتراب مستورة تمكن المشاة من التسلل إلي مواقع الدبابات، ليبقي الموقف علي هذه الحال حتي الساعة 1000 " العاشرة ص "، حيث صدرت الأوامر إلي باقي كتيبة الدبابات للتحرك من المجدل إلي المعركة، وحين وصلت تمكنت القوة من اقتحام مواقع العدو وأجبرته علي التسليم، ثم تقدم المشاة لاحتلال الموقع وأستلمت الأسري، ثم تقدمت الدبابات لستر احتلال المواقع، ومواجهة أي هجوم مضاد، حتي صدرت الأوامر من القيادة بالانسحاب، ولم نخسر يومهات سوي جندي واحد هو الأونباشي محمد صالح هنداوي، بالإضافة إلي 3 دبابات دمرت من تأثير الألغام، وفي اليوم التالي 10 يونيو قام العدو بهجوم مضاد إلا أن قوات المشاة قامت بصده وطرده، وفي الساعة العاشرة صباحا صدرت الأوامر بإيقاف إطلاق النار . 

" كوكبة " وبيت عفه 

كانت الهدنة من 10 يونيو ولمدة شهر، وهي فترة مرت في بدايتها هادئة، وكان واجب الدبابات وقتها هو حراسة تقاطع الطرق " كوكبة – برنيس "، وهو الطريق الرئيسي للمستعمرات لتموين الجنوبية، ولم يكن يسمح بمرور قوافل تموين إلا ما كان تحت إشراف مندوبي الأمم المتحدة، لكن بدأ اليهود في اختراق وقف إطلاق النار، وهاجموا القري العربية الآمنة متحدين أوامر وقف القتال، فاحتلوا قرية كوكبة، مما اضطر السلطات المصرية للرد عليهم وإخراجهم بالقوة، وفي ليلة التاسع من يوليو استولي العدو علي قريتي تبة عفه وعبديس، فطلبت رئاسة اللواء الرابع سرية دبابات للاشتراك في للاشتراك في الهجوم علي القريتين المذكورتين".

لكن بعد محاولات عديدة ذكرها حاتم في مذكراته عن كتيبة الدبابات اللوكوست، حيث نجحت القوات في استعادة قرية بيت عفه، واقتحمت قرية عبديس، في النهار مكبدة العدو خسائر فادحة، إلا أنها انسحبت ليلا إلي قرية بيت عفه، وسحبت جميع المعدات المعطلة لإصلاحها بالقاعدة، ثم حاولت في اليوم التالي اقتحام قرية عبديس، إلا أنها هوجمت بشراسة من القوات الصهيونية، فلم تتمكن من متابعة التقدم، وأعيد الهجوم مرة أخري لكنه مني بالفشل لشدة نيران العدو، ولم تفلح القوات في العملية، حتي بعد استعانتها بسريتين إضافيتين إحداهما سعودية والأخري وسودانية. 

القراءة بعيدا عن تفصيلات القوات التي ذكرها حاتم في ذكرياته عن معارك الدبابات في حرب النكبة، تؤكد أن هناك قصورا في التسليح وضعفا في التنسيق بين القوات، المختلفة العربية أو المصرية علي حد سواء، حدث هذا في معارك عدة بعد إقرار الهدنة الأولي وتجلت بعد انتهائها، مثل معارك نجبا الثانية و واسحق بيرون رغم تكبيد العدو خسائرا كبيرة إلا أن القوات المشتركة لم تفلح في مهمتها وهي احتلال البلدتين، .. النتيجة التي توصلنا إليها من خلال السطور التي كتبها البكباشي وقتها محمد عبد القادر حاتم، ربما تؤكدها أو تنفيها ذكريات قائد الثورة البكباشي وقتها أيضا جمال عبد الناصر عن نفس الحرب .   

لم أكن متفرجا

في بداية مذكراته عن حرب فلسطين قال جمال عبد الناصر: "لم أكن في مأساة فلسطين أجلس علي مقاعد المتفرجين!كما كنت أجلس في تلك القصة المثيرة التي شاهدتها في إحدي دور السينما بالقاهرة منذ بضعة أسابيع!كنت أيامها علي المسرح، ..مع غيري من آلاف الضباط والجنود الذين زيفت عليهم هزيمة لم يرتكبوها!". 

ويكمل جمال عبد الناصر في مذكراته:"ذات صباح..وجدت نفسي مع عبد الحكيم عامر وزكريا محيي الدين نودع صديقنا وزميلنا في اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار، كمال الدين حسين، وكان في طريقه الي فلسطين مع غيره من الأصدقاء والزملاء، كنا نواعدهم علي اللقاء بعد يوم غير بعيد في الأرض المقدسة التي سوف يسبقوننا إليها، كنا نؤكد لهم في حماسة ملتهبة أننا سنحاول من القاهرة أن نبذل جهدنا لانجاح معركتهم، وكان آخر شيء قلته لكمال الدين حسين قبل أن يتحرك القطار:" إذا احتجت شيئا فابعث لي سوف ألاحق أية طلبات لكم في الجيش، ولن نترك الروتين العادي والتواكل والتهاون تعوق طريقكم!، وتحرك القطار..وقلوبنا تهتز من فرط الانفعال!".

عبدالناصر في الفالوجا 

ثم يضيف :" ذات يوم قيل لنا أن دفعتنا من كلية أركان الحرب، سوف تتخرج قبل الوقت المحدد، فان احتمالات فلسطين تقضي بهذا، وكان احتفال التخرج بسيطا، هرعنا بعده لنعرف أين ينتهي بنا المطاف، وصدرت لي الأوامر بأن ألتحق بالكتيبة السادسة، وصدرت الأوامر لعبد الحكيم عامر لكي يلتحق بالكتيبة التاسعة، ولزكريا محيي الدين لكي يلتحق بالكتيبة الأولي، وكانت الكتائب الثلاث يومها علي الحدود..، ولم يكن هناك من يعرف علي وجه اليقين، ما الذي ستأتي به الأيام المقبلة!وكنا نحن الثلاثة ـ علي أي حال ـ نتعجل الزمان، لكي نستطيع أن نلحق بكتائبنا علي الحدود، وكانت الأوامر الصادرة لنا بأن نغادر القاهرة يوم 16 مايو 1948، ولكن حماستنا لم تكن تطيق الانتظار..، غادرت بيتي صباح 16 مايو أحمل حقيبة الميدان، بعد أن تركت علي إحدي الموائد صحيفة الصباح، وكانت صفحتها الأولي مليئة بالبلاغ الرسمي الأول الذي صدر عن وزارة الدفاع في ذلك الوقت يروي للناس بداية العمليات الحربية في فلسطين.وبأحاسيس صادقة ومشاعر عميقة، ولم يكد القطار يتحرك في اتجاه ميدان القتال حتي أصبح الركن الذي جلسنا فيه ـ عبد الحكيم عامر وزكريا وأنا ـ أشبه بغرفة عمليات حربية!وفتحنا خريطة كبيرة بيننا..وبدأنا نناقش الموقف..وبدت أمامنا للوهلة الأولي فجوات كان يمكن أن يتسرب منها الي خطوطنا خطر!

أسئلة ناصر الحرجة

كان الجيش المصري يومها مكونا من تسع كتائب، ولكن ثلاثا منها فقط كانت قرب الحدود حينما صدر الأمر بدخول فلسطين!وكانت هناك كتيبة رابعة في الطريق..وكنا نتساءل والقطار يندفع بنا الي ميدان القتال:لماذا لم يحشد عدد كبير من الكتائب ما دمنا نريد دخول حرب فلسطين؟ولماذا لم يستدع الاحتياطي لكي تكون منه كتائب جديدة ترسل الي الميدان علي عجل؟

ثم لماذا يصف البلاغ الرسمي الأول عمليات فلسطين بأنها مجرد حملة لتأديب العصابات الصهيونية؟ علي أي حال..فان الحماسة لم تلبث أن ملأت الفجوات جميعا وسدت ما بينها!لكن الإحساس بالفجوات المنذرة بالخطر، لم يلبث أن عاد إلينا عندما وصل القطار الي العريش، كان المظهر الخارجي للبلدة الغارقة في ظلام الليل الحالك، يتلاقي في خيالنا مع الهيبة التي كنا نتصورها للقاعدة الخلفية لميدان العمليات، لكن المتناقضات كانت تصدمنا كلما تعمقنا داخل المظهر الخارجي الي صميم العمل الحربي، الذي كان يجب أن تقوم به القاعدة، لم يكن هناك من يهتم بنا أو يرشدنا الي ما يتعين علينا صنعه، ولم نكن ندري أين مواقع وحداتنا بالضبط حتي نستطيع أن نلحق بها، ولم نجد أحدا يستطيع أن يرشدنا الي هذه المواقع!


الكتيبة في الدنجور 

وبكل صراحة يصف جمال عبد الناصر الوضع البائس الذي وجد عليه الجيش المصري في فلسطين قائلا:" كان الجو في الكتيبة السادسة حين وصلت إليها في حال عجيب!، كانت قد فرغت لتوها من العملية العسكرية ضد مستعمرة الدنجور، وعادت بعدها الي مراكزها في رفح وتركت الكتيبة وراءها علي أرض المعركة حول الدنجور بعض الضحايا، ولكني أحسست أنه كان من بين الضحايا، الذين تركتهم الكتيبة عند الدنجور إيمانها بالحرب التي تخوض غمارها!،.. وبدأت أسمع التفاصيل..صدرت الأوامر من القاهرة بأن تتحرك الكتيبة الي الدنجور في ليلة 15 ايار (مايو)، ولم يكن هناك وقت لكي تستكشف الكتيبة هدفها الذي سوف تهاجمه، وكذلك لم تكن هناك معلومات قدمت عنه!وكان هناك دليل عربي واحد!

كانت مهمة الدليل قيادة الكتيبة الي موقع مستعمرة الدنجور، ولم يكن هذا الدليل يعلم شيئا عن تحصيناتها ودفاعها، وكل الذي قام به هو ارشاد الكتيبة الي الطريق، ويدلي لها بمعلومات غير واضحة، ولا دقيقة حتي ظهرت أمامها فجأة تحصينات الدنجور!،  .. لم يسترح الجنود بعد الرحلة الشاقة..وانما اندفعوا نحو الأسلاك!ولم يكن هناك من يعرف ما الذي يجب عمله علي وجه التحديد، لكن المدافعين عن الدنجور كانوا يعرفون!، وأصيبت الكتيبة بخسائر لم تكن متوقعة!، وعند الظهر أصدر القائد أمره بالابتعاد عنها، وعادت الكتيبة الي رفح، لتجد بلاغا رسميا أذيع في القاهرة يقول: "أنها أتمت عملية تطهير الدنجور بنجاح!، ولاحظت بين الذي سمعت من تفاصيل ظاهرتين هامتين، الأولي.. أن هناك نغمة بين الضباط تقول أن الحرب.. حرب سياسية، وكان لهذه النغمة ما يؤيدها ويتناسق معها من كل ما رأوا حولهم، لم يكن معقولا أن تكون هذه حربا!لا قوات تحتشد، لا استعدادات في الأسلحة والذخائر.لا خطط..لا استكشافات..ولا معلومات!ومع ذلك فهم هنا في ميدان قتال!

تهجير أهالي إحدي القري في فلسطين 

كان أول أيام جمال عبد الناصر في حرب فلسطين كافيا ليحكم بنفسه علي حال الجيش المصري هناك، ويدرك مبكرا أية كارثة تنتظره في هذه المعارك التاريخية، حيث سجل في  يومياته في حرب فلسطين بعد أيام من وصوله إليها فقال :" بدأت بعدها كأركان حرب للكتيبة السادسة، أشعر بالحيرة والعجز اللذين كانا يحكمان قيادتنا العليا، أكثر من غيري !كانت مئات من العوامل تتنازعني..ولم أكن أعرف الوسيلة التي أعبر بها عما أحس، وأعترف أنني سمعت من أحد الجنود تعبيرا واضحا عن حالتنا، قاله الجندي بلغته الساذجة الدارجة، ولم يكن يعرف أنني أسمعه، ولا كان يعرف أن عبارته الساذجة الدارجة، كانت وصفا صادقا لما كنا فيه!، جاءت الأوامر الي الكتيبة بأن تهد معسكرها الذي تقيم فيه، وتنقل الي مكان آخر يبعد عنه ثلاثة كيلو مترات، ولم أكن أستطيع تصور الغرض من هذا التحرك!ولكن الكارثة الكبري أن الذين أصدروا أمرهم، لم يكونوا يعرفون له غرضا هم الآخرون!وكان الدليل أنه بعد ثلاث ساعات من هذا الأمر، وبينما نحن نقيم المعسكر الجديد. جاءتنا أوامر بالتحرك الي المحطة وركوب القطار المتجه الي غزة، وبدأنا نهد الخيام التي لم نكد نفرغ من إقامتها. وجاء أحد الجاويشية الي جندي كان منهمكا في إقامة إحدي الخيام وقال له:"- يا عسكري.. هد الخيمة، ونظر الجندي في دهشة الي الجاويش، ولما علم بأن أوامر جديدة بالتحرك لركوب القطار قد صدرت، بدأ يهد الخيمة التي هدها في الصباح من مكانها، وبدأ عند الظهر يقيمها في مكان جديد، ثم أمر بهدها مرة أخري قبل أن يفرغ من إقامتها، فسمعت الجندي بأذني يقول: يا خيبتنا.. يا خيبتنا!، قالها منغمة ممدودة.. بلهجة ريفية ساخرة، وأحسست أن الشكوك التي كانت تساورني حول عجز قيادتنا وترددها قد وصلت الي الجنود وأن هذا هو التعبير البسيط الساذج عنها".


تساؤلات عبد الناصر

لماذا لم يحشد عدد كبير من الكتائب ما دمنا نريد دخول حرب فلسطين؟ ولماذا لم يستدع الاحتياطي لكي تكون منه كتائب جديدة ترسل الي الميدان علي عجل؟، ثم لماذا يصف البلاغ الرسمي الأول عمليات فلسطين بأنها مجرد حملة لتأديب العصابات الصهيونية