عماد الصابر يحقق مذكرات البكباشي جلال ندا ( 6) في الأصل كانت ثورة شعب

عماد-الصابر-يحقق-مذكرات-البكباشي-جلال-ندا-6-في-الأصل-كانت-ثورة-شعب

النحاس أراد انقاذ حكومته من الإقالة فألغي معاهدة 1936 ليمنع الملك من إصدار القرار فتجاوب الشعب معه

حكومة الوفد الأخيرة تعملت مع الملك بمنطق "شيلني وأشيلك" فلما ساءت أحوال الناس وشعر بالخطورة أراد التضحية بالنحاس لكن الأخير سبقه

رد بريطانيا جاء عنيفا فنسفت قرية كفر عبده وذبحت قوات الشرطة في الإسماعيلية وقتلت كل من تصورت انه من الفدائيين

الضباط الأحرار شاركوا جموع المدنيين في تكوين مجموعات فدائية كبدت الاحتلال البريطاني خسائر فادحة مهدت لنجاح الثورة 

يوم حريق القاهرة بدأ بمظاهرات غاضبة ضد الاحتلال والملك وانتهي نهاية مأساوية بعد اندساس المتآمرين من ركاب الدراجات البخارية ! 

التحرك الشعبي الذي قصده جلال ندا عند تعرضه لمصطلح "المواطنون الأحرار"، وكذلك ما سبق أن ذكره عبر الإشارة إلي كتائب حزب مصر الفتاة التي تولي قيادتها، وأكده الباحث العراقي الدكتور أحمد هاشم جواد ومعه أكثر من مؤرخ، جاء علي نحو مجمل، لكننا سنحاول تفصيله في السطور التالية مساهمة منا في توثيق تاريخ عليه شهود لا تاريخ قائم علي التزييف وشهود الزور، كما فعل فصيل الإخوان فيما سبق ذكره، حيث تبدأ الأحداث التفصيلية بيوم الاثنين 8 أكتوبر عام 1951، وهو اليوم الذي فسره عدد من المؤرخين بأنه نتاج تدهور شعبية وزارة الوفد برئاسة مصطفي النحاس، التي تولت الحكم في 3 يناير 1950، لكنها كما قالوا كانت مختلفة عما سبقها من وزارات وفدية، حيث عمد النحاس إلي سياسة المهاودة و المسالمة مع الملك، فكان ينفذ للملك كل مطالبه و يتغضي عن مفاسده و مفاسد حاشيته، و يعمل علي تلميع صورته في الإعلام، فلم يعد مصطفي النحاس هو المجاهد الكبير الذي يسعي لتحقيق حرية الوطن و استقلاله، و إنما أصبح رجل سياسة يتبادل المصالح و المنفعة مع الملك ليبقي في السلطة.

في ذلك الوقت كانت مصر تتعرض لظروف اقتصادية صعبة، أسهم فيها الملك و الحكومة معاً ، حيث جمعتهما صفقات علي حساب المصريين، فكان ذلك إيذاناً بالانهيار وتحرك الشعب ضد النظام باكمله، ورغم أن وزارة النحاس أبدت تعاوناً كبيراً مع الملك في تصريف مصالحه، إلا أنه ما لبث أن ملّ و أراد التخلص منها و تحميلها وزر الظروف الإقتصادية المتردية، فأحس النحاس بدنو أجل وزارته وأن إقالتها  مسألة وقت، فعمد إلي لعبة سياسية إنقاذا لشعبيته،  فقام بإلغاء معاهدة 1936، في مساء 8 أكتوبر 1951 ، ذلك التوقيت لمنع الملك من إقالة حكومته، لأن إقالتها في ذلك الوقت سيجعلها تبدو أمام المصريين شهيدة الوطنية

فاجتمع البرلمان بمجلسيه (النواب والشيوخ) مساء ذلك اليوم، وألقى مصطفى النحاس بياناً تفصيلياً عن سياسة الحكومة، أعلن فيه قطع المفاوضات السياسية، التي كانت قائمة في عهد وزارة الوفد بين الحكومتين المصرية والبريطانية، "بعد أن تبين عدم جدواها".

 كما أعلن إلغاء معاهدة 26 أغسطس 1936 واتفاقيتي 19 يناير و10 يوليه عام 1899 في شأن إدارة السودان، وقدم إلى البرلمان مشروعات القوانين التي تضمنت هذا الإلغاء. وصدر القانون الرقم 175 لعام 1951، بإنهاء العمل بأحكام معاهدة 1936، موقعاً بتوقيع رئيس مجلس الوزراء، مصطفى النحاس، الملك فاروق، فاستقبل الشعب المصري، إلغاء المعاهدة 1936، بالفرحة الشديدة المختلطة بالحماسة، متجاوبا مع الحكومة في مقاومة الاحتلال البريطاني، في منطقة السويس.

علي الجانب الآخر تلقت بريطانيا الأمر بعصبية شديدة، حيث صرح هربرت موريسون، وزير خارجيتها، أن حكومته ستقابل القوة بالقوة إذا اقتضى الأمر، لبقاء قواتها في منطقة قناة السويس، وأنها لن تذعن لمحاولة مصر تمزيق المعاهدة، فيما أصدرت السفارة البريطانية في القاهرة مساء يوم إلغاء المعاهدة، بياناً أعلنت فيه أن إلغاء الحكومة المصرية للمعاهدة، من جانبها واحد، عمل غير قانوني ويخالف أحكام المعاهدة، وأن الحكومة البريطانية تعتبرها سارية المفعول، وتعتزم التمسك بحقوقها بمقتضى هذه المعاهدة، بينما ألقى ونستون تشرشل، زعيم المحافظين وزعيم المعارضة وقتئذ، خطاباً في مجلس العموم أيد فيه موقف حكومة العمال، وقال إن إقدام حكومة مصر على إجلاء الإنجليز، عن منطقة قناة السويس والسودان، ضربة أخطر وأكثر مهانة لكرامتها من اضطرارها إلى الجلاء عن "عبدان" بإيران.

علي المستوي الحكومي ترتب على إلغاء المعاهدة، إلغاء جميع الإعفاءات المالية، التي كانت ممنوحة للسلطات العسكرية البريطانية، بمقتضى تلك المعاهدة، وتشمل الرسوم الجمركية على المهمات والأسلحة والعتاد ومواد التموين وما إلى ذلك، وامتنعت الحكومة عامة عن أداء التسهيلات والخدمات، التي كانت تؤديها للسلطات العسكرية البريطانية، ومنها مواد التموين، ومنعت وصول ضباط وأفراد القوات البريطانية إلى داخل البلاد، وحرمت دخول الرعايا البريطانيين المدنيين، الذين كانوا يعملون في خدمة القوات البريطانية، القادمين من الخارج، ما لم يكونوا حاملين لجوازات سفر معتمدة من السلطات القنصلية المصرية في البلاد القادمين منها، وأنهت تصاريح الإقامة للبريطانيين، الذين كانت إقامتهم في البلاد لسبب الخدمة في القوات العسكرية البريطانية أو لصالحها.

أما علي المستوي الشعبي،  فبدأ الكفاح في منطقة القناة، وأضرب العمال المصريون في المعسكرات البريطانية عن العمل فيها، وانسحبوا جميعاً منها، ويذكر خالد محيي الدين في مذكراته معلقاً على أحداث هذه الفترة، بقوله: "بعد إلغاء معاهدة 1936، بدأت على الفور عمليات فدائية ضد قوات الاحتلال، في منطقة القناة، وتفجر الغضب الشعبي، بصورة لم يسبق لها مثيل، وتساقط الشهداء، وعجزت قوات البوليس عن مواجهة قوات الاحتلال، وتساءل الناس، وكانوا على حق تماماً: أين الجيش؟ والحقيقة أننا بدأنا نشعر بحرج شديد، وكنا قد طالبنا بإحالة عدد من الضباط إلى الاستيداع ليتمكنوا من السفر إلى القناة ورُفض طلبنا".

كتائب التحرير 

تطوع كثير من الشباب في الكفاح ضد الإنجليز في القناة، وألفوا من بينهم كتائب سميت بكتائب الفدائيين أو كتائب التحرير، تكونت في القاهرة وفي المدن والقرى الواقعة في منطقة القناة أو القريبة منها، وهو ما ذكره جلال ندا في سطور سبقت نؤكدها في تلك السطور، .. كان لهذه الكتائب عمل إيجابي جليل في تنظيم حركة الكفاح، وبث روح المقاومة في نفوس المواطنين، .. يقول خالد محيي الدين: "ومع تصاعد الأحداث، تصاعد  الحرج، وقررنا أن يتوجه عدد من الضباط بشكل جماعي، إلى رئاسة أركان الحرب بكوبري القبة، طالبين بالسماح لهم بالسفر إلى القناة للوقوف مع الشعب، في مواجهة الاحتلال، لكن القائمقام  رشاد مهنا "عضو مجلس الوصاية فيما بعد"، وكان على صلة بالضباط الأحرار، اعترض على ذلك قائلاً: أن حركة كهذه قد تؤدي إلى كشف العديد من الضباط، وقد تؤدي إلى اعتقالهم وإلى إجهاض حركتنا يقصد تنظيم الضباط الأحرار وبالتالي حركة الجيش، وبالفعل صرفنا النظر عن ذلك، لكن عددا من الضباط الأحرار بدأ في السفر إلى منطقة القناة للإسهام في المعارك، وفي هذه الأثناء بدأنا في تجميع كميات كبيرة من الذخيرة والأسلحة، وكان هذا سهلاً للغاية، ففي عمليات التدريب على ضرب النار، كان من السهل أن يقرر ضابط أن رجاله ضربوا 100000 طلقة بينما هم استهلكوا فقط 20000 طلقة، وهكذا تجمعت لدينا كميات هائلة، أعطينا قسما منها للإخوان المسلمين، وقسما آخر تسلمه أحمد فؤاد ليوصله إلى "حدتو"، وقد أبدى عبدالناصر دهشته عندما أبلغته بذلك، وقال: "أنا أعرف أن الشيوعيين بتوع كلام وسياسة ومش بتوع عمل مسلح"، ولكنني أبلغته أن لهم مجموعة في القناة اسمها "الأنصار" فوافق على تسليمهم الذخيرة والسلاح.

ويذكر السفير جمال الدين منصور" أحد الضباط الأحرار، ومن المؤسسين لتنظيم ضباط الفرسان السري عام1945 ولعب دورا كبيرا مع رفاقه من ضباط الفرسان، في المساهمة في التنظيم والإعداد لثورة يوليو 1952، وبعد نجاح الثورة واختلافه مع عبدالناصر ومجلس قيادة الثورة، فضل العمل في الحقل الدبلوماسي حتى وصل إلى درجة سفير" فيقول : "قمنا بالاتصال بحزب مصر الفتاة ورئيسه أحمد حسين، وبدأنا في تقسيم قوات الفدائيين إلى جماعات، على ألاّ تزيد أي جماعة على عشرة أفراد، ونشط الزملاء في تدريب المواطنين وكنا نبدأ بالتدريب النظري على مختلف الأسلحة الخفيفة، القنبلة اليدوية، والبندقية "لي إنفيلد"، ثم ننتقل بهم إلى أماكن غير آهلة بالسكان مثل مقابر الغفير، لإجراء التدريبات العملية حول استعمال الأسلحة المختلفة، خاصة القنابل اليدوية، وكان يحضر إلى منزلي بالزيتون مجموعة من الشباب بين طالب وعامل، للتدريب النظري والاستماع إلى شرح أجزاء الأسلحة الخفيفة المختلفة، تمهيدا للذهاب إلى التدريب العملي في أرض المقابر، ثم القيام بعد ذلك بالعمليات المطلوبة منهم في القناة".

كما شارك أحرار الفرسان في الكثير من العمليات الفدائية في منطقة قناة السويس، ويذكر السفير جمال منصور: قاد عبدالحميد كفافي، أحد أفراد مجموعة الفرسان المؤسسين للتنظيم، بعض الأفراد الذين كانوا يقومون بالتدريب بشكل منتظم، إلى منطقة القناة وهاجم معسكر التل الكبير، ونسف السكة الحديد أمام بوابة المعسكر، مما أدى إلى انقلاب أحد القطارات المحملة بالمؤن وبعض المعدات الحربية، وعاد في الليلة نفسها، ومعه فريقه إلى القاهرة. وقد صدر بيان من محطة إذاعة لندن بتلك العملية.

كما قامت جماعات من تنظيم الضباط الأحرار، بعد انضمام تنظيم ضباط الفرسان، والإخوان الضباط، والضباط الذين كانوا ضمن تنظيم "حدتو"، بالإسهام، بدور كبير، مع مجموعات الفدائيين، في منطقة القناة في غارات حرب العصابات ضد المعسكرات وأمدوهم بالأسلحة والذخيرة، التي أمكن الحصول عليها من مخازن الجيش، وأعدوا الخطط لمعظم عمليات الفدائيين الهجومية، كما أعدت رئاسة تنظيم الضباط الأحـرار لغماً ضخماً أطلق عليه اسم "التيتل" لاستخدامه في إغراق أي سفينة في مجرى القناة لتعطيل الملاحة فيها عند اللزوم.

" كفر عبده"

قامت الكتائب الفدائية المشكلة من طلبة الجامعات ومصر الفتاة، باغتيال كثير من العسكريين البريطانيين، وقابل الإنجليز ذلك بمنتهى العنف إلى أن أعلنوا في أحد الأيام أنهم سيدمرون قرية "كفر عبده"، القريبة من السويس بحجة أنها تأوي الفدائيين، الذين يحاولون نسف محطة المياه الموجودة بهذه القرية، التي تغذي المعسكرات البريطانية بالمياه، ولما وصل التهديد إلى الحكومة أمر وزير الداخلية قوات بوليس السويس بالمقاومة، والدفاع عن القرية وانضمت قوات البوليس للفدائيين ودارت معركة غير متكافئة، بين المصريين والإنجليز، ونسف الإنجليز قرية كفر عبده وأزالوها بمن فيها، ممن تبقى من الأهالي ورجال المقاومة.

زيتية "شل"

في 3 ديسمبر عام 1951، نشبت معركة بين المقاومة المصرية والقوات البريطانية، عند المنطقة المعروفة "بزيتية شل"، وتحصن الفدائيون بالمنازل وانضم إليهم رجال البوليس، وحاصرتهم القوات البريطانية بالدبابات، التي انتشرت حول معمل تكرير البترول الأميري وتقدم الجنود البريطانيين، يطلقون النار في جنون، ولكن المقاومة استطاعت أن تقضي على معظم الجنود، وعلى رأسهم قائدهم الضابط الإنجليزي، وعندما وصلت أخبار هذه الخسائر إلى القيادة البريطانية، قررت الانتقام بعنف.

مذبحة الإسماعيلية

تحرش الإنجليز برجال البوليس في مدينة الإسماعيلية، وأمرت القيادة البريطانية قوات بلوكات النظام المصرية الموجودة في دار المحافظة بالجلاء عنها، وأمر وزير الداخلية فؤاد سراج الدين هذه القوات بالمقاومة وعدم الاستسلام، وفي يوم 25 يناير 1952، أطلق الإنجليز المحاصرون لدار المحافظة مدافعهم، وقاوم جنود البوليس عن مواقعهم في بسالة واستخدم الإنجليز جميع أنواع الأسلحة  الحديثة، واستشهد عدد كبير من البوليس لا يقل عددهم عن ثمانين جندياً فكانت مذبحة بكل أبعادها، وسرعان ما انتشرت أخبار هذه المذبحة غير المتكافئة عن طريق الإذاعة والصحافة، في المجتمع المصري، وأبلغت وزارة الخارجية المصرية ممثلي دول العالم المجتمعين وقتها في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بمذكرة عن هذه الفظائع. واستدعت مصر سفيرها في بريطانيا احتجاجاً على تصرفات السلطات البريطانية في القناة.

حريق يناير 

في صباح يوم 26 يناير 1952، سادت البلاد موجة من الغضب، واحتشدت قوات "بلوك النظام"، الموجودة في منطقة القاهرة، لإظهار سخطهم على مذبحة الإسماعيلية، التي حدثت لإخوانهم الجنود، وتحركت هذه القوات في شبه مظاهرة، واتجهت إلى جامعة فؤاد، واجتمعوا بالطلبة هناك، ثم أتجه الجميع في مظاهرة، إلى مبنى مجلس الوزراء، ثم إلى قصر عابدين وكانت هذه المظاهرات تنذر بالخطر، خاصة أن بها جانباً كبيراً من رجال البوليس، المفروض فيهم حفظ الأمن والنظام، ولكن الاستياء كان قد بلغ مداه، وتجمع الأهالي حول هذا التجمهر، وزاد عددهم، وأفلت النظام عندما بدأوا يتحركون صوب ميدان الأوبرا، وفجأة في ميدان الأوبرا، وبعد انضمام كثير من العناصر المخربة إلى المتظاهرين وكانوا يقودون دراجات بخارية وفقا لشهود عيان، بدأ الاعتداء على الممتلكات، ومحطات الوقود، والمحلات التجارية، واشتعلت النيران في كل شيء، في وسط البلد، حتى عم النهب، والسلب، والتخريب، وانتشرت الحرائق حتى وصلت إلى شارع الهرم، واستمرت حتي ساعة متأخرة من الليل.

اللجنة التأسيسية

احترقت القاهرة، وأقيلت حكومة الوفد، وبقيت الأحكام العرفية التي أعلنتها، وكان لحريق القاهرة أثر شديد على الضباط الأحرار، ففي مساء يوم الحريق، اجتمعت اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار لدراسة الموقف، واتضح بجلاء، في هذا الاجتماع، أن الأحداث وتطورها في البلاد تسير بخطي سريعة نحو حالة من التدهور لم يسبق لها مثيل، وأن الزمام ربما يفلت، في أية لحظة، ويحدث انفجار من الشعب المتذمر، وتصبح البلاد في حالة من الفوضى لا يمكن التكهن بنتائجها، وكان لابد من التحرك بسرعة، خاصة أن الملك نفسه عرف بأمر الضباط الأحرار، وتنظيماتهم داخل الجيش، بعد تحديهم له في انتخابات مجلس إدارة نادي ضباط الجيش، التي جرت يوم 31 ديسمبر 1951، وفوزهم فيها، فكان عليهم أن يسبقوه في التحرك، وأن يضربوا ضربتهم، ويقوموا بالانقلاب، الذي كانوا يعدون أنفسهم له، قبل أن يعمل هو على تصفيتهم نهائياً من الجيش، وتضيع عليهم الفرصة.

 يقول عبداللطيف البغدادي: "عندما أثيرت تلك النقاط، في هذه الظروف، التي تحيط بنا في مناقشاتنا، وضرورة تحركنا السريع والعاجل، كان جمال عبدالناصر يرى عدم الاندفاع، ويدعو إلى التأني، وكانت هذه عادته، وكان الرأي في اللجنة التأسيسية، في هذه الجلسة، يتجه إلى عدم التحرك، ويحرص على التريث والحذر، ولما وجدت، أن هناك إصرار على عدم التحرك السريع، على الرغم من تلك الأحداث، أعلنت عن انسحابي من حضور اجتماع اللجنة التأسيسية في المستقبل، حتى يقرروا أن الوقت المناسب قد حان لتنفيذ الخطة، وأن يعتبروني في تلك الفترة جندياً لهم في سلاح الطيران، وأنهم سيجدونني وزملائي ضباط القوات الجوية خير عون لهم حينما تحين الساعة".

منذ اجتماع اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار، مساء يوم الحريق، توالت المنشورات، وتأكد لجميع ضباط الجيش الوجود الفعلي، والنشاط الظاهر للضباط الأحرار، وانضمت أعداد كبيرة، من الضباط إلى تنظيم الضباط الأحرار، بحيث أصبح التنظيم قوياً وقادراً على أن يثير اهتمام القوى الداخلية والخارجية، المهتمة باستمرار نفوذها في مصر، وفي هذا الوقت، وصلت معلومات إلى تنظيم الضباط الأحرار، من الإخوان المسلمين، أن الإنجليز أبلغوهم انهم يريدون التخلص من الملك، الذي أصبح مكشوفاً ومكروها من الشعب، ولا يضمن مصالحهم، وأن الإنجليز طلبوا من الإخوان اغتيال الملك!!.

بعد الحريق

كان الضباط الأحرار يعتمدون على منشوراتهم، التي لم تتوقف، التي تبادل مسئولية طبعها وتوزيعها، عدد من الضباط الأحرار، منهم عبدالرحمن عنان، وحمدي عبيد، وزير الإدارة المحلية فيما بعد، وخالد محيي الدين،  

ظهر بعد حريق القاهرة منشور يقول:" أيها الضباط.. "إن الخونة المصريين يعتمدون عليكم وعلى جيشكم لتنفيذ أهدافهم، وهم يظنونكم أداة طيعة، في أيديهم، للبطش بالشعب، وإرغامه على قبول ما يكره، فليفهم هؤلاء الخونة أن مهمة الجيش هي الحصول على استقلال البلاد وصيانته، وأن وجود الجيش في شوارع القاهرة إنما هو لإحباط قرارات الخونة، التي تهدف إلى التدمير والتخريب، ولكننا لا نقبل ضرب الشعب، ولن نطلق رصاصة واحدة على مظاهرة شعبية، ولن نقبض على الوطنيين المخلصين. يجب أن يفهم الجميع أننا مع الشعب الآن، ومع الشعب دائماً، ولن نستجيب إلاّ لنداء الوطن".

وقال منشور آخر صدر في فترة وزارة أحمد نجيب الهلالي الأولى (من أول مارس 1952 وحتى 28 يونيه 1952):" توالت مؤامرات الاستعمار الأنجلوـ أمريكي، في الفترة الأخيرة في مصر، لمحاولة القضاء على الحركة الوطنية، ولصرف أنظار الشعب، عن الكفاح المسلح ضد الاستعمار في القناة، إلى مشاكل داخلية في القاهرة، فيما بعد أن أعلنت حكومة الوفد قطع المفاوضات، وإلغاء المعاهدة، ورفض حلف الشرق الأوسط الرباعي الاستعماري، وتكوين الكتائب الوطنية، اشتدت جذوة الوطنية في البلاد حتى كادت أن تصل مصر إلى حقوقها الكاملة، دبر الاستعمار وأذنابه انقلاب 26 يناير الماضي وجاءت حكومة علي ماهر وبدأت المفاوضات من جديد، وكان الاستعمار والخونة المصريون يأملون كثيراً من علي ماهر التسليم تسليماً كاملاً بمطالبهم، بقبول واستعمال الأحكام العرفية، للتنكيل تنكيلاً واسعاً بالشعب، ولكن خاب رجاؤهم، ولم يجبهم علي ماهر إلى مطالبهم، فكان لابد من انقلاب جديد لتحقيق الأهداف الاستعمارية السابقة، وتحويل الحركة إلى الداخل، والقيام بحركة تطهير واسعة بالبلاد بحجة تقوية الصفوف قبل مجابهة الاستعمار، وهكذا وصل الهلالي إلى الحكم بعد تدبير سابق، وقد جاء الهلالي وأعلن برنامج الوزارة بصراحة، وأن مهمتها الرئيسية هي التطهير، وقد تناسى أن الفساد الأكبر مصدره الاستعمار، وأنه لا يمكن القضاء على الفساد الداخلي، إلاّ إذا قُضى على أسبابه ومصدره، إن من أهداف الضباط الأحرار الكفاح ضد الفساد، وضد الرشوة، والمحسوبية، واستغلال النفوذ، ولكن يجب ألاّ نتجه إلى ذلك، إلاّ بعد القضاء على الاستعمار".