عماد الصابر يحقق مذكرات جلال ندا (7):دماء المصريين محطة الوصول إلي يوليو

عماد-الصابر-يحقق-مذكرات-جلال-ندا-7-دماء-المصريين-محطة-الوصول-إلي-يوليو

مقدمات "الرافعي" أكدت ما جاء في أوراق جلال ندا حول الكفاح في حرب 48 والقناة وانتخابات نادي الضباط 

بريطانيا كانت تتمني مواجة جيش مصري غير مستعد في القناة لتكرر مأساة النكبة لكن الشعب قام بالمهمة ونجح في تقويض دعائم مستعمراتهم هناك 

حكومة الوفد انتهزت فرصة انشغال الأمة بالكفاح في القنال ومضت في سياستها القائمة على الفساد والحزبية الجامحة 

اشترت 150 ألف طلقة بندقية وشحنتها علي سفينة صهيونية سلمت الحمولة للصهاينة ووصلت للإسكندرية فارغة ! 

الفدائيون في القناة أجبروا اللورد ستانسجيت علي التصريح بأن منطقة القناة لم تعد صالحة لبقاء القوات البريطانية

السفير الفرنسي كشف في تقرير له عام 1952 ان ولاء صغار الضباط للملك انهار تماما بينما ظل الكبار علي ذات الولاء

 سخونة الأحداث جعلتنا نخرج مؤقتا من أسر مذكرات الراحل البكباشي جلال ندا، لا لنوسع دائرة الحديث عن الثورة، عبر أفضل من أرخ لها في رأي الكثيرين، من خلال المؤرخ عبد الرحمن الرافعي، بل لنؤكد الكثير مما قاله ندا وأكده الرافعي  إجمالا و بالتفصيل أحيانا، في معرض حديثه عن الثورة، في كتابه " مقدمات ثورة يوليو.. حيث قال : ولما دخل الجيش حرب فلسطين في مايو 1948، كشفت المعارك عما كان يجري من خيانة ورشوة وفساد في إدارة الجيش وتسليحه وتموينه، وتبين أنه لم يزود بالسلاح الكافي، الأمر الذي تسبب في تعرض الجنود والضباط للموت والهلاك، بسبب فارق التسليح بينهم وبين العدو،.. استفزت هذه المآسي في نفوس الضباط النقمة على النظام الذي يعرض الجيش والوطن للويلات والكوارث، فكانت حرب فلسطين هي الشرارة التي ألهبت فيهم جذوة التحرير والثورة.

تعهدت هذه الجذوة فئة من خيرة الضباط، على رأسهم جمال عبد الناصر، فألفوا من بينهم جماعة باسم "الضباط الأحرار" جعلوا هدفهم إنقاذ البلاد بواسطة الجيش والشعب من الانهيار، الذي أوصلها إليه الملك السابق والاستعمار، كانت فكرة هذه الجماعة موجودة خلال الحرب العالمية الثانية، على أنها لم تدخل في دور التكوين إلا في حرب فلسطين، وبدأت في التنظيم سنة 1949.

اجتمعت الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار أواخر سنة 1949، وكانت تضم في البداية : البكباشي جمال عبد الناصر، والصاغ عبد الحكيم عامر، والصاغ كمال الدين حسين، والصاغ صلاح سالم، وقائد الجناح جمال سالم، وقائد الأسراب حسن إبراهيم، وقائد الجناح عبد اللطيف البغدادي، والصاغ خالد محي الدين، والبكباشي أنور السادات، .. و في يناير سنة 1950 أجريت الانتخابات لرياسة هذه الهيئة، فانتخب جمال عبد الناصر رئيسًا لها بالإجماع، كانت هذه الهيئة هي قوام ثورة 23 يوليو سنة 1952، وصارت فيما بعد مجلس قيادة الثورة.

عبدالرحمن الرافعي 

أخذ الضباط الأحرار يبثون في نفوس إخوانهم عامة روح الثورة، ويضمون إليهم الأنصار تدريجًا، ويطبعون المنشورات السرية بتوقيع "الضباط الأحرار" ويوزعونها على الشعب كله، وفي يناير 1951 أجريت انتخابات جديدة لهيئتهم التأسيسية، وأعيد انتخاب جمال عبد الناصر رئيسًا لها وتكرر انتخابه في يناير سنة 1952، وفي هذا الاجتماع الأخير اتفقوا على اختيار اللواء محمد نجيب لكي يكون قائدًا للحركة في يوم تنفيذها، وبقي هذا الاختيار سرًا مكتومًا بينهم ولم يفضوا به إلى اللواء محمد نجيب إلا قبيل معركة انتخابات نادي ضباط الجيش.

ولما قام الكفاح في القنال في أكتوبر سنة 1951 بعد إلغاء المعاهدة، لم يشترك الجيش في المعركة، لأن الظروف لم تكن مواتية لاشتراكه فيها، ولكن بعض ضباطه ساهموا فيها سرًا بتدريب الفدائيين على حرب العصابات وإمدادهم بالسلاح والذخيرة والمفرقعات وبالمساهمة الشخصية فيها، وأخذت الروح العدائية للملك السابق تنتشر في صفوف الضباط باعتباره المسئول الأول عن فساد إدارة الجيش وتزويده في حرب فلسطين بالأسلحة والذخائر الفاسدة. وظهرت هذه الروح سافرة في ديسمبر سنة 1951 في انتخابات نادي الضباط.

الضباط يتحدون الملك

كان محددًا لاجتماع الجمعية العمومية للنادي يوم الخميس 27 ديسمبرعام 1951 لانتخاب رئيس النادي وأعضاء مجلس إداراته، وعلمت إدارة الجيش و فاروق بأن الضباط متجهون إلى إبعاد العناصر الموالية له، من رياسة النادي وعضوية مجلس الإدارة، وكان الملك يريد إسناد رياسة النادي إلى صنيعته اللواء حسين سري عامر، وفي الوقت الذي أخذ فيه الضباط الأعضاء يفدون على دار النادي تلقت إدارته أمرًا من إدارة الجيش بإلغاء الاجتماع وتأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى.

وبالرغم من صدور الأمر بإلغاء الاجتماع، فإن الضباط اجتمعوا وأخذوا يتشاورون في الموقف، وخطب بعضهم خطبًا حماسية، وانتهى الرأي بينهم إلى عقد اجتماع آخر للجمعية العمومية حددوا موعده، وتحدوا بذلك أوامر السراي، وفي أثناء الاجتماع أذيعت أسماء من اتفق الضباط على ترشيحهم لمجلس إدارة النادي، وجميعهم من الضباط الأحرار، فتبين من هذا الترشيح أن الضباط الأحرار مؤيدون من زملائهم جميعًا، وبالفعل اجتمعت الجمعية العمومية للنادي في الموعد المحدد وحضرها نحو خمسمائة ضابط من مختلف الأسلحة، وكان اجتماعًا هامًا، تجاوب فيه الجيش مع الشعب، إذ أصدرت الجمعية العمومية قرارًا إجماعيًا بأن الجيش المصري جزء من مصر يشعر بشعور مصر وإحساسها نحو المحتل وأنه دائمًا في خدمة قضية البلاد.

وأسفرت الانتخابات عن نجاح مرشحي الضباط الأحرار، فانتخب اللواء محمد نجيب مدير سلاح المشاة رئيسًا للنادي، وانتخب مجلس إدارته من الضباط الأحرار، وهم:" البكباشي زكريا محي الدين، البكباشي محمد رشاد مهنا، البكباشي أحمد حمدي عبيد، البكباشي عبد العزيز الجمل، البكباشي إبراهيم فهمي دعبس، البكباشي أنور عبداللطيف، الأميرالاي عياد إبراهيم الصاغ جمال حماد، البكباشي عبدالرحمن أمين، البكباشي حافظ عاطف، قائد الأسراب حسن إبراهيم، قائد الجناح بهجت مصطفى، الأميرالاي حسن حشمت، اليوزباشي أحمد عبدالغني مرسي، البكباشي جلال ندا"، فيما فشل في الانتخابات الضباط المعروفون بأنهم من صنائع الملك والسراي، فأخذ الملك وصنائعه يتربصون للضباط الأحرار، ويعملون على الكيد لهم، ويتحدون إدارة النادي، وظهر هذا التحدي سافرًا في شهر يوليه سنة 1952، في عهد وزارة حسين سري القصية المدى، كما سيجيء بيانه، ونشأت لذلك أزمة كانت من العوامل التي عجلت بقيام ثورة 23 يوليو سنة 1952.

حصار عابدين

الابتعاد عن الانجليز 

أحسنت الجميع صنعًا بتجنيب الجيش المصري الاشتباك مع الإنجليز، في معركة سافرة أثناء الكفاح في القنال سنة 1951 - 1952، و كان الإنجليز يتمنون هذا الاشتباك، ليستدرجوا الجيش إلى منازلتهم في معركة لم يكن مستعدًا لها، وفي هذه الحالة كانت تستطيع بريطانيا أن تقضي على القوة الناشئة في الجيش المصري، وأن تكسب مركزًا تناله في ميدان القتال، فتزداد تماديًا في اغتصابها، وتزداد مصر ضعفًا أمامها، ولم يكن غائبًا عن الأذهان ما كسبه الإنجليز من انتصارهم على الجيش المصري في معارك الحرب العرابية سنة 1882، ولقد فطنت الحكومة كما فطن الضباط الأحرار إلى هذه الحيلة، فاجتنبوا وقوع اشتباك مسلح بين الجيش والبريطانيين، ووكلوا إلى قوات البوليس مهمة حفظ النظام وحماية أرواح المواطنين في منطقة القنال، وهي المهمة التي أداها رجال البوليس على أكمل وجه كما بينا من قبل.

الانجليز في منطقة القناة

فطن الانجليز لموقف الجيش المصري، فحاولوا أن يتخذوا من هذا الموقف وسيلة للوقيعة بين الشعب والجيش، فصرح أنطوني إيدن وزير خارجية بريطانيا في مجلس العموم في شهر ديسمبر سنة 1951 "بأن الجيش المصري هو أشد المصريين حبًا في السلام وأن علاقته بنا هي علاقة الأصدقاء"، لكن هذه الحيلة لم تخف على فطنة الشعب، فإنه كان يعلم علم اليقين أن الجيش لم يكن صديقًا للاستعمار ولا لأعوان الاستعمار، ولم يكن موقفه في اجتناب الدخول وقتئذ في معارك ضد الجيش البريطاني، إلا تلبية لإرادة الشعب في أن لا يدخل حربًا لم يكن مستعدًا لها، ولم يكن من الحكمة أن تتكرر مأساة فلسطين مرة أخرى، تلك المأساة التي نشأت عن دخول مصر الحرب على غير استعداد للقتال، وإذا كانت مأساة فلسطين سنة 1948 محدودة الدائرة لأنها وقعت خارج حدود مصر، فإن المأساة تنقلب إلى كارثة إذا دخل الجيش المصري سنة 1951-1952 في حرب مع الجيش البريطاني في منطقة القنال قبل أن يكتمل استعداده.

الوفد وكفاح القنال

لم تستجب حكومة الوفد إلى دعوة الوحدة التي تقدم بها المعارضون، وصمت آذانها عن الاستماع إليها، واستمرت تتجاهل كل قوة وكل هيئة وكل فرد في البلاد سواها، وتبين أنها تقصد من توحيد الصفوف أن يخضع الجميع لأمرها، ويكفوا عن توجيه أي انتقاد إلى تصرفاتها، ولم تكتف بذلك، بل انتهزت فرصة انشغال الأمة بالكفاح في القنال، ومساهمة الكثيرين في هذا الكفاح، ومضت في سياستها القائمة على الفساد والحزبية الجامحة، فاستمرت تفصل العمد والمشايخ الذين كانت ترى فيهم عدم الولاء للوفد، ومضت في سياسة المحسوبية في الوظائف وما إليها، فكانت مرتعًا للأقرباء والأصهار والأنصار، واستمرت الصفقات المريبة في بيع أملاك الحكومة أو تأجيرها، وإغداق أموال الدولة على الأشياع والمحاسيب.

وفي الوقت الذي كان المجاهدون الفدائيون يسقطون شهداء في ميدان الجهاد والتضحية، كان الكثيرون من نواب الوفد وشيوخه يتغلغلون في المصالح والدواوين، في القاهرة والأقاليم، عاملين على تحقيق مطالبهم ومطالب أشياعهم وأنصارهم على حساب مصالح المواطنين، ولم يسهموا بأي مجهود أو أية تضحية في معارك القنال، وكان جُل همهم أن يتحسسوا مدى تأثير هذه المعركة في مركز وزارتهم، كأنما بقاء وزارة الوفد في الحكم هو الهدف الأكبر للقضية الوطنية!.

مصطفى النحاس

ومن تصرفات حكومة الوفد الدالة على الإهمال أنها تعاقدت على شراء صناديق ذخيرة من سويسرا تحتوي على 150 ألف طلقة للبنادق، وشحنتها من مرسيليا بفرنسا على ظهر الباخرة شامبليون، إحدى بواخر شركة المساجري ماريتيم الفرنسية، فيما تبين أن هذه الشركة المعروفة بموالاتها للصهاينة، أوصلت هذه الذخيرة إلى ميناء (حيفا) قبل أن تبحر إلى ميناء الإسكندرية، وهناك مكنت سلطات دولة الكيان الصهيوني الناشئة، وفقا لقرار التقسيم من الاستيلاء عليها، ثم واصلت الباخرة سيرها إلى الإسكندرية خالية منها، وكان الأولي أن تشحن الحكومة هذه الذخيرة على باخرة مصرية، لكي تضمن أن لا تسلمها الباخرة الأجنبية غدرًا وبطريق التواطؤ إلى إسرائيل، لكن إهمال حكومة الوفد جعلها تترك الاحتياط والحذر جانبًا، وتضيع على البلاد هذه الذخيرة القيمة.

نتائج كفاح الفدائيين

كان لكفاح الشعب في القنال صدى بعيد في الخارج، وكان دليلاً مشرفًا على حيويته وتعلقه بالجلاء والحرية، وكان خير دعاية للقضية المصرية، ومع أن معارك القنال كانت صغيرة المدى، فإن نتائجها كانت بعيدة الأثر في تاريخ مصر، فلم تكد حوادث الكفاح في القنال تتوالى، حتى كانت الصحف العالمية ومحطات الإذاعة في الشرق والغرب تتحدث عن هذا الكفاح وتطوراته، وكانت هذه الأنباء أكبر دعاية لجهاد مصر في سبيل تحررها من الاستعمار، وصارت القضية المصرية موضع حديث العالم وموضع تقدير أنصارها وخصومها على السواء.

وعلى الرغم من أن مصر لم تكن مستعدة الاستعداد الكافي للقتال سنة 1951، وعلى الرغم من أن الحكومة لم تعد العدة لتنظيم المقاومة، فإن هذا الكفاح، وما تخلله من بطولة وفداء، وجهاد وتضحية، ومقاطعة تامة، وعدم تعاون مع الاحتلال ومنع التموين عن قواته، قد أنتج ثمرات طيبة كان لها الأثرالعظيم، في تغيير وجهة النظر البريطانية في فائدة القاعدة الحربية في قناة السويس، بعد أن كانوا مصرين على رفض هذه الحقيقة، لذا اعترف الإنجليز في غمرة الكفاح بهذه الحقائق.

فقال اللورد ستانسجيت في هذا الصدد في مجلس اللوردات : "إن القاعدة البريطانية في منطقة القنال أصبحت لا تصلح عسكريًا، وإن الكره الذي يحف بها يجعلها مهددة، فلا معنى لبقائها"، ونشر مراسل صحيفة التايمز في منطقة القنال، مقالاً في عدد 37 ديسمبر سنة 1951 وصف فيه حالة المعسكرات البريطانية، واعترف بفداحة الضربة التي أصابت القاعدة الإنجليزية في القنال، حين أجمع العمال المصريون على الانسحاب منها، وما أعقب هذا الانسحاب من إشاعة الفوضى والارتباك فيها، واعترف بفشل المحاولات التي اتخذت لجلب العمال من الخارج، وقال إن الأعمال الحيوية في المعسكرات أصيبت بارتباك خطير، وأصبح من المتعذر صيانة المقادير الهائلة من المعدات العسكرية، وأنه ليس من ينكر أن جو الاضطراب قد شاع في جوانب كثيرة من المعسكرات البريطانية، وأشار إلى أن أعمال الفدائيين المصريين قد قضَّت مضاجع الجنود البريطانيين.

 وأن الحياة العادية قد اختفت في المعسكرات على طول القنال، كما أن كثيرًا من المؤسسات التي قامت لضمان صلاحية القاعدة العسكرية والسهر على صحة الجنود ورفاهيتهم عطلت، وانقلبت الأمور في منطقة القنال بالنسبة للجيش البريطاني رأسًا على عقب، فبدلاً من أن يركز قواته في الاحتفاظ بالقاعدة والنهوض بها من كافة الوجوه، أصبح يركز جهوده في حماية نفسه من هجمات الفدائيين والاحتفاظ بمواقعه، وبلغ من شدة توتر أعصاب الجنود البريطانيين أنهم "باتوا يتساءلون عن جدوى الاحتفاظ بقاعدة عسكرية فقدت قيمتها نتيجة الشعور الوطني المعادي، وعما إذا كان من الأوفق تجنب احتكاكات سياسية جديدة بالبدء في إنشاء قاعدة أخرى في جهة تعرب حكومتها عن رغبتها في الانضمام إلى قيادة الشرق الأوسط، أو على الأقل في منطقة لا يكون وجود القوات الإنجليزية فيها مدعاة للسخط والاستنكار.

تسجيل جريدة المصري لنضال الشرطة امام الانجلير في الاسماعيلية

الرافعي لايزال يؤمن علي ما قاله جلال ندا، حيث اضاف : وقالت مجلة "نيو ستيتمسان" في مقال لها عن مصر :"إن من أهم الأخبار التي وردت إلينا من مصر نبأ إباحة حمل السلاح للمواطنين هناك، فمن هذا النبأ، ومن الطريقة التي يسلكها الجنرال أرسكين في مصر، يبدو واضحًا أن خطر قيام حرب العصابات في مصر بات على الأبواب، ويتبين من سياسة الحكومة البريطانية أنها تود إنقاذ موقف بريطانيا بطريق القوة المسلحة، وكثيرًا ما حذرنا من مغبة هذه السياسة، وهاهي ذي الأنباء الأخيرة تؤكد أننا على حق في ذلك التحذير، فالشعور الوطني في مصر متأجج، ولا سبيل إلى التفاهم مع مصر إلا بالطريق الودي، كما كانت سياسة وزارة العمال من قبل بالنسبة للهند، وإن كانت قد تناست تلك السياسة في المدة الأخيرة بالنسبة لإيران، وإن مستقبل المصالح البريطانية قد أصبح الآن هزيلاً، فإما جلاء، مخجل عن مصر، وإما اشتباك عسكري وفترة طويلة من الكفاح في ظل الأحكام العسكرية.

ومن الحق أن نقول إن الكفاح في منطقة القنال سنة 1951 – 1952 كان ولا ريب من العوامل الفعالة فيما انتهى إليه الإنجليز من إيثار الجلاء عن هذه المنطقة، لأنه إذا كانت مصر من غير استعداد، قد زعزعت مركز الإنجليز في قاعدة القنال وجعلتهم يتشككون في إمكان الاعتماد عليها إذا شبت الحرب، فكم يكون مركزهم فيها واهنًا ويزداد ضعفًا إذا أكملت مصر استعدادها الحربي والاقتصادي والمعنوي لتحرير القاعدة من كل ميزة حربية للعدو.

لا شك أن الإنجليز قد بدأوا بعد كفاح سنة 1951 – 1952 يغيرون رأيهم في مبلغ الاعتماد على هذه القاعدة، وخاصة بعد أن بعثت الثورة في جيش مصر روحًا جديدة، وزودته بالقوة المادية والمعنوية، كل هذا ولا ريب كان له أثره فيما انتهوا إليه من إيثار الجلاء عن هذه القاعدة في اتفاقية سنة 1954".

جرائم الأنجليز في الاسماعيلية 

الرافعي توقف عند تاريخ يعلن عن مرور عامين علي قيام الثورة، لكن تقريرا رفعه السفير الفرنسي بالقاهرة لوزارة الخارجية الفرنسية، يعود بنا إلي أيام ما قبل الثورة، التقرير يعود إلي يناير عام 1952 ، وهو مواكب للحدث الذي بكر وقوع الثورة من عام 1955 كما كان مقررا، إلي يوليو 1952 كما وقع بالفعل ، التقرير تحدث عن انهيار سلطة الملك وضياع سمعته ثم الصراع بينه وبين مجموعة من الضباط، تطلق علي نفسها اسم الضباط الأحرار، ونجاح هؤلاء في فرض اسم محمد نجيب رئيسا لناديهم وهي واقعة لم يستوعبها الملك، وقتها إذ تبين بعد ذلك أن محمد نجيب نفسه هو الذي سيجبره علي التنازل عن العرش، ثم مغادرة مصر نهائيا بعد قيام حركة‏23‏ يوليو، ولعل أخطر ما ورد في هذا التقرير هو كشفه ان ولاء كبار ضباط الجيش للملك لم يهتز، إنما ولاء صغار الضباط هو الذي انهار تماما، ومع هذا قال التقرير ان ولادة ولي عهد للملك ربما تعيد له بعض الشعبية، غير أنه من المؤكد ان الملك قد انتهي سياسيا‏.‏

الغريب أن بعد ذلك بستة أيام بعث السفير ببرقية عاجلة يعلن فيها ميلاد الامير احمد فؤاد، وهنا مفاجأة كبيرة اذ ان البرقية التالية للسفير مؤرخة بتاريخ‏27‏ يوليو أي بعد قيام الثورة بثلاثة أيام، وهو عبارة عن ترجمة لخطاب تنازل فاروق عن العرش، فهل يعني هذا ان السفير انتظر بعض الشئ، لحين امساك فاروق مرة أخري بدفة الأمور في البلاد؟ أو لحين قيام حركة جيش مضادة أو ما شاكل ذلك وهو مالم يحدث‏,‏ وجاء خطاب التنازل لينهي كل تلك السيناريوهات‏.‏

في الحلقة القادمة الثورة على عتبات القصر