عماد عفانة يكتب: الأونروا ومخاطر الانهيار — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

عماد عفانة يكتب: الأونروا ومخاطر الانهيار

عماد-عفانة-يكتب-الأونروا-ومخاطر-الانهيار

بعد الكشف الذي قام به فيليب لازاريني المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، عن التخفيضات الكبيرة في ميزانية الأونروا، بما في ذلك خفض منحة بريطانيا إلى النصف، في أعقاب تلكؤ الولايات المتحدة عن دفع حصتها المقررة في موازنة الأونروا، رغم توقيعهما لاتفاق الإطار الذي أخضع الأونروا لرغبات أمريكا وأجندتها، بدأت تثار تساؤلات عن مخاطر انهيار الاونروا.

تراجع اسهامات المانحين

وتعد بريطانيا ثالث أكبر دولة مانحة للأونروا، حيث كانت تساهم بما قيمته 42.5 مليون جنيه إسترليني في العام 2020م قبل أن تخفض حصتها الأساسية بأكثر من 50٪، 20.8 مليون جنيه إسترليني في هذا العام 2021.

الأمر الذي يضع الأونروا أمام أزمة وجودية بسبب عجز قيمته نحو 100 مليون دولار، حيث تعاني الأونروا من عجز مزمن في موازنتها بسبب طريقة التمويل غير المستدام، نظرا لارتهان موازنة الأونروا لإرادة المانحين وأجنداتهم السياسية، نظرا لرفض الأمم المتحدة وضع موازنة الأونروا ضمن موازنتها العامة.

الآثار العميقة لتراجع خدمات الأونروا

ويترك العجز المتواصل في موازنة الأونروا آثاره العميقة على الخدمات الاغاثية التي تقدمها لنحو ستة ملايين لاجئ في مناطق عملياتها الخمس، لجهة اجبار الأونروا على اتخاذ مزيد من إجراءات التقشف وتقليص الخدمات والوظائف، الأمر الذي يصنع حالة من الضيق والغليان واليأس، نظرا لأن تراجع الأونروا يخلق شعوراً عميقاً لدى جمهور اللاجئين بالتخلي عنهم.

الأمر الذي يهدد مستقبل أكثر من 550.000 طفل يدرسون في حوالي 700 مدرسة تديرها الأونروا، فضلا عن تهديد صحة ملايين اللاجئين الذين يعتمدون على الخدمات التي توفرها المراكز الصحية والرعاية الاجتماعية التي توفرها الأونروا للاجئين الفلسطينيين.

محاولات الإنعاش

يذكر أن ميزانية الوكالة الأممية الأساسية تبلغ نحو 800 مليون دولار، تعمل الأونروا مع عدد من الدول المانحة والمستضيفة للاجئين على تنظيم مؤتمر خاص في بروكسل هذا الشهر لحث المانحين على إنهاء التمويل السنوي المباشر للوكالة لتامين هذا المبلغ لمساعدتها على البقاء على قيد الحياة والحيلولة دون انهيارها، الأمر الذي قد يكون له ارتدادات على الأمن والاستقرار في المنطقة، نظرا لكون مخاطر انهيار الأونروا قد تمتد الى تهديد حياة ومستقبل ملايين اللاجئين.

وكانت الأونروا قد تعرضت موازنتها العامة لإصابة بالغة في عام 2018 عندما أعلن الرئيس الأمريكي ترامب عن وقف التمويل الأمريكي لها، إلا أن الأونروا تمكنت في أعقاب ذلك من سد العجز في الموازنة من دول مانحة أخرى.

منحنى تنازلي لافت

غير أن اللافت للانتباه أن تراجع بريطانيا عن دفع حصتها المقررة في موازنة الأونروا بمقدار النصف هذا العام، تزامن مع انخفاض المساهمات الخليجية الى 20 مليون دولار، في حين دفعت 200 مليون دولار في 2018 و87 مليون دولار في 2019 و37 مليون دولار في 2020.

الشاهد في الأمر أن طريقة تمويل الأونروا التي تخضع لرغبات المانحين قد يقود الأونروا إلى منحنى الانهيار في كل حين، الأمر الذي يهدد استقرار المنظمة الأممية لجهة تعظيم شعورها بالتخلي وصولا إلى التهديد الوجودي لها قبل أن تحقق الغرض الذي أقيمت من أجله، وهو عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وبيوتهم التي هجروا منها في العام 1948، طبقا للقرار 302 لعام 1949م.

الأونروا في نزاع عمل مع موظفيها

وفي الوقت أعلن فيه لازاريني خلو حساب الأونروا المصرفي من أية أموال تضمن لها البقاء والاستمرار في تغطية تكاليف ورواتب آلاف المعلمين، وآلاف العاملين الصحيين، أعلنت اتحادات موظفي الأونروا في مناطق عملياتها الخمس، والذي استشعروا تعاظم المخاطر على مستقبل عملهم في الأونروا، أعلنوا الدخول في نزاع عمل مع الأونروا، للحيلولة دون تهديد استقرار حياة أسر وعوائل نحو 30 ألف موظف يعتمدون على رواتب الأونروا في إعالتهم، الأمر الذي يعني خسارة الخدمات الهامة في بيئة غير مستقرة للغاية.

مخاطر الانهيار

وقد أطلق لازاريني في مقابلة مع الغارديان البريطانية تحذيرات خطيرة في صيغة تساؤلات:

- هل يمكن تعويض الأونروا إذا انهارت فيما يتعلق بتوفير التعليم للاجئين الفلسطينيين!

- ماذا سيحدث لهؤلاء الأطفال -550 ألف-إذا لم نتمكن من تعليمهم، والمدارس مغلقة!

- ومن سيمل الفراغ الذي سوف يدخل إلى منطقة مجهولة!

- من سيملأ هذه الفجوة في أماكن مثل غزة وفي مخيمات اللاجئين في لبنان!

يبدوا أن الدول المانحة التي تضغط على الأونروا:

-  إما تتغافل عمدا عن الإجابات الصعبة للتساؤلات أو قل التحذيرات الخطيرة التي أطلقها لازاريني.

- وإما تريد فعلا ادخال المنطقة إلى مخاطر المجهول بعد افلاس وانهيار الأونروا لتمرير مخططات الفوضى الخلاقة التي تعتمدها لتحقيق مصالحها ومصالح حليفتها "اسرائيل".

غني عن القول إن الاستثمار في تعليم أكثر من 550 ألف فتى وفتاة في المنطقة، هو في الحقيقة استثمار في استقرار وأمن المنطقة.

منحة في قلب المحنة

"الأونروا" ليست هي دولة اللاجئين المنشودة، وليس هي غاية وطنية ولا قومية، بل هي مؤسسة أممية، أقامها العالم الذي تغاضى عن اغتصاب وطنهم وبيوتهم وأراضيهم، والسطو على أحلامهم، أمنهم وسلامهم، وكالة اممية لتخدير آلامهم، وصناعة فقاعة دولية تمنيهم بالعودة إلى ديارهم وبيوتهم.

واليوم وبعد أكثر من 73 عاما على نكبة اللجوء، يكتشف اللاجئون حقيقة المأساة، وعدم وجود أي أفق لحل سياسي يعيدهم إلى بيوتهم، ولا حل قادر حتى على أن يقيم لهم دولة في جزء- حدود 67- من وطنهم المغتصب.

واليوم وبعد أن انبلج فجر هذه الحقيقة المرة أمام الجميع، هل بقي خيار أمام اللاجئين للاختيار بين البقاء لاجئين إلى الأبد، وبين أن يأخذوا زمام المبادرة لتحقيق حلم العودة بأيديهم!

وقد تكون هذه المحنة القاسية التي يمر بها نحو ستة ملايين لاجئ، منحة لليقظة والانتباه للقوة الكامنة التي يمتلكونها، فتحركهم الجماعي والمنسق في المناطق التي يتوزعون عليها في غزة والضفة والأردن وسوريا ولبنان، قادر على افشال مؤامرات ومخططات، وقادر خلق معادلات جديدة تخدم هدف العودة.